إميل أمين يكتب: أورويل.. ماذا حدث للعالم منذ 1950؟

 

يبقى جلال أمين مفكرًا من طراز رفيع، وبعد أن تجاوز الثمانين يزداد إنتاجه الفكري عمقًا واستشرافًا عبر قدرة رفيعة إنسانية على تحليل الظواهر تحليلاً دقيقًا وكأنه يقرأ الأحداث بلغة الأرقام التي برع فيها، يفككها ويحللها في قدرة عجيبة على إدهاش قارئه ومحدثه، لا يكل عن التفكر والتدبر، مهموم بل محموم بشؤون الحداثة وخصوصية الإنسان، والتضاد شبه المؤكد بين العولمة وحريات البشر، وكأنه كلما ازدادت البشرية صعودًا نحو آفاق التكنولوجيا، تردى الإنسان سقوطا في عالم التجسس والتنصت وفقدان الخصوصية.

منذ أن كتب “إريك آرثر بلير” المعروف باسم “جورج أورويل” الصحافي والروائي البريطاني، المعروف بالوضوح والذكاء وخفة الدم والتحذير من غياب العدالة الاجتماعية ومعارضة الحكم الشمولي وإيمانه بالاشتراكية الديمقراطية رائعته (1984)، حيث يشاغب القراء بأفكاره عن عالم لا تهدأ الحرب فيه، كما تتزايد الرقابة الحكومية، والتلاعب بالجماهير التي ترزح تحت نير سياسي يدعو نفسه زورُا بالاشتراكية الانجليزية، والعالم لم يتوقف عن جدلية “الأخ الأكبر” الذي لا يترك شاردة أو واردة إلا ويرصدها في محاولة لتضييق هامش الفضاء الخاص للأفراد، في مقابل توسيع سلطة الدولة أو الأجهزة والمؤسسات المعنية.

في هذا الاطار كانت كراهية “جورج أورويل” منصبة على نظام، أيا كان لونه الأيديولوجي، لا يجد الفرد فيه مهربًا من استعباد التكنولوجيا الحديثة، هذه التكنولوجيا الحديثة لا تتمثل فقط فيما لدى أصحاب السلطة من أسلحة وسجون ومعتقلات، بل مالديهم من وسائل تجسس وتنصت وغسيل مخ.

على أن ما يشاغل ويشاغب عقل “جلال أمين” اليوم هو “هل يجب أن نتعاطى مع أورويل بقراءة جديدة تتجاوز المألوف سيما وأن العالم قد تغير منذ العام 1950 تغيرًا جذريًا شكلاً وموضوعًا؟

يرى البروفيسور أمين أنه من الضروري “تجديد جورج أورويل” ويضمن مراجعاته هذه كتابه الجديد الصادر في القاهرة حديثًا عن دار الكرمة المصرية، وعنده حتمية تتبع ما جد من تطورات حول العالم ومراجعة الأسباب التي أدت إلى هذه التطورات، ونوع الرسائل التي يرسلها أصحاب السلطة الجدد إلى الناس.

الكارثة التي يضع “جلال أمين” يده عليها هي أن ما طرأ من تطور لا يقتصر على أساليب الكذب، بل يطال أيضًا مضمون الكلام الكاذب، وكيف أن القهر النفسي، بإثارة الشهوات والرغبات التي يصعب أو يستحيل إشباعها، حل محل الحرمان من الأجر العادل والتعذيب المادي، وكيف تغيرت تبعًا لذلك طبيعة شعور المرء بالاغتراب، وما ضاع منه، وما تبقى له من وسائل لمقاومة الأنواع المختلفة من القهر.

في عملية التجديد هذه يفتح د. أمين أعيننا على “أورويل” الشخص الملتزم، صاحب الرسالة منذ كتاباته الأولى، إنه لا يكتب لتسلية القارئ أو لتسلية نفسه، بل ولا يكتب لمجرد الوصول إلى فهم أعمق للحياة أو الطبيعة الانسانية.

إنه يكتب بهدف الاصلاح دائمًا، وهو غاضب غضبًا شديداً على ما يراه وخائف أشد الخوف مما يمكن أن تتطور إليه الأمور، وخاصة من ازدياد قهر الدولة الشمولية للفرد وحريته، وعلى الأخص حرية الفرد في التفكير.

أراد أورويل بروايته “1984” أن يطلق تحذيرًا مما يمكن أن يأتي به المستقبل، بل كان  واثقًا من أن المستقبل سيأتي به، مالم يتنبه الناس إلى حقيقة الأمر قبل فوات الأوان، لهذا اختار “أورويل” كعنوان للرواية الرقم الدال على السنه يبعد بنحو ثلث قرن عن الوقت الذي يكتب فيه، والرقم لا قيمة له في ذاته، فأورويل لم يقصد به الا وقتاً ما في المستقبل.

القراءة المجددة لأورويل اليوم والتي يطرحها الدكتور “أمين” تتوقف عند العالم الذي تغير بشدة خلال السنوات التي مرت منذ أن كتب اورويل كتابه، إنه يدعونا إلى ضرورة الاعتراف بأن ما يتعرض له الفرد اليوم من غسيل المخ، من جانب الممسكين بالسلطة أشد مما كان في أيام أورويل، وأن ما يتمتع به من حرية سياسية أقل في الحقيقة مما كان حينئذ، رغم شيوع الادعاء بعكس ذلك.

من المهم كذلك ونحن نقارن الأحوال والأزمات أن يستلفت انتباهنا أن الممسكين بالسلطة ليسوا الآن نفس من كانوا يمسكون بالسلطة أيام أورويل، ووسائل غسيل المخ لم تعد هي نفسها الوسائل القديمة، كما أنها أصبحت تصل إلى أعماق في المخ والنفس لم تكن تصل إليها من قبل، بل أكثر من ذلك بعض الوسائل التي كان يعتمد عليها الفرد في مقاومته لغسيل المخ لم تعد متاحة له الآن، أو ضعفت بشدة.

كل هذا يجعل من المفيد وربما من الضروري “تجديد جورج أورويل” أي أن نتتبع ما جد من تطورات في طبقة الممسكين بالسلطة الذين يمارسون القهر في العالم، والاسباب التي أدت إلى هذه التطورات، وفي نوع الرسائل التي يرسلها أصحاب السلطة الجدد إلى الناس وما طرأ على أساليب الكذب وعلى مضمون الكلام الكاذب كحلول الإرهاب محل الحرب، والتخويف من الإرهاب محل التخويف من هجوم دولة أجنبية.

يقرع د. أمين جرس التنبيه لكثير من إشكاليات الحداثة والمعاصرة، وكما أكد اورويل إن ظواهر الأمور غير بواطنها، لذا يجب أن نوقن بدورنا أن كثيراً مما يقال لنا عكس الحقيقة بالضبط، وعلينا أن نبذل جهدًا فائقًا لكي نرى ما يدور أمام أعيننا وهذه هي الفائدة الحقيقية من عملية “تجديد جورج أورويل”.

 

[covid19-ultimate-card region=”EG” region-name=”مصر” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”AE” region-name=”الإمارات العربية المتحدة” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”PS” region-name=”فلسطين” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region-name=”العالم” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]