إميل أمين يكتب: أمريكا ترامب.. انتصارات  شعبوية وانكسارات ليبرالية

548

يوما تلو الأخر تفقد الولايات المتحدة الأمريكية الكثير جدا من ألقها وبريقها الذي أرتبط تاريخيا بفكرة الحلم الأمريكي،  ذاك الحلم الذي نشأ على أعمدة من الليبرالية والديمقراطية، المساواة وحقوق الأنسان،  التعاطي مع العالم الخارجي من منظور التبادل المشترك للمنافع وليس البراجماتية غير المستنيرة .

غير أن الذين يتابعون سير أمريكا لاسيما في العامين الأخيرين، حين حل دونالد ترامب رئيسا على البيت الأبيض، يدرك بما لا يقبل مجالا للشك أن الحلم بات مهددا، وأن أمريكا مقبلة على عالم ما بعد النيوليبرالية،  تلك التي تشكلت معالمها وملامحها في العقود الأخيرة .

الذين تابعوا كلمة الرئيس الأمريكي من على منصة الجمعية العمومية  للأمم المتحدة الأيام القليلة الفائتة قد وقر في ذهنهم أنهم ترامب لم يعد مشغولا بأن يضحى شرطي العالم أو شريفه ، وأن جل همه هو ” أمريكا أولا” ذلك الشعار الذي حكم توجهه منذ فترة الانتخابات الرئاسية وحتى الساعة .

مواقف ترامب من القضايا العالمية لم تعد خافية على أحد، وإن جاز لنا أن نتكلم عن واحدة منها، فإن القضية الفلسطينية تبقى في الحال والأستقبال مقياس للعدالة أو للزور والبهتان، تقاس عليه مواقف إدارته من العديد من المشاهد الدولية .

من على المنصة الأممية تبين لنا  أن مسالة العولمة  لا ولن تشغل بال ترامب، فهو عازف عن السعي في دروب الهمينة العالمية، المتسترة بكلمات عن منارة الحرية والديمقراطية، ويبدو أن جل شغله الشاغل هو ميزان المدفوعات الأمريكي وكيف له ان يتعاظم فوق أي ميزان أخر ، أوربي أو صيني .

ترامب ليس مفكر ولا منظر سياسي دون أدنى شك وإنما هو أداة في يد الفعلة الحقيقيين في الكرم الأمريكي أو من يطلق عليهم ” الدولةالعميقة ” والتي اعترف  بها رجل مؤسسة ستراتفور الأمريكية والتي تمثل أستخبارات الظل مؤخرا .

ما الذي تريده تلك الفئة التي تقارب الأشباح في الداخل الأمريكي ؟

باختصار غير مخل أنها لا تتماهى مع أمريكا الولسنية، أي المنتسبة إلى الرئيس ” ودرو ولسون ” الرجل الذي تكلم عن الحريات وعن حقوق الأمم والشعوب في الإستقلال، أي انها تسعى لأنتصار أمريكا الواقعية في مواجهة أمريكا المثالية .

حين نقول بأن زمن الشعبوية الأمريكية قد بدأ، فأن ذلك يعني أن أمريكا الرسمية تغازل الداخل الشعبوي، بما يهمه، لا بالأحلام التي رسمها الآباء المؤسسون .

ما يهم المواطن الأمريكي وبالدرجة الأولى ليس أن يكون دركي العالم أو ديكتاتوره، بل رصيده البنكي، في حين أن النخبة القابضة على جمر السياسات  الأمريكية  يتطلعون إلى  ان تضحى أمريكا  ومن جديد أكبر قوة عالمية وأشدها تاثيرا، يسعون في طريق أمريكا التي لا تنفق تريليونات الدولارات على التوسع الخارجي، إنما التي تلعب بمهارة على ميزان القوى والمصالح القائم في مناطق مختلفة من العالم .

على أن علامة الأستفهام الجذرية في هذا السياق :” هل تقود الشعبوية أمريكا إلى تحقيق أغراضها الأمبراطورية التي تعاني في حاضرات أيامنا مما يعرف تاريخيا  ب ” فرط الامتداد الأمبراطوري “، ذاك الذي يعتري أبدان الأمم الكبرى  وقت الغروب ؟

الجواب نجده طيات أخر أستطلاع للرأي أجرته مؤسسة ” بيو ”  ذائعة الصيت والتي اشارت إلى أن شعبية أمريكا تتراجع حول العالم لدى الحلفاء أولا وتتعزز كراهيتها  عند الأعداء .

ماذا عن الحلفاء بداية ؟

خذ أليك ما يلي : في ألمانيا  قال 10% من المستطلعين إنهم لا يثقون في الرئيس الأمريكي، وفي فرنسا  كانت النسبة اقل “9% . وما يلفت الأنظار أن 43% من المستطلعين قالوا إنهم غير راضين عن سياسات الولايات المتحدة  ..

ماذا عن الشرق الأوسط والعالمين العربي والأسلامي ؟

مؤكد لا يمكن أن يكون الأمر افضل عما هو في أوربا، بل الطبيعي هو العكس، والناظر إلى تصريحات ترامب الأخيرة عن القضية الفلسطينية يرسخ لديه أننا إزاء رئيس متقلب وغير متوقع ولا يمكن الإعتداد بما يذهب إليه من عود أو ما يقطعه من عهود.

ثم كيف للعالمين العربي والإسلامي أن يثقا في رجل فعل بالقدس ما لم يجرؤ على فعله أي رئيس أخر، وهو يعلم تمام العلم أنه وان كسب الشعبويين في بلاده، عطفا على  تيار اليمين بكافة  درجاته من اليمين المتطرف إلى يمين الوسط، من اللوبي اليهودي الى  اللوبي الإنجيلي الداعم لإسرائيل، فإن من الطبيعي أن يقوده ذلك وأمريكا من وراءه إلى إضعاف نفوذه شرق أوسطيا  وإسلاميا حول العالم .

 

أمريكا الليبرالية تخسر العالم اليوم، فمع روسيا  وصل الأمر حد التهديد باستخدام القوة المسلحة تجاه الصواريخ الروسية المجنحة حديثة الصنع، رغم أن الروس لم يساءلوا الأمريكيين عن إحياء برنامج حرب الفضاء، والامر مع الصين ليس افضل بل ربما يكون أسوا بكثير،  فمن إشكالية العقوبات الإقتصادية إلى المواجهة في بحر الصين الجنوبي تكاد المواجهة المسلحة أن تشتعل مع بكين .

الشعبوية شكل من اشكال التطرف اليميني بنوع ما ، وإضرارها  لن تتوقف على أمريكا فحسب بل ستنتشر في كل بقاع واصقاع الأرض، وعلى غير المصدق ان يبحث عن الدور الهدام الذي يقوم به ستيف بانون الرجل الذي مثل قبل فترة عقل ترامب واصطحبه معه الى البيت الابيض قبل أن يرحل مرغما .

ترامب مضى من أمريكا إلى  أوربا للعمل على نشر دعوته اليمينية المتطرفة في الاتحاد الأوربي ومن أجل تشكيل توجه عام، تدعمه وتزخمه تيارات اليمين الأوربي الكارثية الجديدة من عينة النازيين الجدد في المانيا، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وجميعها نتاج لتخلي أمريكا عن حلمها الليبرالي الديمقراطي الأصلي لصالح تيار محافظ متشدد اقرب الى التطرف الإيديولوجي من أي توجه أخر .

من يريد أن يعرف مقدار الخطر الذي تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية والعالم من وراءها حاضرا  ومستقبلا، عليه بقراءة كتاب المؤرخ الأمريكي المحافظ ” روبرت كاجان ” الصادر أخيرا تحت عنوان ” الغابة تعود إلى النمو ..أميركا  وعالمنا المهدد”، اولا، ثم كتاب المنظر الأمريكي الاشهر ” فرانسيس فوكاياما ” عن ” الهوية ” الأمريكية ، وسف يهلع من مقدار المخاطر المحدقة بالعالم حال غياب أمريكا من جهة، أو إستمرار نهج ترامب الشعبوي من جانب أخر .

إلى أين تمضي التجربة  الترامبية ؟

ربما سنعرف الجواب في شهر نوفمبر تشرين الثاني المقبل، أي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وهل سيظل الحزب الجمهوري، حزب ترامب صاحب اليد العليا في إدارة شؤون البلاد، ما يعني أن الأمريكيين يدعونه الى  مزيد من النجاحات، أم سيفوز الديمقراطيون باغلبية الكونجرس ويطرحوا الجمهوريين خارجا، ما يعني النظر إلى الأبعد بالنسبة لمحاكة ترامب أو عزله، وساعتها سوف يتغير شكل أمريكا  من جديد ؟