أكرم عطا الله يكتب: غزة من تهديد وجودي الى تهديد أمني

كانت ولا تزال وستبقى غزة التي تزيد قليلاً عن الواحد في المائة من فلسطين مصدراً للنقاش العام، فالحيز الذي تحتله غزة أكبر كثيراً من مساحتها لأن التاريخ المكثف لديها أوسع من الجغرافيا، هذا هو قدرها بفائض الآمال الذي توازيه الأحلام وفائض الآلام لكنها لازالت على تلك الأهمية.

يأخذ النقاش في فلسطين طابعاً حاداً حول واقع غزة ومستقبلها لأن مسارها يسير عكس كل التوقعات، فمن توقع أن تنقلب حماس وتطرد السلطة من غزة؟ من توقع أن تشن عليها ثلاثة حروب؟ ومن توقع سابقا أن تقوم بالانتفاضة الأولى؟ هي كذلك تحمل من المفاجآت ما يجعل التاريخ محملاً بالصدمات الكبرى.

لم تشغل مساحة سكانية بهذا الصغر أية دولة في التاريخ ولكن شاء القدر أن يكون الصراع مع اسرائيل، وتلك هي الحكاية التي بدأت نذرها في ثمانينات القرن الماضي لتصبح غزة أزمة المشروع ولتحدث هذا التحول الكبير في السياسة الاسرائيلية، ومن هنا فإن الحديث حول فصل غزة أو دولة غزة أو حتى إمارة غزة هو حديث واقعي انطلاقاً من خصوصية الحالة.

في الثمانينات وبالتحديد عام 84 صدر تقرير عن مركز اليهودية المعاصرة في القدس، وهو مركز متخصص بالديمغرافيا والأرقام، جاء فيه أنه بعد ثلاثة عقود سيزيد عدد العرب عن عدد اليهود في فلسطين التاريخية، وستكون اسرائيل أمام خيارين إما أن تستمر الأقلية بحكم الأغلبية وستتحول الى دولة أبرتهايد ولن يقبل العالم ذلك طويلاً، أو أن تسلم الأقلية الحكم للأغلبية وفي كلتا الحالتين انتهاء حلم الدولة اليهودية.

واذا ما تحقق أي من السيناريوهين فإن ذلك يشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل أو الدولة اليهودية، وهذا التقرير أضاء كل الأضواء الحمر في تل أبيب، ومن هنا بدأ التحول في السياسة الإسرائيلية من السياسة التوسعية الى التخلي عن أجزاء لصالح استمرار السيطرة اليهودية والتفوق اليهودي، فبدأ البحث في كيفية التخلص من كتلة سكانية زائدة مع تهجير كتلة يهودية لتعديل الميزان، ومن هنا كانت الكتلة التي وقع عليها الخيار غزة، وهذا ما حدث خلال العقود الماضية بدءًا من أوسلو وصولاً للمفاوضات التي تحدث حالياً والحديث عن هدنة طويلة أو تهدئة كما تفضل حماس تسميتها.

نجحت اسرائيل بعد أن وقعت الاتفاق مع ياسر عرفات وكانت تحلم بمركزة السلطة في غزة، لكنه تمدد الى الضفة واستمرت السلطة بنفس النهج، وجاء الانقلاب وسيطرة حماس والتباعد الذي حصل بين الضفة وغزة ونظامان سياسيان لم يلتقيا رغم كل سنوات الحوار، وذلك لم يكن مصادفة الى الدرجة التي يجري الحديث عن حلول لغزة كالمستشفى الأميركي والميناء بمعزل عن السلطة.

من الطبيعي أن تدفع اسرائيل ثمنا لمشروعها، ولم يكن أمامها سوى خيارين إما الإبقاء على غزة بالتهديد الوجودي الذي تحمله، وإما التخلص من غزة مع بقاء التهديد الأمني الذي تشكله، ومن الطبيعي أن تختار التهديد الأمني الأقل ضررا مع استمرار تقليص تلك الأضرار على نمط إدخال أموال وتهدئة وحروب بين فترة وأخرى تطلق عليها “جز العشب”، أي كلما تعززت أذرع المقاومة تقوم اسرائيل بحملة لإعادتها الى الوراء.

منذ سنواتها الأولي كانت إسرائيل مسكونة بالهاجس الأمني، ومن الغريب أن أول صدام في مجلس الوزراء بعد أول انتخابات كان بين وزير العلوم ومستشار بن غوريون للشئون العلمية، أحدهم يريد أن تشتري اسرائيل القنبلة النووية والآخر يريد أن تنتجها اسرائيل بلا حساب للوقت، هذا كان يعني أن أول ما فكرت به هو الأمن والتهديد الأمني، وتنشر وثائق عام 49 أن بن غوريون عندما حدد استراتيجية الدولة قرر إنشاء جيش أقوى من كل الدول العربية مجتمعة حتي يتمكن من رد التهديد لو اتحدت الجيوش العربية، وقد كان النموذج في حرب عام 67 تمكن الجيش الإسرائيلي من التصدي لعدة جيوش عربية مجتمعة.

بمعنى أن التهديد الأمني وضعته إسرائيل على جدول أعمالها، ووضعت حلولاً له، وفي كل عام يصدر تقرير عن التهديدات الأمنية التي تحيط بالدولة والحلول التي توضع لها، وبالتالي فإن المصلحة الاستراتيجية لإسرائيل هي فصل غزة، ويمكن بعد ذلك أن يختار من يريد أي اسم لتلك المنطقة وللحكم السائد فيها، إمارة أو دولة لكن الأهم الذي يتضح أمامنا أن اسرائيل خفضت تهديد غزة من وجودي الى أمني في ظل غياب تام للتفكير العربي أو الفلسطيني، انظروا ماذا يحدث واربطوا الأحداث واصدروا حكمكم النهائي بأن من ساهم أو يساهم في ذلك يوجه طعنة كبيرة للمشروع الوطني…!!!