إميل أمين يكتب: التقنية وعصر المستقبل المظلم

إميل أمين

 هل تمضي البشرية إلى الأمام أم إلى الخلف؟

علامة استفهام قد تبدو غريبة أو عجيبه، فكيف للبشرية أن تتراجع بعدما بلغت شأنا عاليا من المخترعات والتقدم التكنولوجي، بل إنها غادرت البر والبحر، وباتت تستوطن الفضاء، عبر محطات دائمة.

غير أن الواقع يشير إلى ما هو أبعد مما ظاهر على السطح، لا سيما أن الوجه الآخر من التقدم التكنولوجي، عادة لا يظهر، إلا  لذوي الاختصاص، والراسخين في العلم، أولئك الذين أدركوا  منذ زمان وزمانين، أبعاد فكرة التعادلية، والتوازنات التي تفرضها الحياة، فهي حين تعطي من جهة، تأخذ من جهة ثانية.

في مؤلفه “عصر مظلم جديد”، والصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة، يخبرنا الكاتب البريطاني جيمس برايدل، بأن الظلمة تكاد تغشى الأرض، وأن التقنية والمعرفة، ربما يمثلان نهاية المستقبل، والكتاب من ترجمة مجدي خاطر.

يخبرنا الكاتب أنه عشية عيد الميلاد في العام 2009، حاول شاب نيجيري تفجير شحنة ناسفة على متن طائرة أمريكية  كانت في رحلة بين أمستردام وديترويت، لكن بعض ركاب الطائرة تمكنوا من السيطرة على الشاب وإحباط محاولة التفجير. بعدها اعترف الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما، بأن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات، بل في زيادتها المفرطة، وقال: “لم يكن هذا إخفاقا في جمع المعلومات، بل كان إخفاقا في استيعاب المعلومات التي كانت بين أيدينا بالفعل والتأليف بينها”.

يخيل للمرء أن هناك حالة من التضاد الظاهر في المشهد المعلوماتي، لا سيما أن المعلومات باتت نفط القرن الحادي والعشرين وذهبه إن جاز التعبير، بل أن أجهزة العالم الظاهرة والخفية، تتسارع من أجل الحصول عليها.

يخبرنا برايدل في مؤلفه أنه ومنذ عصر التنوير، هيمن على  العالم الغربي، منطق ثقافي يفترض أن مزيدا من المعلومات  يؤدي إلى اتخاذ قرارات أفضل.

غير أن الحقيقة هي أن عصر المعلومات يجعل العالم أشد إلتباسا، وأن قدرتنا على استيعاب هذا العالم تتضاءل في الوقت  الذي يتفاقم فيه تعقيده التقني، وأن من لديهم المقدرة على  تجميع المعلومات يستغلون هذا العجز عن الفهم في تعزيز مصالحهم.

لماذا يكتب مؤلف بريطاني مثل هذا العمل، وهو الذي يتمتع في بلاده بحريات تاريخية، وبديمقراطية تكاد تكون هي الأولى  في بلاده منذ عصر “الماجنا كارتا” التي تمثل الميثاق الأعظم للحريات، وقد أُسست عام 1215 لمبادئ الدستور الخاص بحكم الملك ومحدودية نفوذه وسلطته، والتي تعد من أهم الوثائق  القانونية في تاريخ الحرية السياسية والليبرالية؟

كثيرا ما تحدث دعاة اليمين المتطرف، أوروبا وأمريكا، عن المعلوماتية الجديدة، بوصفها الوحش الذي سيحط في نهاية الأزمنة، على سطح كوكب الأرض، ليعيث فسادا، ويهدد الآمنين.

صدر هذا الوصف أول الأمر، حين طفا اختراع الإنترنت  على سطح الحياة العامة، كان ذلك قبل نحو ثلاثة عقود، ولم يكن الأمر على هذا القدر من النمو والتسارع في تبادل المعلومات عالميا، حتى أن المرء وقبل النوم يودع العالم مع المعلومات، وأول ما يفعله صباحا هو مطالعتها من جديد، ما يعني أننا أدركنا مرحلة الإنسان المعلوماتي، إن جاز التعبير.

يذهب المؤلف إلى أننا أصبحنا نعيش عصرا مظلما جديدا  يشهد ظهور مزيد من الأصوليات والسرديات التبسيطية  ونظريات المؤامرة وسياسات ما بعد الحقيقة، ولم نعد نفهم كيف يُحكم العالم أو كيف يقدم لنا، بدءا من النظم المالية المارقة إلى  خوارزميات التسويق، ومن الذكاء الاصطناعي إلى السرية  التي تفرضها  الدول على  أنشطتها، في الوقت الذي تمتلئ  فيه وسائل الإعلام بتكهنات غير مؤكدة يصدر أغلبها عن برمجيات مجهولة، وتسيطر فيه الشركات على موظفيها من خلال المراقبة والتهديد بالأتمتة.

هل للعصر المظلم هذا علاقة ما بانهيار عالم الخصوصية، سواء كانت فردية أو مؤسساتية؟

غالب الظن أن ذلك كذلك، وعلى غير المصدق، أن يجرب التفكير في أمر ما، أن يتناوله بصوت مسموع، إذ سيجد في الحال هاتفه المحمول، يرسل دعايات وإعلانات، ويدفعه في طريق البحث عما كان يفكر فيه، ما يعني أن رؤية جورج أوريل، عن الأخ الأكبر، والتي ضمنها رائعته 1948، لا تزال قائمة، والأهول أنها قادمة بشكل ربما يتلاعب بالعقول البشرية  ويوجهها إلى حيث يريد النافذون.

أما على صعيد المؤسسات والهيئات، فالجميع يدرك الدور الذي تقوم به المعلوماتية الحديثة، لا سيما عبر وسائط التواصل الاجتماعي، في سياق التلاعب بالعقول، ويكفي أن يستحضر المرء ما جرى في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، حيث الاتهام لا يزال قائما من حول تدخل الروس لصالح المرشح الجمهوري دونالد ترامب، وانتقاما من هيلاري كلينتون، ما قاد لاحقا إلى انتصار الأول وانكسار الثانية.

كارثة المعلوماتية لا تتوقف أبدا عند هذا الحد، وإنما تمتد إلى شأن التلاعب بمقدرات اللوجستيات والبنية التحتية، ما يعني على سبيل المثال أن أحدهم يمكنه السباحة في الفضاء السيبراني، ليتحكم في حركة الطيران حول العالم، أو يقدم على  قطع التيار الكهربائي عن محطات توليد الطاقة، وربما الجسور وخطوط السكك الحديد، وقد يصل الجنون منتهاه إلى حد اختراق شبكات الصواريخ النووية في أي من البلدان التي تمتلكها.

هنا يطل علينا تساؤل: “هل تتوقف البشرية عن السعي في طريق مزيد من التقانة، أي وفرة التكنولوجيا، وشيوعها وذيوعها؟

حكما هذا أمر شبه مستحيل، فالتقانات التي تشكل وتزود  تصوراتنا الحالية عن الواقع أمر لابد له لنحو عشرة مليارات نسمة، سيعمرون الأرض، مع نهاية القرن الجاري.

ما العمل إذن؟

يعود بنا الحال إلى الربط بين العلم والأخلاق، وهي قضية متشابكة ومركبة، لكنها في نهاية الأمر يمكن تلخيصها في كلمات قليلة.. علم بدون أخلاق كارثة تقود إلى عصر الظلام ونهاية المستقبل.. فانظر ماذا ترى.

 

[covid19-ultimate-card region=”EG” region-name=”مصر” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”AE” region-name=”الإمارات العربية المتحدة” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”PS” region-name=”فلسطين” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region-name=”العالم” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]