أكرم عطا الله يكتب: مصلحة الفلسطينيين في بقاء نتنياهو..!

أكرم عطا الله
قد يستغرب البعض من العنوان للوهلة الأولى، ارتباطاً بتعاطي الفلسطينيين للسياسة بشكل انفعالي، كما كل الحالة العربية التي تحكمها ردات الفعل وليس التفكير الهاديء المجرد من العواطف. ومن راقب الساحة الفلسطينية قبل أيام وهي تحتفي أو تحتفل برحيل نتنياهو لحظة إعلان المدعي العام الاسرائيلي توجيه ثلاث تهم خطيرة لرئيس الوزراء الأكثر فساداً في اسرائيل، يدرك أننا لا نجيد صناعة السياسة .
بعيد الاعلان عن الاتهامات، كالثور الهائج شن نتنياهو هجومه على القضاء وعلى الشرطة الاسرائيلية، ولأن القضاء أحد أهم أعمدة اسرائيل فماذا يريد الفلسطينيون أكثر من رجل فاسد ينال من قيمة وهيبة القضاء الاسرائيلي أو جهاز الشرطة الاسرائيلية؟.. وماذا يريدون أكثر من رجل يصارع كل أجهزة الدولة الاسرائيلية، ويطلب التحقيق مع المدعي العام ويحرض ضده الى درجة الشكوى من الشبكات الاجتماعية التي تهاجم القضاء، ويطلب التحقيق كذلك مع محققي الشرطة؟.
نتنياهو الذي يصارع حتى النهاية ويتسبب في تعطيل النظام السياسي في إسرائيل، وبسببه وبسبب فساده تجري إسرائيل انتخابات مرتين في عام واحد، وها هي تتجه للمرة الثالثة وبسبب إصراره سيستمر النظام السياسي الإسرائيلي في حالة اضطراب وفقدان للتوازن، وهي حالة لم تعشها الدولة منذ إقامتها، لأن اسرائيل لن تستطيع تشكيل حكومة طالما بقي نتنياهو على رأس الليكود.
إذا ما غادر نتنياهو هذا يعني تمكين اسرائيل من تشكيل الحكومة وانتهاء حالة التوهان التي تعيشها، واذا ما غادر نتنياهو هذا يعني عودة النظام السياسي في إسرائيل الى طبيعته، وإذا ما غادر نتنياهو يعني أن تعود الدولة للعمل وفقاً لتقاليدها التي خرج عنها الرجل الذي سجل رقماً سياسياً في الحكم، وتحول الى ديكتاتور على نمط الأنظمة العربية، ويجر اسرائيل نحو تجربة العالم الثالث الديكتاتورية الفاسدة. ليبقى نتنياهو على رأس الليكود، فاليمين الاسرائيلي سيطر على الدولة ليس بسبب نتنياهو، بل بسبب موت عملية التسوية، وأكثر من ذلك بسبب تطور الديمغرافيا في تلك الدولة وموت الكيبوتسات وتفريخ المستوطنات، وليبقى نتنياهو في السلطة معلقاً النظام السياسي في تل أبيب، وليستمر في تأزيم الوضع هناك، وليبقى رجل بهذا المستوى من الفساد يدير الدولة، فتلك في صالح خصوم اسرائيل وأولهم الفلسطينيون. وهنا فإن الفرحة التي تجتاح الفلسطينيين وتحديداً في غزة وحركة حماس، تعكس ثقافة الثأر والانتقام البدائية، ولا تعكس قدرة سياسية أو دهاءًا سياسيًا قلما بتنا نجده بين الفلسطينيين الذين يديرون سياسة بمنطق القبيلة وثقافتها، وليس بمنطق السياسة، ونموذج نتنياهو ربما كان الأبرز في كيفية التعاطي حتى مع خصومهم، كأنهم يريدون اسقاط الديكتاتور الفاسد الذي يتسبب وجوده بهذا الشلل الإسرائيلي لتعود للدولة التي تحتلهم روحها.
مصلحة الفلسطينيين أن يظل نتنياهو يصارع مؤسسات اسرائيل ، أن يظل معطلاً للنظام السياسي هناك، وأن يستمر ببقائه لمنع تشكيل حكومة، وأن ينتصر حتى على القضاء الاسرائيلي ويحطم هيبة الشرطة، وأن يقمع كل خصومه السياسيين، وأن يقصي كل من يعارضه في حزبه السياسي، وحبذا لو استمر صراعه مع منافسه جدعون ساعر وأدى ذلك الى انشقاق حزب الليكود وتحطيمه، وأن يتحول الى ديكتاتور يحكم لعشرين عاماً وأكثر أيضاً ويمنع تداول الأجيال.. مصلحة الفلسطينيين الذين فشلوا في تقديم نموذج ديمقراطي حضاري شفاف وفشلوا في انشاء مؤسسات وسلطة القانون أن تصبح اسرائيل متخلفة أكثر، وبلا مؤسسات وبلا قضاء، وأفضل مثلهم حتى بلا انتخابات، وأن يعين نتنياهو من يريد وأن تصبح مؤسسات الدولة فاسدة، فحل الدولتين لم يعد جزءًا من النقاش العام في اسرائيل، والمستوطنات تحولت الى واقع، والوقائع التي فرضتها اسرائيل أصبحت وقائع يتعامل معها العالم فقط، نرفضها ببيانات مكررة لم يعد لها وزن ولا قيمة. ولأننا لا نستطيع أن نفعل الكثير فإن أقصى ما نتمناه هو تخريب اسرائيل ومؤسساتها، وأن تشتعل فيها حرب داخلية، كل هذا يفعله نتنياهو الآن لمن يراقب المشهد حتى أمس، وفشل المفاوضات بين الليكود وأزرق أبيض باعتبارنا لم نستطع أن ننجح، فليفشل غيرنا.. هذا كله يقوم به نتنياهو فلماذا الفرح لمغادرته كأننا شديدو الحرص على إنهاء كل هذا الصراع في اسرائيل، وحينها مثلنا يسأل هل نحن نعمل في السياسة أم بثقافة العشيرة؟.. وتلك وحدها تصلح للتأمل في إدارة كل شيء لدينا..!!