أكرم عطا الله يكتب: عن غزة وتسهيل الهجرة

 

كشف النقاب عن الرغبة الاسرائيلية التي لن تكف عن ملاحقة الفلسطينيين بأن اسرائيل تواصلت مع عدة دول لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إليها، حتى أن الدولة الاسرائيلية من أجل ذلك مستعدة لفتح مطار في النقب، وربما يذهب الكرم الاسرائيلي أبعد بدفع تكاليف الرحلة وقد كانت اسرائيل قبل تشكيل السلطة تعرض على الفلسطينيين هجرة بشكل فردي وتدفع مكافأة لمن يوافق، ولم يكن يوافق أحد.

لكن ردود الفعل الصاعدة عن سكان القطاع تشي حاليا بعكس ذلك، حيث الرغبة بالرحيل أصبحت ظاهرة جماعية وليس حالة فردية وأرقام العام الماضي التي يتم نشرها رغم المبالغة فيها، إلا أنها باتت تشي بحقيقة لا يمكن تجاهلها بعد تجربة مريرة للناس في هذا الجزء الصغير في أقصى جنوب الوطن.

أما لماذا أصبحت فكرة الهجرة جماعية؟ هو سؤال كبير أجاب عليه الواقع في السنوات الأخيرة وبالتحديد خلال حكم حركة حماس للقطاع، واتخاذ ذلك فرصة لحصاره حتى يصل الناس إلى هذا المستوى من التفكير بالهروب من جحيم أصبح هو الحالة السائدة، وقد أجاب على السؤال الباحث القانوني لؤي ذيب بأرقام نشرها وتم اعادة تداولها ونشرها وهي أنه منذ العام 2007 وحتى اليوم، ونتيجة الحروب والاشتباكات لدينا 6000 شهيد و70 ألف جريح ومنذ عام 2015 ما يزيد على 80 الف قضية ذمة مالية ومثله عام 2016 بلغ عدد القضايا 80398 وكذلك عام 2017 كانت 98314 أي أن الرقم تصاعدي.

في عام 2017 ما يزيد على 12 ألف مواطن في غزة دخلوا السجن، أما عدد الذين دخلوا السجون منذ تسلم حماس الحكم فقد تجاوز 145 ألفا، ومنذ عام 2007 حتى اليوم حرم ما يزيد على 1,3 مليون فلسطيني من فرصة ضرورية للسفر، هناك 67500 مواطن بحاجة لعلاج طارئ لا يتوفر في غزة، أما نسبة الفقر فقد تخطت حاجز 69% ومنذ عام 2007 انخفض دخل الفرد في غزة بنسبة 62% وأرقام أخرى أوردها الباحث قائلا أنها مستمدة من مصادر متعددة منها الإحصاء الفلسطيني والتنمية الدولية واليونسيف والأونروا ومنظمات غير حكومية.

هذا هو الواقع الحقيقي والشواهد في شوارع غزة وأسواقها وسجونها كثيرة، لكن تقاطع هذا الواقع مع الرغبة الاسرائيلية يثير أكثر من مسألة أصبحت ضمن الحقائق التي لا يمكن نفيها وهي: أولا أن الوصول إلى تلك الحالة هي نتاج تخطيط إسرائيلي طويل، وأن كل ما حدث ويحدث في غزة بدءا من وجود السلطة فيها ثم طردها منها وسيطرة حماس، وصولا للتدخل الحالي، والتهدئة وحقائب المال هي نتاج سياسة طويلة الأمد وليست مجموعة مصادفات.

ثانيا أن قطاع غزة هو الصداع الكبير لإسرائيل، وأن أوسلو نفسه لم يكون سوى للتخلص منه، والحقيقة أن لو لم تحكمه حماس ما كان ليكون بهذا الوضع.

ثالثا أن إسرائيل المسؤول الأول والأخير عن ايصال القطاع إلى هذه الدرجة لكن الفصائل لا يمكن تبرئتها تماما، وقد تم استدراجها ليصل القطاع إلى هذه الحالة.

رابعا أن السلطة الوطنية برغم كل ما عليها وما يقال عنها لم تكن جهة طاردة بل جهة جاذبة للسكان في غزة.

خامسا إذا كانت الفصائل ليست المسؤولة عما وصل إليه الحال في غزة، وأن التخطيط اسرائيلي لكن الأمن في غزة وفرض الضرائب وعلى الجانب الآخر تقليص الرواتب من السلطة ساهم بشكل حاد بتحويل فكرة الهجرة من حالة فردية إلى حالية جمعية، وهي التي عبر عنها المجموع في وسائل التواصل الاجتماعي، فعندما تهان كرامة الرجل سواء من قبل عنصر أمن في وطنه كما حصل في شهر مارس الماضي حين اعتدى الأمن أثناء تظاهرات (بدنا نعيش) أو بتحويل موظف محترم مقترض إلى متسول أمام المخابز يصبح الوطن طاردا.

سادسا أن الحكم الفلسطيني بعد التجربة لم يقدم ما يشجع العيش بظلاله سواء بالأمن أو بالإدارة، فقد أعاد استنساخ النماذج العربية القائمة، بل أسوأها على الإطلاق، وهذا الحكم النموذج قدم أسئلة مقلقة لمستقبل الأبناء، سواء على صعيد الملاحقة والاعتداءات أو القانون أو الوظائف.

سابعا أن مصر بإغلاقها معبر رفح ساهمت بالحد من الهجرة، وتلك أصبحت حقيقة، ولكن هناك فرق بين إغلاق المعبر أو تقنين أعداد المسافرين وبين إهانتهم أثناء السفر.

ثامنا، أن الانقسامات والصراعات بين الفلسطينيين على السلطة أظهرتهم بمظهر طلاب سلطة وليس طلاب تحرير، وأن تلك أحدثت تآكلا في فكرة التحرير ومست بايمان الناس بالمشروع الوطني، وأن انسداد الآفاق: أفق التسوية وأفق العمل المسلح وتراجع الحلم بالاستقلال أفقد الناس بالأمل وبالمستقبل.

تاسعا، أن مشروع وهاجس إسرائيل بالديموغرافيا هو هاجس قديم جديد، وأن التفكير الاسرائيلي بقطاع غزة واستمرار وضع الخطط يدعو بالخوف على الضفة، وكأن المشروع باستيطانها وضمها قد اكتمل وتبقت المشكلة فقط في غزة.

عاشرا، أن أزمة السلطة المالية قد تجعل الضفة الغربية مثل قطاع غزة بعد مواقف السلطة من صفقة القرن، والتعامل مع الولايات بنوع من الندية ففي حال عجز السلطة عن دفع الرواتب قد تنتقل الظاهرة للضفة، وهو السؤال المكرر عن جدوى الحكم في ظل تحكم الاحتلال بالمال والاقتصاد.

حادي عشر أن الناس لم تفكر بالهجرة أثناء الاحتلال، بل بدأ هذا النمط من التفكير بعد حكم الفلسطيني لنفسه.

كل تلك النقاط وأكثر تمت كتابتها سابقا كل واحدة في مقال أو أكثر، وتم التحذير من كل تلك العوامل التي كانت تدفع باتجاه واحد فقط باتجاه الهجرة وتحويل الوطن إلى بقعة طاردة ها نحن نشهد تداعياتها، وكان بالإمكان التقليل أو اجهاض بعضها ولكن السذاجة السياسية الفلسطينية أو نشوة الحكم كانت العامل الأبرز في تحقق تلك العوامل تماما كما كان يخطط الاسرائيلي.

بكل الظروف فإن ما نتج خلال السنوات الماضية هو ضرر لم يفت الأوان على اصلاحه، ولكن ما يدعو للإحباط هو أن السياسة الداخلية الفلسطينية لم تشهد أي تغيير، بل أنها توغل في التأكيد على الحقائق السابقة التي أنتجت حقيقة الرغبة بالرحيل عن الوطن، هل يمكن أن تقرأها القوى الفاعلة بعيدا عن ردة الفعل الحزبية وتدرك أنها سهلت على الإسرائيلي ولم تعزز الصمود بل العكس…؟!.