أكرم عطا الله يكتب: هل خانت إسرائيل واشنطن في مخدع التنين؟؟

أكرم عطا الله

لماذا جاء مايك بومبيو الأسبوع الماضي الى إسرائيل؟ سؤال شغل الأوساط الصحافية والسياسية التي فاجأتها زيارة الوزير المفاجئة، فالعالم مشغول بجانحة كورونا والولايات المتحدة تنهمك بشكل كبير في معالجة التقرحات التي أنتجها الوباء على وجه الإدارة الأميركية، والرئيس الأميركي تهبط شعبيته حتى في مناطق محسوبة تاريخياً على الجمهوريين، والاقتصاد الأميركي والشركات الأميركية والصحة الأميركية والمجتمع الأميركي والسياسة الأميركية مشغولة بالوباء، وقد توقفت حركة السياسيين في العالم وباتت تنعقد أهم الاجتماعات عبر التكنولوجيا.

فلماذا سافر وزير الخارجية في هذا الظرف بالذات مسافة تزيد على 12 ساعة ليصل الى تل أبيب ومثلها عودة في زيارة مرتدياً قناعه الطبي؟ هل جاء ليناقش الخطة الأميركية بضم الضفة الغربية؟ أم ليناقش الملف الإيراني؟ أم كما حاولت بعض الدوائر الرسمية الأميركية القول إنه طار ليناقش مسألة وباء كورونا.. أم أن الأمر أبعد ويتعلق بالتحديد بالصين التي بدأت في الآونة الأخيرة ترفع وتيرة الغضب الأميركي بشكل غير مسبوق؟

أغلب الظن أن مسألة الضم لم تكن تستحق تلك الزيارة، خاصة أن الأمر يسير باتفاق كامل بين الطرفين، من ترسيم خرائط وتحديد مواعيد كان يمكن مناقشة ما يتعلق بها من قبل الطواقم المشتركة، أو حتى باجتماع عبر وسائل التكنولوجيا كما يفعل كل السياسيين الآن، وكذلك موضوع كورونا كان يمكن للطواقم الطبية أن تتكفل بالأمر وليس وزير الخارجية، ورئيس وزراء كان مشغولاً حتى اللحظة الأخيرة بتركيب حكومة اضطر لتأخير إعلانها لثلاثة أيام بسبب صعوبة استرضاء أعضاء الحزب الحاكم وتوزيع المناصب.

بعض العارفين يشيرون الى تمرير رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي المحسوب كلياً على الولايات المتحدة وأجهزتها الأمنية، وأن ذلك لا يمكن أن يمر إلا عبر التوافق مع طهران، وهذا ربما ما يثير غضب اسرائيل ليأتي الوزير الأميركي لتهدئة روعها، وهناك قدر من المعقولية في هذا لكن الصحافة الإسرائيلية على امتداد أسبوع ظلت تنقب وتبحث عن الاحتمالات، إذ حتى الموضوع الإيراني الذي تطلق الولايات المتحدة يد إسرائيل تجاهه في سوريا لا يستوي حسب رأي المحللين هناك مع أهمية الزيارة.

لكن الإشارات باتجاه الصين تبدو أكثر جدية قياساً بالملفات الأخرى، فقد أخرجت بكين في الآونة الأخيرة الإدارة الأميركية عن طورها وأضاءت كل الأضواء الحمراء في واشنطن، ولم يتورع الرئيس عن الإساءة للصين واتهامها وطلب التحقيق وتحميلها المسئولية، وطلب تعويضات حتى قبل أن يبدأ التحقيق، كل هذا كان يعكس ما هو أبعد من ذلك ويستدعي ربما أن يطير وزير الخارجية تلك الرحلة في هذا الظرف.

قبل عقد ونصف من الآن من الآن ساد غضب في أوساط المحافظين الأكثر تأييداً لتل أبيب بسبب السلوك الاسرائيلي تجاه الصين من خلف ظهر الولايات المتحدة، استخدم حينها مصطلح أن اسرائيل “تجاوزت الحدود” و”أنهم ملوا من ألاعيب تل أبيب” هذا الحديث كان حادًا في وجه وولفوفيتز ورامسفيلد وزير الدفاع، كان ذلك بسبب انكشاف فضيحة تعاون إسرائيل مع الصين عسكرياً بعد أن خدعت تل أبيب واشنطن.

في عام 2000 علمت الولايات المتحدة أن هناك صفقة قيمتها ربع مليار دولار تعتزم خلالها اسرائيل بيع طائرات بدون طيار متطورة تقنيا، وهي طائرات “فالكون”، وطالبت أيهود باراك رئيس الوزراء حينها باستحالة موافقتها وضرورة الغائها، وفعلاً ألغت تل أبيب الصفقة، ولكن تم لاحقًا اكتشاف أن الصين تسلمت الطائرات حين أعلنت أنها باتت تمتلك طائرات “فالكون”، وحين تمت مراجعة تل أبيب أنكرت أنها باعت الصين هذا النوع من الطائرات جملة وتفصيلاً، ثم افتضح الأمر حين أعادتها الصين لتل أبيب بغرض الصيانة، هذا ما أثار غضب الأمن الأميركي والكونجرس بشدة ليعتبروا أنها “تجاوزت الحدود”.

الفضيحة الأخرى حين قامت طائرة هجومية صينية أثناء انكشاف صفقة فالكون باعتراض طائرة تجسس أميركية كانت تخصصها الولايات المتحدة لمراقبة الصين والتجسس عليها، وهي طائرة كبيرة بحجم طائرة مدنية ومتطورة، وعند مشاهدة الأميركيين لفيلم التسجيل للاعتراض اكتشفوا أن الطائرة الصينية كانت مزودة بصواريخ هجومية غسرائيلية.

منذ سنوات تتطور العلاقات الصينية الإسرائيلية، وقد اعتبرت في مرحلة ما أن الأخيرة ثاني أكبر مورد للسلاح للصين، وقد بدأت تلك العلاقات العسكرية مع أولى الصفقات منتصف الثمانينات لتتطور الى مستوى غير مسبوق نحو شركات الاتصالات والبنية التحتية في اسرائيل، ويحاول الجانبان الإسرائيلي والصين التقليل من أهمية وحجم الاستثمارات، لكن الولايات المتحدة التي باتت الصين صداعها الأكبر يبدو أنها لم تعد تقبل هذا التعاون الى هذه الدرجة، وخصوصًا أن تجربتها مع إسرائيل تقول إن التعاون السري بين تل أبيب وبكين أبعد وأخطر مما هو معلن فقد لدغت مرتين.

الآن الأمر يبدو أكثر جدياً بعد التطور التكنولوجي وتضاؤل الخيط الفاصل بين الصناعات العسكرية والصناعات المدنية والبنية التحتية، وخاصة بعد دخول تقنية الجيل الخامس وتداخلها العسكري المدني، هذا الأمر لم يثر الإدارة الأميركية وحدها، بل حتى قادة الأمن في إسرائيل وإذا كانت الولايات المتحدة تتخوف من تسرب التقنيات الأميركية للصين من خلال الأسلحة الإسرائيلية فإن الأمن الإسرائيلي بات يشعر بأن الاستثمارات الصينية تتمكن أكثر من السيطرة على مفاصل مهمة في الدولة، لا يتعلق الأمر فقط ببناء محطة تحلية في إسرائيل، وهي ما طالبت الولايات المتحدة بإقصاء الصين من المناقصة، والتي سيعلن الفائز فيها يوم الأحد القادم 24/5 ولا حتى بإدارة موانئ، بل أن الصين باتت تتحكم بملكية بيع البيانات من شركات التكنولوجيا والاتصال، وهناك الكثير من تصريحات قادة الأمن ومنهم “نداف أرجمان” مسؤول الشاباك من أن الاستثمارات الصينية يمكن أن تشكل خطراً على الأمن الاسرائيلي “تايم أوف اسرائيل”.

بعد الاتفاقيات والتعاون الذي برز منذ عامين بين الصين وإسرائيل وتوقيع ثماني اتفاقيات للشراكة بينها التعاون في الاختراعات وبراءاتها بدت الولايات المتحدة تنظر للأمر بشكل أكثر خطورة، وخصوصاً أن ذلك جاء بعد إعادة تعريف استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي نشرت عام 2017، حيث عرفت الصين بأنها “منافس استراتيجي” يشارك في “عدوان اقتصادي”.

الزيارة المفاجئة جعلت الأنظار تتجه من جديد صوب استثمارات الصين، وخصوصاُ الاستثمار الصيني في ميناء حيفا، حيث سيشرف الصينيون على حوض هناك، ويرى بعض المحللين أن هذا يشكل خطراً أمنياً على الأسطول السادس الذي يعتبر ميناء حيفا أحد أبرز أماكنه في شرق المتوسط حيث يرسو هناك، وهذا بحسب الرؤية الأميركية يسمح بمراقبة الأسطول وحركته وربما التجسس والتنصت، لكن اسرائيل تعتبر أن الميناء ليس أكثر من استراحة أو إجازة نقاهة للجنود وللأسطول.

بروز الصين في مكافحة الوباء وإن كانت بؤرة ظهوره لكن إدارتها الحازمة للأزمة واستخدامها أعلى التقنيات وسيطرتها على كل الأمور بثقة أو هكذا ظهر مقابل إدارة البيت الأبيض الذي بدا واهنًا وساخرًا، واهتزاز الاقتصاد الأميركي وعدد الوفيات جعل المقارنة في غير صالح واشنطن وظهور الصين على المسرح الدولي بهذا الشكل المتطور، وفي ذروة الأزمة بالنسبة للبيت الأبيض حصل تعاون ما تحت غطاء الفيروس بين ألد أعداء الولايات المتحدة “حسب استراتيجية الأمن” وأكثر شركاء الولايات المتحدة ، صحيح أن المعلن في التعاون يتعلق باستثمارات في الاتصالات والمياه والموانئ، ولكن يبدو أن ما هو غير معلن أبعد من ذلك بكثير فللولايات المتحدة تجربة مع الألاعيب الاسرائيلية فهل جاء بومبيو ليقول مرة أخرى “لقد تجاوزتم الحدود”؟؟