أكرم عطا الله يكتب: حيث الضحية تشكو ضعفها..!

من يستطيع لوم الرئيس الفلسطيني على خطابه ؟.. سواء تحدث بهذا الأسلوب الذي لم يرض الكثيرين، أو صعد على أعلى شجرة في السياسة ،لن يفرق كثيرًا في عالم تجرد من أخلاقه بهذا المستوى الذي أزاح إرثًا من المحاولات لإقامة الدولة ووصلنا إلى الحائط، فما الفرق أن تبكي أمام الحائط أو أن تضرب رأسك به؟.. لا فرق.

هي لحظة الكوميديا السوداء التي يتلبسها عالم السياسة الذي لا يرحم الضعفاء ولا يقيم وزنًا للمساكين، ويقف خاشعًا أمام القوة الظالمة مجردًا من أخلاق حاول أن يتدثر بها لكنها تنكشف عند أول امتحان يقدمه الفلسطيني للعالم، فتكون النتائج صفر كبير حيث يرسب الجميع عربًا وعجمًا بلا خجل.

إنه خطاب الضحية المجردة من كل شيء ولا تملك غير الأنين الذي يحاول أن يستدر عطف الجاني والمتفرجين بلا جدوى، حيث يطلق الجاني رصاصته الأخيرة وسط هتاف الجمهور الذي جاء لمشاهدة النهاية كأنها فيلم كوميدي لا أكثر، وقد أطلق نتنياهو تلك الرصاصة مستعيرًا بندقية ترامب.. فعلى السلام السلام…!

إن المحزن في خطاب الرئيس أبو مازن في الأمم المتحدة ليس العبارات التي استخدمها، ولا مستوى الخطاب، لأن هذا هو واقع الحال، بل الأكثر حزناً هو الإعلان عن انعدام الخيارات الفلسطينية وانعدام الأفق وفقر الممكنات، حيث التكرار الذي بات يسخر منه الإسرائيلي، وهو الذي يعكس حقيقة الوضع، فالسياسة هي إبنة الممكن، والفلسطيني يواجه خصمًا شديد القوة مدعومًا من القوة الأكبر.

تدرجت خيارات الفلسطيني في نصف القرن الأخير، حيث انحسار الفعل كما التجربة الكونية بين ثلاثة لا رابع لها، فالأولى كانت بالعمل المسلح كما كل ثورات الكون، ثم حين اكتشفت عقم هزيمة إسرائيل ذهبت لممارسة السياسة لتنتقل للمرحلة الثانية للمفاوضات بأمل أن تحصد سياسيًا، لكن المفاوضات استمرت لخمس قرن حتى يكتشف الفلسطيني عقمها، ولم يتبق له سوى الساحة الدولية كخيار ثالث، ومؤسساتها التي وجدت لفض النزاعات، ولكن حين تقف تلك متفرجة وعاجزة أمام مشهد الظلم العالمي، فعلى الضمير الإنساني أن يتوارى خجلاً.

ببراءة تامة.. لازال الرئيس الفلسطيني يدعو للمفاوضات لإقامة دولة، وبكل الدهاء أيضاً تدعو خطة ترامب للمفاوضات لإقامة دولة أنتجها فائض الأمن القومي الإسرائيلي على شكل أرخبيلات متناثرة، وبين هذا وذاك سنوات ضوئية في السياسة ستفرضها موازين القوى ولا عزاء للضعفاء.

لكن الأكثر سخرية وسط حالة العبث القائمة، وفيما الرئيس الفلسطيني يحسب كلماته بدقة شديدة لم تلبي رغبة الفلسطينيين حيث البحث عن سراب المفاوضات والتأكيد على عدم اللجوء للعنف يرد عليه ممثل اسرائيل “بأن السلام ممكن حين يغادر هذا الرجل” فيما هو الأكثر إيمانًا بسراب الحل منذ سبعينات القرن الماضي، والأكثر إيمانًا بالمفاوضات التي دعا لها حتى الأمس، وهي الشكل الأكثر حضارية، والتي لم تعد تلقى قبولًا لدى الفلسطينيين، فسواء كانت أو توقفت، لم تتوقف الجرافة الاسرائيلية عن التقدم في الأرض المفترضة لدولتهم.

الأصدق هو شعور الفلسطينيين باللاجدوى من أي شيء، وهو المناخ السائد الذي أفرزته سياسة اليمين في إسرائيل، حيث الهوة الكبيرة بين دعوة الرئيس ودعوة الشارع الفلسطيني الذي عاد يتحدث عن خيار كان قد غادره منذ زمن، فالإستطلاع الأخير للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أوضح أن ثلثي الشعب الفلسطيني عاد يؤيد اللجوء للعمل المسلح أو الانتفاضة المسلحة، وأن نسبة 84% تؤيد سحب الاعتراف بإسرائيل، وأن ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني تؤيد وقف التنسيق الأمني مع اسرائيل.

والآن السؤال الكبير الذي يصيبنا بلطمة الواقع: على ماذا اختلف الفلسطينيون الذين انشغلوا طوال السنوات الماضية بصراع من منهم يتصدر المشهد؟.. وأمام هذا العجز بدا الاتهام أكبر على من يتصدره، لأن الفشل هو النتيجة الوحيدة التي تبدو أمامنا، ولأنه كما للنجاح آباء فإن للفشل أباءه، وليتحمل المسئولية هؤلاء الذين تصارعوا من أجل التحرير وهم يقفون الآن أمام هذا العجز، وقد كان الرأي العام صادقا حين تناولهم بتلك السخرية الجارحة، لأنه يعرف تماماً أن السباق كان على المغانم أما المغارم فقد كانت يتيمة، لعل ما حصل ويحصل يصيبنا بإفاقة اسمها التواضع والتوحد….!!!