إميل أمين يكتب: ترامب – خامنئي.. لقاء لن يحدث

 

 حين نقول أن اللقاء بين ترامب وخامنئي لن تجري به المقادير.. هل نحن  نرجم بالغيب أم أن هناك مقدمات منطقية وعقلانية تجعلنا نقطع بأن هذه الفكرة اليوتوبية لن يكون لها من الواقع حظ أو نصيب؟.

الشاهد أن الذين تابعوا المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمريكي دونالد ترامب، في نهاية قمة السبعة الكبار في فرنسا، ربما تساءلوا: هل تغير المشهد الأمريكي من إيران مرة واحدة؟.. وهل استطاع الجانب الأوروبي التأثير على الرئيس ترامب إلى الدرجة التي تدفعه للقول أنه مستعد للقاء الرئيس خامنئي في الوقت المناسب؟.

الثابت أن هذا الوقت لن يأتي، وربما  كان التصريح ليس أكثر من إستدارة أمريكية على  الواقع المعاصر للأزمة، من خلاله يلقي الحبل واسعا للإيرانيين، كي يطوقوا به رقابهم، قبل القارعة التي تنهي رؤاهم الإمبريالية المتغطرسة.. ما معنى  ذلك؟.

بداية ينبغي الإشارة إلى أن إيران لم تتغير، وهذا ما ينسحب حكما على  مستقبلها، إنما هي تلعب كعادتها على أوتار المتناقضات، وثنائية الخطاب، علها تحرز إختراقا  ما يدعم مسيرتها العدائية تجاه محيطها الإقليمي.

ترسل إيران ظريف إلى فرنسا بخطاب وبلغة، فيما روحاني في الداخل الإيراني يتحدث بلهجة منافية ومجافية، وهذا ديدن الإيرانيين، ما يجعل الثقة بهم أمرا ممجوجا في الحال والإستقبال.

يصرح الرئيس ترامب بأنه هو من سمح لماكرون باستقبال ظريف، وربما أراد الرئيس الأمريكي أن يمضي مع الأوروبيين إلى آخر الطريق، وإن كان يدرك إدراكا  جامعا مانعا أن الملالي لن يقطعوا خطوة واحدة في مسيرة الطلبات الإثنى عشر التي أعلنها وزير الخارجية الأمريكي بومبيو.

ولهذا فإنه حين يستخدم سيد البيت الأبيض تعبير “الوقت المناسب”، فهو يثق كل الثقة بأن المناسب لإيران، ليس هو الملائم لأمن الأقليم، ولا لسلام العالم، عسى الجانب الأوروبي تنفتح أعينه على حقيقة المشهد الإيراني ونواياه الخفية.

يفتح ترامب الباب واسعا أمام إيران، فهو يريدها  دولة غنية، ولا يسعى الى تغيير نظامها، وهي منطلقات فكرية أمريكية جديدة تختصم من الأكاذيب التي تروجها  الحكومة الإيرانية في الداخل، والتي تتخذ من عبارات ترامب ذرائع لتجذير حضورها، وهنا يبدو ترامب كمن يسحب البساط من تحت أرجل المسؤولين الإيرانيين، أولئك المزايدين على مصالح الشعب الإيراني، في حين أن الأخيرين باتوا  يدركون تهافت الملالي، لا سيما المرشد الأعلى، الرجل الذي تتكشف ثروته يوما تلو الآخر، وقدرها الأمريكيون بنحو 200 مليار دولار، وقال البعض إنها ضِعف ذلك.

أبدت الدول السبع الكبار موقفا موحدا من إيران، والتي وجدت نفسها أمام إصرار أممي لا يلين، برفض إيران نووية مرة وإلى الأبد، فيما الرئيس ترامب ربط فكرة الوقت المناسب للقاء خامنئي بثلاثة شروط: إتفاق جديد طويل المدى يقيد قدرة إيران على المراوغة، بما يعني أنه ليس أقل من 25 سنة، ثم تلجيم قدراتها الصاروخية ووضع المزيد من الحدود والضوابط على برنامجها الصاروخي، إضافة إلى البؤرة الصديدية الكبرى المتمثلة في البرنامج النووي والمراواغات الإيرانية التي تجري من حوله صباح مساء كل يوم.

هل يمكن أن تقبل إيران خامنئي وروحاني وحسين علامي بشروط ترامب من أجل أن يحين الوقت الملائم للقاء رئيس أمريكا مع مرشد الثورة؟.

قبل قمة السبعة في فرنسا بأيام قلائل وفي 22 اغسطس/ آب تحديدا، أجرت إيران تجربة إطلاق صاروخ طويل المدى مضاد للطائرات أطلقت عليه اسم “إيمان 373″، قائلين إنه يفوق في كفاءته الصاروخ الروسي “إس 300”.

والشاهد أنه بغض النظر عن الدعاية الإعلامية الفارغة عادة كما عودنا الإعلام الإيراني، فإن الأمر يعكس نوايا إيران الحقيقية، تلك الساعية إلى تعظيم قدرتها على  تطوير أجيال صاروخية جديدة، وأن يكون لديها نظامها الخاص للدفاع الجوي، ذاك الذي يوفر نوعا من الحماية لمنشآتها النووية بنوع خاص.

نهار الأحد السابق لقمة السبعة، وقبل أن يبدأ ترامب في تقليب أوراقه بحثا عن الوقت المناسب للقاء خامنئي، وفي توقيت مواكب لتوجه ظريف إلى فرنسا كانت وكالة “رويترز” تنقل عن مسؤولين إيرانيين قولهم: إن طهران ترفض التفاوض بشأن برنامجها للصورايخ الباليستية، وإنه إذا أراد الغرب التفاوض فإنه لابد من السماح لإيران بتصدير نحو 700 ألف برميل يوميا من النفط على الأقل كبادرة حسن نية  وخطة صوب إتاحة المجال للمفاوضات، وأن تحصل طهران على أموالها نقدا، وأن يكون الأمر برمته مجرد بداية للوصول إلى واحد ونصف مليون برميل يوميا.

مسؤول إيراني ثاني يصرح لرويترز كذلك بأنه “ما من مجال للتفاوض بشأن برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، وإن ذلك لن يحدث”.

غداة حديث ترامب عن “لقاء الوقت المناسب”، ذهب روحاني في تشدده إلى أبعد حد ومد، مشيرا إلى أن الوضع لن يتغير ما لم ترفع الولايات المتحدة العقوبات عن بلاده  أولا.

من نصدق ويصدق العالم؟.. روحاني الذي يوفد ظريف من أجل مباحثات خلف الكواليس، أم روحاني المتحدث للشعب الإيراني عبر التلفزة الإيرانية؟.

يدرك القاصي والداني أنه ما من مجال البته لأن يقوم الرئيس ترامب برفع العقوبات عن إيران، ما لم تقدم إيران برهانا على حُسن سلوكها وتغيير مساراتها ومداراتها، والرجل غير مستعجل، وأسهمه الإنتخابية في أعلى عليين في الفترة الأخيرة، ما يعني أن فرص إعادة إنتخابه رئيسا لأمريكا في 2020 كبيرة جدا.

ترامب يدرك أن إيران تتآكل، وبتصريحاته الأخيرة في فرنسا، فإنه يفتح باب الجدل والتشارع إلى حد التصارع في الداخل الإيراني بشكل موسع، سيما وأن هناك أصوات عريضة بدأت تستشعر خطرا جادا على الثورة نفسها، الأمر الوحيد الذي تخشاه قيادات إيران، وتحاول جاهدة أن تتجنبه.

تصريحات ترامب في فرنسا حملت لمسات من الذكاء الإنتخابي إن جاز التعبير، وغالبا ما كانت موجهة للداخل الأمريكي، بقدر توجهها للجانب الأوروبي، وكأني به يضع الديمقراطيين المناوئين له في أزمة إذ يرون ان الرجل قد أضحى داعية للسلام   وسدا ضد الخصام، وأنه يسعى للقاء خامنئي لكن بالشروط التي يدعمه فيها الرأي العام الأمريكي.

لن يحدث اللقاء طالما أصر روحاني على تنفيذ تعليمات خامنئي: الخطوة الأولى هي رفع العقوبات… عليكم أن ترفعوا جميع العقوبات”.

عزف روحاني على وتيرة “أن طهران لم ترغب مطلقا في إمتلاك أسلحة نووية”، لا يطرب أحدا، والجميع يعرف حقيقة الأكاذيب الإيرانية، وأول العارفين هم الأمريكيين.. من يصدق أن لقاءا مثل هذا يمكن أن يحدث؟!.