إميل أمين يكتب: ترامب والشرق الأوسط .. حساب الحقل وثمار الحصاد

 

 

على مشارف عام جديد تبقى العلاقات الأمريكية الشرق أوسطية مثار علامات استفهام متعددة، سيما وأن المشهد الآني تتشابك فيه الخيوط وتتداخل من خلاله الخطوط، ومع عامين للرئيس الأمريكي غير المتوقع دونالد ترامب في البيت الأبيض تبقى مسألة استشراف المستقبل ضبابية، فلا أحد يدرك ما الذي يفكر فيه رجل الأعمال الذي أضحى على غير انتظار رئيسًا لأكبر دولة في العالم، وغن شئت الدقة قل الدولة الأولى بين كبار المتسابقين للإمساك بزمام العالم، حتى وإن رفض الرئيس ترامب فكرة أن تظل أمريكا شرطي العالم ودركه في الحال والاستقبال.

ماذا عن حساب الحقل وثمار الحصاد الترامبي في الشرق الأوسط منذ أن دخل الى المكتب البيضاوي في يناير 2017؟

السؤال المتقدم يحتاج لأوراق بحثية مطولة، لكن في غير اختصار مخل، يدهشنا أن تتطابق أفعال ترامب خلال العامين المنصرمين مع كل كلمة تفوه بها خلال حملته الانتخابية، بل الأكثر دهشة أن هناك حوارات متلفزة للرجل قبل أكثر من عقدين من الزمن، حملت نواياه تجاه الشرق الأوسط عامة، ودول الخليج خاصة، والكارثة أننا لم نستمع ولم نقرأ ما قاله وكتبه، وكأن آفة حارتنا النسيان بالفعل كما علمنا أديب نوبل الكبير نجيب محفوظ.

لم تتغير نظرة ترامب بالنسبة للعالم العربي كثيرا عما قدمه ريتشارد هاس قبل خمسة عقود لهنري كيسنجر، أي نظرية “الشيخ والخيمة”، بمعنى أن العالم العربي منبت الصلة بالحضارة المدنية والمؤسساتية، ولا يزال يعيش في خيمة، وأن هناك رجلًا واحدًا هو من يتحكم في مقدرات تلك الخيمة – الدولة، وعليه التعاطي معه، ونسي ترامب الذي لا دالة له على التاريخ أن على أرض الشرق الأوسط نشأت دول وقامت حضارات قبل إكتشاف أمريكا بأكثر من سبعة آلاف عام، ففي حين كان الآشوريون والفراعنة والعرب يسطرون تاريخا من الإنسانية، كان الهنود الحمر يلتقطون التفاح من على الأشجار ليقدر لهم العيش.

مهما يكن من أمر بدأ ترامب مسيرته مع الشرق الأوسط بقرارات رئاسية إدارية تمنع دخول مواطني ست دول لم تنفك أن أضحت تسعة، غالبيتها إن لم تكن جميعها دول إسلامية، وفي هذا فإن الرجل لم يكذب ولم يتجمل، فقد أخذ ينفذ ما وعد به مسبقا من محاربة للإرهاب الذي حصره في الإسلام والمسلمين دون غيرهم، وغض البصر والبصيرة عما يجري في داخل بلاده من نمو متسارع بشكل مخيف للتيارات اليمينية العنصرية بكافة أشكالها، لا سيما التي تتبنى خطاب العنف والقتل، الحرق والتدمير، تجاه الآخر المغاير عرقا أو مذهبا. والعامان الأخيران يشهدان حوادث وجرائم عرقية غير مسبوقة في تاريخ البلاد.

بعد خمسة أشهر من إطلاق رئاسته الأولى، كان ترامب ييمم وجهه شطر الشرق الأوسط، وفي الحق لم يأت الرجل باحثا عن حلول سياسية لأزمات طال بها الزمن وتعقدت الى درجة أنها استعصت على الحل، إنما صال وجال كمندوب عن المجمع الصناعي العسكري الأمريكي بأضلاعه الثلاثة التقليدية: أصحاب مصانع الأسلحة، وكبار جنرالات وزارة الدفاع، وأخيرا المشرعين في مجلسي الكونجرس.. النواب والشيوخ.

والمؤكد أن لا أحد ينكر على الرئيس ترامب أن يروج لبلاده ومنتجاتها، غير أنه يحق لنا التساؤل: أما من أدوات حقل أخرى تبيعها أمريكا للعرب غير آليات الموت ووسائل الدمار؟.. ولماذا لا  تزودهم إن كانت تحمل لهم الخير بأحدث أنواع التكنولوجيا لإستصلاح الصحراء على سبيل المثال، أو تنقية وتحلية مياه البحر إلى آخر دوائر الحياة، لا مسارب الموت..؟.

أحد أهم الأسئلة المطروحة على المتعاطين مع الشأن الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط: “هل تريد أمريكا البقاء في تلك المنطقة التي شهدت هيمنة مطلقة لصالحها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أم أن اهتمامها بها قد تناقص بدرجة غير مسبوقة، وربما يحمل المستقبل إضمحلالا لهذا الحضور مرة وإلى الأبد؟.

يمكن القطع بأن واشنطن ومنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 تحولت إلى  قوة عدائية بعد ردات فعلها على “غزوتي نيويورك وواشنطن”، كما أطلق عليهما بن لادن، وكان الفخ الأكبر الذي وقعت فيه اعتبار أن أي عربي أو مسلم هو إرهابي أو مشروع إرهابي في أحسن الأحوال.

ومع دخولها إلى العراق في 2003 تحولت أمريكا لأول مرة في تاريخها الشرق أوسطي إلى قوة إحتلال، وفقد الحلم والنموذج الأمريكي بريقه الذي كان يوما ما في العيون.

ليست هذه قصتنا، إذ أن جل ما يهمنا هو الإشارة إلى أن أمريكا فقدت مربعات قوة ونفوذ عديدة بالفعل خليجيا وشرق أوسطيا، واستطاعت قوى صاعدة مثل الصين، عطفا على  الدب الروسي أن تملأ  تلك الفراغات، وهو الأمر الذي حذر منه كيسنجر الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، ذاك الذي فضل القيادة من وراء الكواليس عوضا عن الإقدام وإنهاء إشكاليات عديدة في مهدها قبل أن يتعاظم شرها، والمحصلة النهائية في كل الأحول تشير إلى أمر واحد، وهو أن نفوذ أمريكا يتآكل فعلا وقولا، وأنه وإن لم تكن تنتوي الإنسحاب بالفعل من المنطقة، فإنها باتت شريكا غير مرغوب فيه.

غير أن لعبة التوازنات الدولية مثيرة وعجيبة، وبخاصة في ظل غياب ملامح نظام عالمي حقيقي ومتوازن، ووجه الإثارة هنا هو أن العالم مع أمريكا قلق ومضطرب، حائر وخائف، وفي غيابها  أكثر ارتياعا بسبب الأدوار التي لعبتها ولا تزال، ومن ثم يبقى السؤال عمن  يحل محلها..؟.

لعل الأزمة السورية أفصحت عن التضاد الأمريكي البين، فالجميع يرون أن هناك علاقة ما بين أمريكا أوباما على الأقل ونشوء وارتقاء جماعات إرهابية كانت نتاجا لانسحاب أمريكي متهور من العراق في 2011 مما أعظى فرصة كافية لظهور داعش تاليا في سوريا، هذا إن لم تكن واشنطن على  علاقة – وهي كذلك بالفعل منذ العام 1954 – بخلايا الإسلام السياسي، وأن الحضور الأمريكي في سوريا قد عقد من أبعاد الأزمة.

غير أن قرار الانسحاب الأمريكي المفاجئ من قبل ترامب للقوات الأمريكية هناك، وعلى الرغم من قلة عددها، قد أوجد حالة من القلق بسبب الخوف من عودة داعش من جديد، وبالقدر نفسه من أوهام أردوغان الذي صور له عقله أنه صاحب الصولاجان شرق أوسطيا، وأنه مبعوث العناية الإلهية لإحياء الخلافة العثمانية من جديد.

يبدأ العام الجديد ولا نعرف على وجه الدقة ما الذي يريده ترامب من إيران، ولا خططه  بالنسبة لها؟.. هذا إن كان لديه خطط غير تغريداته الاندفاعية صباح كل نهار .

ألغى ترامب الاتفاق النووي مع إيران من جهة واحدة، ووقف في مواجهة أوروبا الحليفة والصين وروسيا، لكنه قبل بضعة أيام وفي إجتماع مع حكومته بعد إجازات الأعياد نجده يتحدث عن إيران التي تغيرت والتي بدأت بسحب عملائها من سوريا واليمن  وغيرهما، بل وتصريحه بأنه سيكون سعيدا بالتفاوض مع إيران..!.

تصريحات ترامب تأتي على هامش تجارب صاروخية إيرانية باليستية تطال الفضاء، وحديث قائد البحرية الإيرانية عن تحرك قطع بحرية عسكرية إيرانية لجهة المحيط الأطلسي لتكون بالقرب من أمريكا.

عن أي تغيير يتحدث ترامب؟.. لا أحد يعلم، ولا في داخل إدارته التي باتت مرتبكة ومضطربة.

ثمار الحصاد لعامين من حقل ترامب لا تبشر بأي خير في العامين القادمين، بل تنذر بمخاوف جسيمه وارتباكات أشد هولا، مع الأخذ في عين الاعتبار اننا لم نتحدث عن خطيئة امريكا الكبرى في الشرق الأوسط تجاه فلسطين والشعب الفلسطيني.. وللحديث مقام آخر قادم بإذن الله.