أكرم عطا الله يكتب: أمام تصحر ثقافي بسبب “ربيع العرب”..!!

 

لأن الحالة العربية هي حالة هشة بمعنى التطور التاريخي وأين يقف على أية عتبة من عتبات التطور الحضاري.. فالديمقراطية هي وليدة مراحل تاريخية كل واحدة تشكل أساساً لما بعدها.. لذا فقد تحركت التظاهرات والاضطرابات العربية في مناخ لم يكن مهيأ لإنتاج الحد الأدنى من أشكال الديمقراطية لأسباب كثيرة.. سواء ما يتعلق بحالة الوعي الذي تحركت في اطاره الاحتجاجات والعقل القبلي الذي لازال يحكم المنطقة العربية أو بسبب غياب البنية التحتية وحوامل الديمقراطية في العالم العربي.

لذا كان من الطبيعي أن ينتقل منذ مراحله الأولى الى حالة العنف التي تعبر حقيقة عن مستوى الوعي والسلوك الناتج عنه كثقافة حادة  فالمعارضات العربية التي بدأت بالمطالبة بالديمقراطية كانت أكثر عنفاً حتى من الأنظمة المطالَبة بها وتلك مفارقة وضعتنا جميعاً أمام تحليل المستوى والاعتقاد بلا شك أننا أمام حالة لم تنضج بعد لشروط ممارسة الشعارات التي رفعت من قبل القوى السياسية المناهضة فقد كانت حين توفرت لها المناخات أكثر قسوة وديكتاتورية، فالمراحل التاريخية لا يتم حرقها بتلك البساطة.

لقد أطاح الربيع العربي بالكثير من المنجزات التي كانت تتحقق في إطار التطور الطبيعي الهادئ الذي كانت تشهده المنطقة العربية، بل وأعطى انعكاسات أكثر دموية وأكثر سلبية، وليس من قبيل المبالغة القول أنه أجهض ذلك التطور مرتداً نحو عصور أكثر ظلامية، سواء بالعودة لسيطرة الدولة أو حتى بتبريرها لقمع الحريات والرأي الآخر باسم الحفاظ على الدولة وتماسكها، وكان ذلك منطقياً.

لقد أعاد الربيع العربي كل ممكنات القوة بشكل أكبر للدولة أو للحزب الحاكم.. وبرر ذلك قمع الرأي الآخر بشكل أكثر مما كان قبل الاضطرابات والاحتجاجات، فغابت أصوات المعارضة تماماً بعد هدوء العاصفة، ولم تعد الأحزاب السياسية المعارضة قادرة على اعلان رأيها، وتراجعت الصحف والمجلات، وكذلك على صعيد الفن والمسرح والرواية والشعر وكل شيء، حتى بدا العالم العربي وبالتحديد الدول التي شهدت اضطرابات ليس بها سوى جيوش ونظم الأسوأ أن الربيع العربي أعاد فرز الشخصيات والقيادات وفقاً لاعتبارات الولاء، بعيداً عن اعتبارات الكفاءة والمهنية.. فكل نظام يتذكر من وقف معه ومن لم يقف.. من والاه ومن وقف محايداً.. وتلك كانت جريمة في عالم شديد الاهتزاز يبحث عن تثبيت أقدامه وسط انجراف العديد من القادة والسياسيين نحو أودية ومربعات مختلفة عن مسار النظام القائم.

شاهدت مسرحية لبنانية أنتجت حديثا في غاية العمق الثقافي..  وتذكرت المسرح أو انحطاطه في الدول التي اهتزت بشدة.. فلم يعد هناك انتاج ثقافي ولا مسرحي في العراق وليبيا وغيرها من الدول، وإن كان هناك منتج ثقافي فقد شهد حالة من التردي لا مثيل لها، فقد غابت الرواية والقصة والفيلم الذي باتت تنتجه مستويات ضحلة بعيدة عن الثقافة، ولكن كل مؤهلاتها أنها موالية للنظم، وهكذا يبدو أننا أمام حالة تصحر أنتجها ربيع العرب.

وما بين لبنان وبين دمشق ومثيلاتها سيتضح الفرق في السنوات القادمة، فيما ستختفي عواصم كانت يوماً رائدة الانتاج الثقافي، وستظهر عواصم أخرى، وقد يكون للمغرب العربي شأن خلال السنوات القادمة، وهي المنطقة التي ابتعدت عن الصراعات البينية وقد بدأ المغرب العربي منذ سنوات بتوفير بيئة أكثر استيعاباً للثقافة، ومن يرى حجم ونوع ما ينتج هناك يدرك ماذا تعني الحريات والاستقرار..؟.

لم يُطح “ربيع العرب” فقط بما كان متوفراً من مساحة للحريات رغم قلتها، إلا أنها كانت تشكل أساساً لمرحلة لابد وأن تكون كمقدمة لتجاوزها نحو مساحات أكثر اتساعاً، فعودة بعض الدول العربية لسيطرة الجيش وأجهزة الأمن التي اعتبرت أنها من منع الدولة من السقوط وهي صاحبة الفضل في الحفاظ على الدولة، وقد يكون هذا صحيحاً ولكنه على المدى البعيد سبب لتراجع الكثير من الانجازات والحريات والمجتمع المدني الذي اختفى تماماً حين اتضح أنه انكسر واختفى مع أول احتجاجات وأول ريح عنيفة هبت على المجتمعات العربية.

خسارة أن العرب أرادوا التقدم، فإذ بهم يعودون للوراء لعقود طويلة، وهذا ما حدث، بالإضافة الى أن الطبقة الوسطى هي الطبقة المنتجة للثقافة والأدب باعتباره ولد في صالوناتها، ومع ما تسببت به الاضطرابات العربية من تراجع اقتصادي وخسارات كبيرة أدى الى تآكل تلك الطبقة وانحسارها علمياً وثقافيا.ً لقد تلقت الثقافة العربية ضربة كبيرة متى تنتهي ارتداداتها؟ تحتاج الى وقت طويل وسنراقب تجلياتها في العواصم في السنوات القادمة.

ماذا يعني ذلك ؟ صحيح أن الدولة كانت مهددة، وصحيح أن الجيوش في بعض الدول لعبت الدور الابرز في الحفاظ عليها وخصوصا حين اتضح حجم التدخلات الخارجية بالمال والاعلام، ولكن على الدولة بعد أن تشهد نوع من الاستقرار أن تساهم في اعادة ترتيب المجتمع بما لا تتربع فيه أدواتها على كل شيء وعلى حساب التنوع في المجتمع، لأن ذلك يعني قتل الدولة بشكل اخر أو الحفاظ على هيكل الدولة والحد من الابداع الحضاري والنتاجات الأهم للمجتمعات، لأن سارتر وفولتير هم من حفظوا اسم فرنسا وطه حسين خلد اسم مصر أكثر من النقراشي، ومسرحيات شكسبير أهم كثيرا من أسماء ملوك بريطانيا …!!