أكرم عطا الله يكتب: الاستيطان شرعياً؟ أي عرف هذا؟

منذ فترة طويلة تلمح الحكومة الاسرائيلية ورئيس وزرائها مرة لضم أجزاء من الضفة ومرة لشرعنة المستوطنات ومرة لانطباق القانون الإسرائيلي على المناطق كانت تلك محاولات لها عدة أهداف الأول عندما يتم الاعلان ماذا ستكون ردة الفعل؟ والثانية هل تعلن اسرائيل أم تترك الأمر للولايات المتحدة باعتبار أن التنسيق في أعلى مستوياته حيث يتم الاجهاز على آخر ما تبقى من محاولات التسوية وإنهاء القضية الفلسطينية.

ربما أن إسرائيل أدركت أن إعلانها سيستدعي ردود فعل غاضبة من العالم أما عندما يأتي الإعلان من الولايات المتحدة فان ذلك سيكون أقل وطأة وسيأتي الرفض خجولاً كعادته سواء من العالم أو من الدول العربية وهذا ما حصل حيث انتقل الدور للولايات المتحدة ووزير خارجيتها الذي فاجأ الجميع بعد أن كنا نعتقد أن نتنياهو أو رئيس الكنيست الذي كان يطالب هو من سيقوم بالمهمة.

كل الخطوات التي تتبعها الادارة الأميركية ليست منفصلة عن بعضها بل هي جزء من مسلسل طويل يمكن تسميته بخطة القرن أو إنهاء قضية القرن أو الإجهاز عليها كل ذلك كما كان واضحاً منذ البدايات أن إسرائيل ستستغل تلك الادارة التي جاءت لها من السماء لتشطيب الملف الفلسطيني وها هي تقوم بكل هذا دون حرج أو أدنى اعتبار للقوانين الدولية وحتى للتقاليد السياسية الأميركية حيث يشهد التاريخ الأميركي نفسه موقف الرئيس بوش الصارم الذي أوقف المساعدات الأميركية لإسرائيل بسبب الاستيطان وكذلك الرئيس باراك أوباما الذي وافق على أن يذهب الفلسطينيون لمجلس الأمن ومنع استخدام الفيتو الأميركي؟

كل هذا تاريخ لا يفيد عندما يسكن البيت الأبيض رئيس مثل ترامب ولا يفيد كثيراً عندما نتحدث عن الحقوق وعن العدالة وحتى تصويت الأمم المتحدة ومجلس حقوق الانسان أمام واقع جسدته اسرائيل بقوة السلاح وليس هناك من يرغمها على التراجع بل من يعطي لها من الدعم والاسناد ما يمكنها من مصادرة ما تبقى من أراضي فلسطينية كان العالم الضعيف يعتقد يوماً أنه سيقام عليها الدولة الفلسطينية.

هنا المشكلة أتذكرون عندما قالت غولدامائير أنها لم تنم تلك الليلة عندما تعرض المسجد الأقصى للحريق ؟ ولكنها في الصباح أدركت أنها كانت تبالغ بخوفها من العرب ومن المسلمين لأن الأمر لم يتعدى الرفض والاستنكار وحتى وقت قريب قالت نيكي هايلي ممثلة الولايات المتحدة السابقة في مجلس الأمن بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل قالت أنه لم تسقط السماء بسبب الإعلان يبدو أنها كانت ترد على الذين يبالغون بالتخوف من العرب والمسلمين وحين أعلن بومبيو أن الاستيطان شرعياً لم تسقط السماء هذا هو بيت قصيد السياسة.

رفض خجول من أوروبا والعالم واستنكار متناثر من قبل العرب ومهما علا الصوت فهو لن يصنع سياسة ورفض متوتر من الفلسطينيين دون تحريك في مياه السياسة وستستمر الحياة كما كانت و سيتلاشى الموضوع تماماً كما القدس وكأنه لم يحدث شيء هذا هو واقع السياسة و واقعنا وواقع قضيتنا التي تتراجع أمام أعيننا وان كان لنا دور في هذا التراجع وتلك الصورة المأساوية التي رسمناها لأنفسنا والتي أفقدتنا الاحترام والهيبة علينا الاعتراف بذلك بلا خجل لأن الأمر يتعلق بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا الذي ينقضم أمامنا.

توقف الدكتور حيدر عبد الشافي رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض عندما بدأت المفاوضات أثر مؤتمر مدريد توقف الرجل بصلابة شديدة رافضاً فتح أي ملف للتفاوض قبل وقف الاستيطان وهذا ما دعى اسرائيل للبحث عن بديل أقل تصلباً ، وقد كان ، حين اكتشفنا أن اتفاق أوسلو لم يضع وقف الاستيطان شرطاً لينتهي الأمر بتلك الكارثة فقد قضمت إسرائيل الأرض قطعة قطعة بعد أن كان الوفد الفلسطيني يعتقد بتذاكي أنه سيقضم الاستيطان كما قال أحد أعضائه ، ولم يتبق الاّن سوى شرعنة ذلك الفعل وها نحن وصلنا الى تلك المحطة وعلينا الآن الاعتراف بأن ذلك كان بداية الانهيار وما حدث ويحدث هو استكمال لمسيرة بدأت بداية عمياء فوصلت لمحطة معاكسة تماماً.

قال صديقي الوزير السابق وهو عائداً من الولايات المتحدة أن زميله في الطائرة كان أحد أعمدة القانون المتقاعدين في مصر رجل تجاوز العقود الثمانية كان هذا بعيد إعلان الرئيس ترامب القدس عاصمة لإسرائيل ، سأل الوزير زميله فقال ذلك قال الرجل الثمانيني بفكاهة المصريين “يا ابني القدس راحت من ال67 على عين العرب كلهم ولا حدش عامل حاجة هي بس راحت دلوقتي”؟ كان كلام الرجل يختصر المسألة بلا شعارات و بواقعية مجردة من أية أغلفة لقد ضاعت فلسطين وضاعت القدس وضاعت الضفة ولم يكن يملك العرب أكثر من الكلام.

الحقيقة التي لا نريد أن نراها أن ادارة الرئيس الأميركي تتعامل معنا كعرب بمنتهى الاستخفاف والاذلال وهي تعرف أن ليس بيننا من يمكنه أن يقف أمامها حكومات وشعوب وبرلمانات ومؤسسات نحن أضعف بكثير وهذا ما تعرفه اسرائيل التي رفضت كل محاولات التسوية لأن ليس هناك من يرغمها على تقديم أي شيء  أو التنازل عن أي شيء مجرد حالة عربية لا تعرف سوى العويل وهذا لا يساوي في عالم السياسة أما الفلسطينيين فهم أكثر بؤساً ذبحوا أنفسهم ومشروعهم من أجل سلطة تحت الاحتلال لا تستحق فضاعوا وضاع مشروعهم.

والحقيقة أن الضفة ضاعت كما قال ذلك الحكيم منذ الـ 67 ولا أحد تمكن من استرداد جزء منها ضاعت كلها وليس المستوطنات فقط ولم يستردها العرب حاول ياسر عرفات والآن نكتشف أن المحاولة فشلت ولن يردع اسرائيل حجم الرفض والاستنكار فهل لدينا نحن الفلسطينيون وسيلة أخرى أم مثل  أي شيء آخر تظاهرة أو حملة رفض موسمية تترافق مع الحادثة ثم تتلاشى كما موضوع القدس…؟