أكرم عطا الله يكتب: الانتخابات تطفو على بِركة الانقسام

 

تعالت الأصوات في الأيام الأخيرة لإجراء انتخابات فلسطينية.. هنا بيان من الاتحاد الأوروبي يعبر عن قلقه من حل المجلس التشريعي والدخول في حالة فراغ دستوري، بالرغم من أن المجلس معطل منذ أكثر من أحد عشر عاماً ولا يمارس أي نشاط.. وهناك أحاديث السلطة عن الانتخابات، وأبرزها ما جاء على لسان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح حسين الشيخ، حتى أن الرجل اندفع بعيداً الى حد الرغبة بالتحالف مع حركة حماس في قائمة واحدة، وكذلك طلب الرئيس الفلسطيني من رئيس لجنة الانتخابات الدكتور حنا ناصر بالذهاب الى غزة وتفقد اللجنة والاتفاق مع حركة حماس على اجراء الانتخابات.

طبعاً في أجواء الصراع السياسي لا يمكن لرئيس لجنة الانتخابات أن يصنع اتفاقاً مع حركة حماس، في ظل فشل التوافق وعدم قدرة فصائل الصراع على صناعة الحد الأدنى للتوافق.. لكن التساؤلات التي تلقي بنفسها وسط هذا التعقيد من المشهد: هل فعلاً نتحدث عن انتخابات أم استجابة لطلب الاتحاد الأوروبي؟.. واذا كان الحديث عن انتخابات هو حديث جدي، هل يمكن أن يتم دون أن يسبقه اتفاق بين الفصائل؟ وخاصة أن الفصائل لازالت مختلفة على طبيعة القانون الذي ستجري على أساسه الانتخابات.. هل النسبية الكاملة أم نسبي ودوائر؟ وكم النسبة بين المسألتين؟ لم يحدث اتفاق بعد.

لا أحد يعتقد أن الأمر يمكن أن يتم بتلك السهولة، أن يزور حنا ناصر قطاع غزة وينهي المسألة التي فشل الجميع فيها ويتفق مع حماس، وهكذا تجري الانتخابات بكل سلاسة، هذا اعتقاد لا ينسجم مع طبيعة سوء النوايا المدججة بها الحالة السياسية الفلسطينية،  واذا لم توافق حركة حماس على هذا الشيء، أو اذا لم تتوصل الى شيء مع رئيس لجنة الانتخابات.. هل ستتعطل الانتخابات أم ستجري في الضفة الغربية دون قطاع غزة؟.. وماذا عن القدس التي سيرفض اليمين الاسرائيلي اجراء الانتخابات فيها؟

الانتخابات مطلب شعبي، بل حق من حقوق المواطن الفلسطيني.. ولأننا على درجة من الجهل في ممارسة السياسة لا نعرف أن ليس من حق أي مسئول أن يستمر أكثر من التفويض الممنوح له، وهو أربع سنوات، والا يصبح محتلاً لموقعه في النظام السياسي، ويستمر رغماً عن إرادة الناس، ولكن بكل الظروف لا تجري الانتخابات دون اتفاق بين الكتل السياسية التي تشكل النظام السياسي لأية دولة،  واذا كانت دولة مثل اسرائيل لا يمكن أن تُجري أو تحدد موعد الانتخابات إلا بالاتفاق بين الأحزاب السياسية، هل من هم مثلنا في الحالة التي تأكل بعضها وليس لديها الحد الأدنى من الفهم السياسي قادرة على اجراء الانتخابات في ظل واقع انقسامي تعيشه كل الأطراف، واقع التربص والكراهية؟

الجميع يطالب بانتخابات، حماس تتحدث عن ضرورة اجراء الانتخابات، وها هي فتح تتحدث بقوة وبشكل مختلف، واذا كانت تندفع نحو قائمة مشتركة مع حركة حماس، وبالتأكيد هذه بحاجة الى اتفاق، فالأولى تشهد اتفاقاً ثنائياً على اجراء الانتخابات وقانون النسب وموعد الانتخابات وكيفية اجرائها في أجواء وطنية بعيداً عن الاحتقان والدعاية الانتخابية وأخلاقها، بعيداً عن التشهير لأن الخصوم وما فعلوه بأنفسهم وبالشعب خلال السنوات الماضية جعل بيوتهم من زجاج والحجارة كثيرة، فلا أحد خرج سالماً من كارثة السنوات الماضية، سواء الكارثة الانسانية التي حلت بالبشر وتجسدت في قطاع غزة بأسوأ صورها، أو حتى على صعيد الكارثة الوطنية التي تجلت بتراجع وتآكل المشروع الوطني وضياع الضفة وفقر الانجازات، بل وتضييع ما كان قد تحقق من انجازات في رحلة العبث التي مارسها الجانبان أثناء الفشل في توزيع التركة وما رافقها من أخطاء وخطايا.

الانتخابات تحتاج الى مياه صافية متحركة لا مستنقع اسن، وعدم التمهيد يجعلنا أميل لعدم التفاؤل بإجراء هذه الانتخابات رغم الصخب العالي الذي يرافق الحديث عنها، لأن لها مقدمات وتمهيد لم يبدأ بعد، إلا اذا كان هناك شيء آخر لم يظهر بعد، كأن تجري في الضفة الغربية دون قطاع غزة أو لا تجري اطلاقاً. في الحالة الفلسطينية الشك في كل شيء هو السمة الرئيسية بعد التجربة، وان كانت الانتخابات هي الحل الوحيد والأمل بأن يتفق الجانبان على اجرائها رغم المعرفة بأن الاسرائيلي لن يسمح بإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، فهذا يضرب مشروعه الاستراتيجي بفصل غزة.. فالمسألة أكثر تعقيداً من اندفاعات عابرة…!!!