أكرم عطا الله يكتب.. حين تعتلي التيجان رؤوس الثيران..!!

808
أكرم عطا الله

في حادثة طريفة عرضتها إحدى الفضائيات المصرية عن تبديد أسطورة ظلت مقدسة لأربعة عقود لدى القبائل البدوية في السويس عن مقام قيل أنه يحوي ضريح لشيخ اسمه “أبو سريع” وقد ظل هذا مقصداً للقبائل هناك يقدمون له النذور ويتباركون به ويقدمون له الأموال في صندوق وتبلغ التبرعات مليون جنيه سنوياً يدفعها هؤلاء البسطاء، حدث تنازع بين قبيلتين على صندوق المال وانتهى الخلاف إلى صدام ومواجهة فاتجهوا إلى جلسة عرفية للفصل وانتهى التحكيم إلى نقل المقام لمكان آخر بعيد عن القريتين وعند فتح الضريح لاستخراج رفات “الشيخ” ونقله تفاجأ الجميع أن الرفات ليس لإنسان أو شيخ بل رأس عجل وهكذا تبددت أسطورة الشيخ أبو سريع.
ليس المثير هنا في الأسطورة والخرافة التي لم يغادرها العقل العربي بعد والساكن وسط خرافات لا تحصى هي جزء من يومياته وهويته التي شكلها الشرق الذي أنتج هذا القدر من الروحانيات والدراويش فأصبحت جزء من التكوين الثقافي للمنطقة بعيداً عن العلم والعقل لكن المثير هنا قدر السذاجة في التقليد الأعمى لأسطورة تشكلت منذ أربعة عقود فقط دون أن يفكر أحد أو يستعمل عقله في البحث عن الحقيقة لولا صراع المال ربما لظل رأس العجل مقدساً لقرون طويلة وربما لنسجت روايات النساء اللواتي حملت بسبب المقام وعودة الأبناء ونصيب العازبات والسعادة.
كل هذا ليس مهماً أيضاً في العالم العربي وليس بذلك الضرر أن تجد الناس سلواها وتوازنها في رأس عجل مدفون وتعود الى بيوتها مطمئنة دون أن يتضرر أحد لكن السؤال كم أبو سريع بيننا وكم رأس عجل يلتف بعمامة يقودنا كقطعان الخراف الى حيث يريد وكم رأس عجل تتدلى منه لحية نسلم لها طوعاً ارادتنا بمحض ارادتنا ليقرر لنا حاضرنا ومستقبلنا هذا الحاضر الذي يعج بالأسى والمستقبل الذي سيرث كومة الخراب القائمة في الوطن العربي ويسير بها الى حتفها أمام هذا التقدم الهائل الذي تشهده البشرية.
كم رأس عجل بيننا اعتلته الشعارات الوطنية والقومية ليقودنا الى مستقبل بلا مستقبل وكم رأس عجل اعتلته التيجان بيننا ليذهب بنا الى كل هذه الهزائم التي تحيط بنا من كل جانب ويغني أغنية النصر حامياً لنا وباني أمجادنا.
أبو سريع هو جزء من حياتنا ودفتر يومياتنا منذ أن سلم العالم العربي عقله لغيره طواعية ومنذ أن سلم المواطن العربي وعيه لأن لكل قبيلة لها رأس عجلها الذي تتبارك به لكنه أكثر خطراً من أسطورة قبائل السويس لأنه يحرض على الذبح والقتل مسترشداً بأسوأ ما أنتج تاريخنا من صراعات يستلها من تحت عمامته سيوفاً وقنابل.
للأسطورة في أوطاننا أيدي وأذرع وأقدام تسير عليها أو على جثث تناثرت ولم تهدأ على ركام مدن أنتجت ما يكفي من حضارات وجدت نفسها ضحية عقولنا التي تسمرت عند مشهد الذبح المقدس في أوطان لم تصلح معها كل ما أنتجته البشرية من تسويات وتسميات لحقائق الأشياء فالقتل هو القتل ألم يعط بعضنا للجريمة بعداً أخلاقياً وقدسية فاقت حياة البشر؟
واذا كان الصراع على المال بين القبيلتين قد كشف أسطورة الزيف البريئة لكن الصراع الذي احتدم في المنطقة العربية على السلطة والمال أيضاً بين كل القبائل التي اندفعت فجأة بما تملك من قوة وأربطة خيول لم يكشف كارثتنا ولا رؤوس الثيران التي تختفي بيننا والتي لا زال العقل البدائي العربي يحتفي بها دون أن يتوقف أمام الجراح التي أصاب نفسه بها لدرجة العطب.
لم تكفي كل الارتجاجات التي تقاس على سلالم ريختر المصنوعة من أكوام الجثث لإحداث الافاقة اللازمة ولاكتشاف الرؤوس التي تسببت بكل هذا الخراب ولكن السؤال الصعب هل يمكن أن تجد لها متسعاً لدى شعوب غيرنا؟ وحتى لا نبريء أنفسنا من المشاركة في تهمة الانحدار القائم والقادم علينا الاعتراف أننا نحن الذين نقدس رؤوس العجل المقنعة لأن وعينا لم يتجاوزها بعد …!!!