أكرم عطا الله يكتب: الانتخابات.. إما على مقاس إسرائيل أو لن تكون..!

                                                                                                     

      توصلت الدول والمجتمعات التي أقلعت وكفت عن العنف كوسيلة متخلفة في صراعاتها.. توصلت إلى شكل أكثر رقيا من الصراع وهو التنافس بين المجموعات السياسية والتكتلات الاجتماعية، وترك القرار للشعب ليقرر مضمون النظام السياسي هناك، وذهبت أبعد لتجعل من القانون الحكم الأبرز لتلك الصراعات التنافسية الناعمة.. وهكذا تقرر المجتمعات الحداثية بالطريقة التي تراها بعيدا عن العنف والانقلابات والهيمنة والإقصاء والقوة.

من حق أي شعب أن يطالب بالانتخابات، والشعوب العربية تطمح لأن تكون مثل باقي الشعوب، وإن كانت الكتل السياسية القائمة لم تبتعد كثيرا عن شكل القبائل، ولكن الثقافة القبلية في لحظة من اللحظات ارتأت أن تقلد ذلك التنافس، ونحن الفلسطينيون مثلهم فعلنا في محاولة لضبط الصراع على السلطة الفقيرة التي توفرت مما لدى الاسرائيليين من فائض لإدارة الكتلة الفلسطينية، ولكن تم اكتشاف أن ثقافة العنف والإقصاء أكثر تأصلا من ثقافة الانتخابات بشكل واضح إثر تجربة 2006.

بعد اقتراب 14 عاما على إجرائها عاد الحديث بقوة من جديد، سواء من قبل الرئيس الفلسطيني الذي أعطى تعليمات لرئيس لجنة الانتخابات بالحوار مع الفصائل أو من قبل حركة حماس وقبولها المبادرة التي قدمتها القوى أو من قبل الشعب الذي بدأ حملة “بدنا انتخابات”، وجميع هؤلاء يعلم أن الإرادة الفلسطينية وحدها أو بشكلها الحالي الذي يبدي قدرا لا مثيل له من العجز لا تقوى على اجراء انتخابات، سواء للحفاظ على القائم فلسطينيا والذي حد من العنف على شكل تقسيم الأرض بدلا من تقسيم الحكم والشراكة والمستحيلة، أو وهو الأهم الفاعل الاسرائيلي صاحب الفيتو الأكبر على اجراء الانتخابات وكلمة السر هنا هي القدس.

السؤال هل سيسمح الاسرائيلي بإجراء انتخابات؟ هذا هو السؤال الحاسم والإجابة التي لن تريح الكثيرين أن الانتخابات إن سمح بها الاسرائيلي فإنه يحضر لكارثة جديدة، وإن لم يسمح هذا يعني أن الكارثة القائمة ستستمر، وفي كلتا الحالتين نحن في نفق مظلم، وإن جرت الانتخابات ووافق الاسرائيلي على السماح للقدس بالتصويت فإن شبهة كبيرة بها ستكون ارتباطا بالتجربة التي تحققت عام 2006.

في ذلك العام وما تكشف بعدها أن اسرائيل التي كانت تملك تقديرات للنتائج هي والولايات المتحدة الأميركية كانت تدرك فوز حركة حماس، وقامت بتقديم كل التسهيلات اللازمة، بل وأبعد كما تكشف، فقد طلبت الولايات المتحدة من أمير قطر السابق حمد بن خليفة دوره بإقناع حركة حماس بالمشاركة فيها كما قال الأمير الحالي تميم، وبعدها ارتباطا بالعقلية العربية حذرت كوندوليزا رايس الفلسطينيين من فوز حركة حماس، وهي تدرك تماما كيف ستكون ردة الفعل، ثم ذهب شارون أبعد بمطالبة الفلسطينيين بعدم التصويت لحركة حماس، إذ كان المسرح مهيئا لتلك النتائج.

لا يعني ذلك أن الأطراف الفلسطينية كانت شريكة فيما يتم التخطيط له، سواء السلطة الفلسطينية أو حركة حماس، فهؤلاء ظهروا على درجة من البساطة بحيث تم التلاعب بهم واستدراجهم إلى مساحات أرادها الاسرائيلي لينتهي الأمر بما انتهى إليه، وعمليا انتهت السلطة الموحدة الشريك بالاتفاقيات مع اسرائيل، وانتهى التمثيل الفلسطيني الموحد وانشغل الفلسطينيون باستنزاف ذاتهم في معارك داخلية جديدة لم تنته حتى اللحظة، وتآكلت المؤسسات والقضية الوطنية، ولم تبق مؤسسة فلسطينية واحدة، وجرى تدمير كل شيء باسم الانقسام.

لقد استدرجنا الاسرائيلي سابقا، وقد تمكن خلال الماضي من اقناعنا بتنفيذ مخططاته، كأنها مصالح وطنية، أو هكذا اعتاد البعض أن يقول، وبالتالي كلما فاحت رائحة الانتخابات تعود الذاكرة للوراء حين مهد الاسرائيلي للحفرة وأخذنا إليها واستدعى دولة اقليمية لمساعدته، فتعود الشبهة من جديد.

إذن نحن الفلسطينيون نبدو أمام خيارين: إما أن يسهل الإسرائيلي الأمر وتحدث انتخابات وتلك مدعاة للخوف فهو ليس ساذجا، أو لا تحدث الانتخابات.. لكن أمامنا خيار ثالث، وهو انتزاع الإرادة الوطنية، ونجري انتخابات كما نريد وتلك تتطلب التوافق والتنازل أولا، والمسألة الأخرى اعتبار الانتخابات الوطنية التي نريدها معركة مع الاسرائيلي، والبحث عن حلول لملف النظام السياسي كيف يمكن أن يكون؟ لأن انتخابات يعطي الاسرائيلي ضوءها الأخضر مدعاة للخوف.

نحتاج إلى توافق على أن تجري الانتخابات، يمكن التوافق على الكتل السياسية بحيث تضمن اشراك الجميع دون أن يعطي أحد لنفسه صلاحية اقصاء أية كتلة، ويعطي الأمر لمراكز استطلاعات متخصصة، يمكن اعتماد عشرة نتائج حتى، ويتم اشراك الجميع، هذا حل وسط أفضل من ورطة اسرائيلية جديدة ..!