أكرم عطا الله يكتب: لدى العرب.. الوطن هو الحكم..!!

 

نبتعد عن الربيع العربي ومخرجاته التدميرية بعد انحسار موجة العنف الشديدة التي صاحبت محاولات التغيير بأدوات وثقافة لم يكن من الممكن إلا أن تنتج أسوأ ما يمكن تصوره، تراجعت الدولة التي قادت الناتو في ليبيا وكذلك وسائل اعلامها وتقلمت أظافر أعوانها في المنطقة، فقد سقطت ليبيا ودخلت اليمن في أتون حرب أهلية لن تخرج منها ودمرت سوريا وأمامها سنوات طويلة تنكفيء على الاعمار والأهم تجردت من سلاحها الكيماوي الذي أرادت اسرائيل تجريدها منه وتم ذلك وتذكرون كيف تجندت فضائيات عربية لتلك المهمة.

والمصادفة غير المصادفة أن ينتهي هذا الربيع بتدمير تلك الدول وهي ما اعتبرت دول الممانعة وفعلاً تلك الدول ربما كانت تشهر مواقف عدائية لإسرائيل وتلك واحدة من المراجعات التي ينبغي احداثها في سياق ما جرى خلال سنوات التحطم التي أطاحت بالاقليم وأفقدته مناعته حد الاعياء وها نحن نرى النتائج أمامنا دول لم يعد لديها حواجز للذهاب نحو تطبيع مع تل أبيب والنتيجة الأبرز أن اسرائيل هي الرابح الوحيد لكل هذا التحطم فمن ساعدها ومن وقف معها بكل ما يملك؟

لكن هناك ما يمكن أن يقال في تعاطي العرب مع الاحداث الكبرى والتغيير وان اطلاق تسمية الربيع تيمنا بربيعاً أوروبياً لم ينكسر فيه مصباح انارة في الشوارع  فيما حطم العرب عواصمهم، فالفارق هائل بين ثقافات الشعوب ما بين متقدمة وأخرى متأخرة وان كان هناك بعض ما يبرر.

لكن اللافت الآخر هو تعاطي الزعماء العرب مع طبيعة التغيير ورغبة الشعوب الحقيقية بها وبغض النظر أن خرجت الاحتجاجات عن سياقاتها أو التدخلات الخارجية التي حرفتها عن مسارها من تحركات لصالح الشعوب  حرفتها لصالح الفوضى الخلاقة التي وجدت أدواتها ودولها الجاهزة لمقاولات الخراب .

لكن الملاحظة هي العلاقة بين الزعماء العرب والسلطة وأعيد ابراز مفهوم الوطن لدى الزعيم العربي الذي مكث طويلاً في السلطة دون تغيير لدرجة الاندماج بين مفهومي السلطة والوطن وأصبح الحاكم هو الوطن واستقراره يعني استقرار الوطن بعيداً عن المفهوم الأوسع اذ انحسرت الأوطان في أشخاص الزعماء.

قبل الهجوم على العراق عرض على الرئيس الراحل الذي وقف طويلاً الى جانب فلسطين بكل شهامة عرض عليه أن يغادر العراق نحو أي بلد يختاره هو وعائلته ويأخذ ما يشاء من المال وربما لو فعل لأعفي العراق من كل هذا الدمار وهنا تدخل حسبة موازين القوى وليس فقط الكرامة وربما لظل حزب البعث يحكم وربما لارتفع الحصار دون احداث تلك الهزة التي قصمت ظهر العراق للأبد لكن الراحل للحظة كان يشعر أنه العراق وأن العراق هو.

الرئيس الذي صمد بوجه كل الارهاب والمؤامرات بشار الأسد ماذا لو افترضنا أنه قرر المغادرة مع أول تحرك شعبي وأجرت سوريا وحزب البعث أشرف على انتخابات هادئة هناك ألم يكن يعفي من مقتل أكثر من ستمائة ألف وتدمير البلاد وتهجير الملايين.

كذلك فعل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي لم يغادر قبل أن يحول اليمن الى مجموعات متطاحنة ولازالت وتلك العلاقة بين السلطة والوطن والزعيم بحاجة الى دراسة أكثر عمقاً وكيف تتجسد تلك العلاقة وذلك الشعور الذي يجعل فرد في المجتمع يشعر كل البلاد هي مجرد وجوده بالحكم.

فلسطين لسنا بعيدين عن هذا لأن كل ما يحدث لدينا من كوارث لا تنسجم مع شعور الحكم  بتلك الكوارث فلا نسمع شكوى أو شعور بالأزمة أو الخوف على الوطن ممثلاً لقد تم ابلاغ الضفة الغربية لكن الحكم قائم اذن لا مصيبة …..وكذلك في قطاع غزة يتم اعدام مليونين من البشر وتلك ليست أزمة طالما الحكم قائم ومستمر.

هذا بحاجة الى نقاش ولكن التجربة العربية والتاريخ كأنهما يقولان أن الأوطان لدينا يتم تلخيصها في السلطة وتضيق المسألة أكثر لتصبح في شخص الحاكم أو الزعيم، ليس مهماً أن تهدم الأوطان والشعوب المهم أن يبقى الرجل الأول لأنه وحده الوطن وتلك تحتاج الى قراءة مختلفة ..!!!