إميل أمين يكتب: ترامب وإيران.. حديث السلام والاستعداد للحرب

 

هل إنتهى زمن حروب الوكالة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ودخلنا مباشرة في عمق الصراع المباشر مرة وإلى ما شاء الله ؟

أغلب الظن أن ذلك كذلك، وما جرى مؤخرا من صدامات أمريكية إيرانية على  الأراضي العراقية يكاد يقطع بأن المواجهة آتية لا ريب فيها، حتى وإن تحدث الرئيس ترامب عن استبعادها، لا سيما وأن كافة التطورات العسكرية الأمريكية تشي بأن الاستعدادات للمواجهة المسلحة تجري على قدم وساق.

عدة أسئلة تفرض ذاتها بذاتها على الساحة الأمريكية – الإيرانية، وفي المقدمة منها: “هل التاريخ يعيد نفسه” ؟

علامة الاستفهام هنا لا تتصل بأحداث السفارة الأمريكية في بغداد وما جرى وما يجري من حولها فقط  وإن كان ذلك يذكر بما اقترفته الأيادي الإيرانية في العام 1979 حين تم احتلال السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز موظفيها كرهائن، بل المشهد يستدعي العودة إلى العام 1988 وما عرف وقتها بعملية “براينغ مانتيس” أو  عملية “فرس النبي”.

باختصار غير مخل في إبريل 1988 تعرضت الفرقاطة الأمريكية “صموئيل روبرتس” للغم ثبت لاحقا أنه إيراني، وعلى الرغم من أن الفرقاطة تم سحبها ولم تتعرض للغرق، إلا أن القوات المسلحة الأمريكية قامت بهجوم جوي وبحري هلك فيه نصف الأسطول الإيراني تقريبا، وقد كانت تلك العملية أحد الأسباب المباشرة في قبول الخوميني قرار وقف إطلاق النار.

ما جرى في بغداد من قتل لمقاول أمريكي والرد الأمريكي الحاسم والحازم الذي أسقط العشرات من ميليشيات حزب الله العراقي، ثم الاعتداء على السفارة الأمريكية في بغداد، وصولا إلى قتل قاسم سليماني، يضعنا أمام تصور لتصاعد خطير، يمكن أن يؤدي إلى حرب مباشرة بين واشنطن وطهران، لا سيما إذا تجاهلت الأخيرة مبدأ “ميزان الإنتباه العسكري”… ماذا نعني بهذا الكلام ؟

المؤكد أن الإيرانيين كانوا يقدرون على إقتحام السفارة من اللحظات الأولى، غير أن اقتحامها أمر كان سيفتح أبواب جهنم عليهم، وبما لا يطيقون تحمله من النيران الأمريكية، الأمر الذي يعني وبدون مواراة أو مدارة أننا سنضحى عما قريب أمام الفصل الثاني من براينغ مانتيس في طبعة جديدة، في البر وعلى الأراضي العراقية، قبل أن تنتقل المواجهة إلى البحر وصولا إلى الأراضي الإيرانية عينها.

هل تغير شيئ ما في السياسات الأمريكية ؟

الذين طالعوا ما كتبه السيناتور الجمهوري “ليندسي غراهام” بعد القصف الجوي الأمريكي لمعسكرات حزب الله العراقي، يقطعون بأن التوجه الأمريكي ماض في طريق القوة الخشنة لا الناعمة.

كتب غراهام يقول: “سعيد للغاية لرؤية الضربة الأمريكية ضد وكلاء إيران ردا على  الهجوم على القوات الأمريكية في العراق.

وتابع بالقول: إن “اللغة الوحيدة التي تفهمها إيران هي القوة”.. وأضاف: “إنني أقدر تقديرا كبيرا إدارة ترامب على محاسبة ملالي إيران على ممارستهم في العراق وسوريا”.

هل الأسوأ قادم ؟

حين يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أن إيران ستدفع “ثمنا باهظا”، لا سيما بعد اقتحام المتظاهرين المؤيدين لإيران السفارة الأمريكية في بغداد، فإن على المرء أن يدرك أن شيئا ما تحرك لجهة الحسم العسكري، حتى وإن لم يكن ذلك حربا واسعة النطاق.

في هذا السياق يمكن للمرء أن يرصد التوجهات الأمريكية، والتي أرسلت مباشرة نحو 750 جنديا لحماية سفارتها في بغداد، فيما الحديث يجري الآن عن الترتيب لإعادة إنتشار عدة آلاف من الجنود الأمريكيين في المنطقة، قال البعض غنهم قد يصلون إلى  أربعة آلاف جندي.

يحاول ترامب جاهدا التكفير عن الخطيئة الكبرى في السياسات الأمريكية التي ارتكبها  سلفه باراك أوباما، فقد كان انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011 خطأ  جسيما دفع إيران لملء كل الفراغات الإستراتيجية التي خلفها النفوذ الأمريكي من ورائه.

كان أوباما مدفوعا بعلاقات مريبة مع جماعات الإسلام السياسي من جهة، كما كان جل همه من ناحية أخرى أن يدخل التاريخ عبر اتفاق مع إيران النووية، وإن كان اتفاقا سيئ السمعة.

في زمن أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، عرابة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط، حدثت مأساة بنغازي، الأمر الذي يؤكد ترامب أنه لن تجري به المقادير في بغداد ثانية ولهذا أرسلت واشنطن وعلى وجه العجل 100 جندي من فرقة  الاستجابة للأزمات التي تكونت في العام 2013 وتم انتقاء عناصرها بعناية من الكتيبة الثانية والسابعة مشاة التابعتين لسلاح المارينز والمدربة على عمليات إخلاء السفارات، وعمليات الإغاثة في حالات الكوارث، وإستعادة الموظفين والمعدات، والمساعدات الإنسانية”.

الجزئية الأخيرة في هذا السياق: هل تصاعد المواجهة المسلحة بين واشنطن  وطهران يحقق مصلحة بعينها للرئيس ترامب ؟

مؤكد أن ساكن البيت الأبيض والذي يعاني مع مجلس النواب الديمقراطي سعيد بالتسخين الذي جرى، لا لأنه يحول الأنظار عن جلسات مجلس الشيوخ القادمة فقط، بل أيضا لأنه يضيف له رصيدا في أعين الرأي العام الأمريكي.

تاريخيا يحرص كل رئيس أمريكي على أن تكون له حربه الخاصة التي يظهر فيها فحولته الرئاسية، فهل سنرى عما قريب حربا أمريكية إيرانية ؟

قد لا يجد الإيرانيون أمامهم طريقا في الأشهر القليلة القادمة، سوى طريق التهور الاستراتيجي الذي يدفع إلى مواجهة شاملة، وبخاصة إذا وقع ترامب عقوبات جديدة على طهران، وغالبا سيفعل عقب إنتهاء إجازة الأعياد.

الإيرانيون يبكون دما من جراء خطة “الضغط الأقصى” الأمريكية، وبإعتراف  روحاني الذي أشار منذ أيام إلى أن بلاده تكبدت 200 مليار دولار خلال العامين الماضيين وبعدما فقدت 90% من صادراتها النفطية.

الخلاصة… قد يكون خيار الحرب إيرانيا أكثر منه أمريكي، ولهذا فإن ترامب يتحدث عن السلام ويستعد للحرب.