أكرم عطا الله يكتب: أوبئة وجراثيم.. تاريخ المجتمعات

أكرم عطا الله

صدفت وأن أقرأ الصيف الماضي كتاب “أسلحة، جراثيم، فولاذ” للمؤلف الأميركي “جارد دياموند” كأن القدر أحياناً يلقي في الطريق بنظريات لم نفكر أصلاً بالاطلاع عليها، ولكن بعد جائحة الوباء يمكن أن أدرك كم كان ذلك الكتاب الحاصل على جائزة “بولتيرز” مهماً للاطلاع على قضايا علمية، ورغم ثقل الأفكار التي يحملها وعدد صفحاته التي بلغت 684 صفحة وأسماء المجتمعات الغريبة إلا أنه في غاية الأهمية، وربما يجيب على جزء من أسئلة الراهن التي تقف فيها البشرية في ذروة ضعفها وخوفها.

حاول الكاتب على امتداد صفحات الكتاب أن يفهم سر المجتمعات البشرية وكيف تقسم العالم الى دول وشعوب وطبقات؟.. ولماذا شعوب تقدمت وأخرى تأخرت؟.. ولماذا تفوقت شعوب على أخرى؟.. ولماذا تمكنت من السيادة على شعوب تفوقها عدداً وتحتلها؟.. وكيف تستسلم شعوب لإرادة أخرى بكل سلبية؟.. وقد اعتبر الكتاب انجازاً رئيسياً في فهم المجتمعات البشرية.

يبدأ الكاتب قراءاته للمجتمعات منذ ثلاثة عشر ألف سنة واكتشاف القمح والحنطة والشعير، أي الزراعة، والتي نمت في البدايات في منطقة الهلال الخصيب في الشرق ومنطقة الصين باعتبارهما المكانين اللذين احتضنا بدايات الحضارة والمجتمعات الأكثر تقدماً بفعل اكتشاف الغذاء والتحكم فيه وتوفر الاستقلال الغذائي، وما نتج عنها من وجود للمجتمعات وحضارتها فيما كانت بقية المجتمعات تعيش على صيد الأسماك وجمع الثمار، وتحديداً القارة الأوروبية التي كانت محل دراسة الكتاب، ليتساءل: كيف تمكنت هذه القارة التي كانت متأخرة من السيطرة على شعوب كانت قد سبقتها بكثير.

قد ترد إجابة هذا السؤال في مقال آخر، ولكن الأمر هنا يتعلق بالعودة للدراسات الاجتماعية وعلم الاجتماع الذي تراجع مع الطفرة التكنولوجية، وبرز مجتمع جديد بأنماطه وسلوكه، هو مجتمع التواصل التكنولوجي وسرعة العصر، والذي ساهم بتسطيح كل شئ، ليس فقط العلاقات الاجتماعية بل الدراسات الرصينة والعميقة لعلم الاجتماع، وكيف تطورت المجتمعات بهدوء وعلى امتداد آلاف الأعوام والعوامل التي لعبت الدور الأبرز بتطورها، سواء تطور للأمام أو تراجع للخلف.

شروط الحضارة التي وضعها “ول ديورانت” في كتابه “قصة الحضارة” وهي المناخ أو الجيولوجية وكذلك الجغرافية والاقتصادية، لم تعد هي الشروط التي يمكن قراءتها أو قياس المجتمعات عليها في عصر التواصل الافتراضي، كأن التكنولوجيا أسدلت الستار على كل شيء، لكن الآن وبعد الوباء هناك صدفة تعيدنا لما هو ضروري لمسار القراءات الحقيقية التي كانت تختفي تحت وقع السرعة في كل شيء.

لكن الفصل الأبرز في كتاب “جارد دياموند” هو فصل الجراثيم، والذي تبرز ضرورة تسليط الضوء الآن بالذات، وهو ما لم يكن بتلك الأهمية ربما عندما نشرت الطبعة الأولى للكتاب عام 1997 حينها عندما كان العالم يعتقد أن العلم ومختبراته تجاوزت وانتصرت على الصراع مع الأوبئة، وأن الفيروسات قد رفعت رايتها البيضاء أمام سلاح العلم في العقود الأخيرة، لكن بعد الوباء الجديد أصبح الأمر مدعاة لإعادة النظر.

استعرض الرجل تاريخ الأوبئة، وكيف استخدمت كأسلحة؟.. لكن اللافت فيما توصل إليه هو أن كثيرا من الأمراض انتقلت الى البشر من خلال الحيوانات، مستعرضاً الفترة التي عاشت خلالها البشرية على الغذاء الزراعي قبل ثلاثة عشر ألف عام، ولآلاف الأعوام بعدها، وخصوصاً في الهلال الخصيب والصين قبل أن يتم استئناس الحيوان، وقد جرى في البداية استئناس الحصان والكلب بهدف النقل والحراسة، ولم يكن يخطر في بال البشرية لقرون بعدها أنه يمكن أكل الحيوان.

بالاستناد للموميات وعلم التشريح فإن الهياكل العظيمة التي جرى فحصها فترة الغذاء الزراعي كانت خالية تماماً من أمراض أصبحت كثيرة، منذ أن بدأ الانسان أكل الحيوانات والطيور معتبراً أن أكل الكائنات الحية سبب رئيسي لنقل وتوطين الأمراض للبشر ومنها ما هو حديث، إذ أن بعض الأمراض الحديثة مثل جنون البقر، وانفلونزا الخنازير وانفلونزا الطيور مرتبطة فعلاً بحيوانات أو طيور، فالتسمية تشير مباشرة للعلاقة.

الإيدز واحد من أمراض العصر الحديث، والذي تسبب برعب لم يقل لحظة اكتشافه عن لحظة الخوف الحالي بكثير، والذي كلف البشرية أرواحا وأموالا واستوطن بها للأبد، من المعروف أنه نقل للإنسان عن طريق أحد القرود، فلولا ذلك الاحتكاك مع قرد أو قردة لما وجد بين البشر مرض اسمه الإيدز.

وهكذا فإن الوباء الحالي جرى الحديث عن بداياته، ولم يتم التأكد، لكن جرى حديث أنه نقل من خفاش أو دم مختلط لخفاش مع ثعبان، ربما الأمر كذلك ولكن مجرد الحديث عن ذلك يعني التسليم بنقل أخطر الأوبئة من الحيوانات فعلاً، ولكن هذا يوصل الى نتيجة، وهي معروفة سلفاً بنزوح البعض نحو مقاطعة اللحوم والاتجاه نحو الغذاء النباتي، وهو أكثر صحة لأن أخطر الأمراض مثل الكوليسترول وغيرها ما يمكن أن يشرحه الأطباء بسبب زيادة أكل اللحوم.

ما بين العلم والمجتمعات وتطورها كان يصاحبها تطور في الأوبئة والفيروسات، والتي استخدمها العقل البشري أحياناً للإضرار بنفسه عندما انفلت العلم بلا أخلاق، وهو جزء من النقاش الدائر حالياً في رحلة الخوف القائمة، لكن كل المؤشرات تقول إن النباتيين على حق، وإن أخطر الأمراض تنقلها اللحوم، وإن الإنسان عدو نفسه أحياناً وإن المجتمعات والشعوب والصحة أهم كثيراً من المال، لأن كل التطور وكل الحضارة اذ لم تسخر في صالح الإنسان يكون بئس التطور هذا..!!