إميل أمين يكتب: ترامب وزوكربيرغ.. عشاء سري في البيت الأبيض

 

 خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي جرت المقادير بحادث مثير، فقد استضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الرئيس التنفيذي مؤسس شركة “فيسبوك” مارك زوكربيرغ، لتناول “عشاء سري” في البيت الأبيض حسبما  أشارت شبكة الأخبار الأمريكية “إن بي سي نيوز”.

هل من المثير أن يلتقي الرئيس الأمريكي أي رئيس أو أحد كبار الرؤساء التنفيذيين لإحدى الشركات الأمريكية العملاقة، كأن يلتقي رئيس شركة جنرال موتورز على سبيل المثال؟

الجواب في واقع الحال هو أنه من الطبيعي أن تجري تلك اللقاءات، وإن كانت تبين إلى أي حد ومد تبقى عملية صناعة القرار الأمريكي في جزء غالب منها خاضعة لتوجهات وأهواء أصحاب رؤوس الأموال الكبرى، الأمر الذي يختصم من فكرة الديمقراطية البواح التي يتحدث عنها البعض في الداخل الأمريكي، ذلك أنه يبقى من الطبيعي أن من يدفع للزمار هو من يحدد اللحن، ولهذا قال الكثيرون من الأمريكيين إن الديمقراطية الأمريكية باتت معروضة على الأرصفة للبيع، وهذا ما يحدث بالفعل حين يتبرع الكبار بأموال وفيرة لتمويل الحملات الانتخابية الأمريكية من عند أصغر عمودية  قرية إلى منصب الرئيس مرورا بإنتخابات الكونجرس عينه.

المثير هنا هو نوعية الضيف وشركته، فمارك زوكربيرغ ليس رئيسًا تنفيذيًا عاديًا لشركة أمريكية تقليدية، بل هو صاحب أكبر شبكة بشرية تاريخية  قادرة على التأثير في توجيه الرأي العام، وقد كان السؤال المطروح في الداخل الأمريكي العام الماضي كالتالي: “هل سيختار الفيسبوك الرئيس الأمريكي القادم”؟

المتحدث باسم الفيسبوك لم يتطرق إلى السبب وراء عدم الإعلان عن الاجتماع في حينه، أو القضايا التي ناقشها ترامب مع زوكربيرغ، وتفاصيل الاجتماع الذي شارك فيه “بيتر تيل” عضو مجلس إدارة الشركة.

الأكثر إثارة في المشهد أنه اللقاء الثاني بين ترامب وزوكربيرغ في البيت الأبيض خلال شه، وهي لقاءات تأتي في توقيت تشتد فيه أبعاد أزمة الرئيس ترامب ومحاولات عزله الجارية من قبل مجلس النواب وبقيادة ضارية من نانسي بيلوسي زعيمة الديمقراطيين ودو ترامب الأول والأشرس.

هل هناك ما يريده زوكربيرغ من ترامب ولهذا يسعى إلى لقائه مرتين في شهر واحد؟

يقول بعض المؤمنين بفكر المؤامرة التى تحكم العالم، إن طرائق حياة وتفكير مارك، تدلل علي أنه يسعي لحكم العالم، فهو يهودي الأصل، ما يعني انفتاحه على جماعات الضغط اليهودية حول العالم، ودورها المؤثر في حكم العالم من موسكو إلي واشنطن، ومن تل أبيب إلي بكين، ثم هو أمريكي الجنسية، ما يعني أنه بالمواطنة ينتمي للدولة الامبراطورية التى تحتل المركز الأول عالميا بمعايير القوة والمنعة، ثم هاهو يختار زوجة صينية، وكأنه بذلك يقوم باختيار أنسباء له من الصين القطب القادم حول العالم.. هنا السؤال: هل مارك في حاجة إذن إلي منصب الرئيس أم أن ما يتوافر له في الحال، والأجوبة التى سيتلقاها عن رؤيته للمجتمع العالمي في الإستقبال، تجعل منه حاكما فعليا للعالم وأقوي من أي رئيس أمريكي عبر التاريخ؟

الشاهد أنه إذا ما أخذنا في الاعتبار الانتشار الواسع لموقع الفيس بوك، بما يحتويه من 2 مليار مستخدم حول العالم، فإن منصب الرئيس ربما يعد نوعا من الرجوع إلي الخلف، بالنسبة لمارك بطريقة أو بأخري، وقد تساءل “أليكس هيرن” مراسل التكنولوجيا لصحيفة الجارديان البريطانية، في الأراضي الأمريكية بالقول: “ألا تعتبر إدارة موقع الفيس بوك الشهير في القرن الواحد والعشرين، هي نسخة أخرى أو نموذج آخر من الرئاسة في العالم؟

يمكننا إذن أن نطرح السؤال بطريقة عكسية، بمعنى أن نتساءل: هل ترامب هو من يحتاج إلى خدمات زوكربيرغ في هذه الآونة، وما الذي لدى الرجل ليقدمه له؟

تكاد قصة الفيسبوك تتجاوز حدود المقبول والمعقول، والبعض الآخر من الأمريكيين لا سيما من أنصار اليمين المغالي في تشدده  الديني يؤمن بأن الفيسبوك هذا هو التجلي العصري لوحش الرؤيا، وهذا هو إيمان نحو أكثر من ثمانين مليون أمريكي إنجيلي بروتستانتي.

ولعل ما كشفت عنه إدارة الفيسبوك في يونيو/ حزيران الماضي يؤكد أن مارك وشركته يتحولان بالفعل إلى قوة مهيمنة أممية بشكل مخيف، فقد أشارت الإدارة إلى خطة طموحة لإصدار عملة رقمية ونظام مالي جديد لتحويل الطريقة التي يتحرك بها المال في جميع أنحاء العالم، وليس في تطبيقاته الخاصة، أي أن زوكربيرغ يخطط لما بعد نظام “بريتون وودز” الذي نظم السياسات المالية العالمية بعد الحرب العالمية الثانية والفاعل بقوة حتى الساعة.

مارك إذن يسعى إلى جعل العالم على أطراف أصابعه ماليا، فما الذي يحتاجه السياسيون مثل ترامب منه؟

الشاهد أن الفيسبوك أضحى المنصة القادرة على خلق إعلام بأجواء الصيف أو الشتاء، أي أنه قادر على إشعال أوار المعارك المحتدمة، وهو بنفس القدر لديه المقدرة على إخمادها لتضحى الأجواء باردة شتوية.

يمكن للفيسبوك وإدارة المحتوى فيه أن يوجه دفة الأحداث لصالح مرشح أمريكي معين، ويمكنه كذلك فتح أبوابه لتسريب معلومات تضر أيما ضرر بمرشح آخر وتسحق وتمحق حظوظه في الفوز بأية رئاسة ممكنة.

هنا يعن لنا أن نتساءل: هل كان زوكربيرغ يستبق الأحداث الشهر الماضي، حين مضى إلى جامعة جورج تاون الكاثوليكية الأمريكية ذات المصداقية والموثوقية الكبيرة، وألقى هناك خطابًا أشار فيه بالتفصيل الى التزام شركته بحرية التعبير، كنوع من الفعل الاستباقي؟

مهما يكن من أمر ما دار بين زوكربيرغ وترامب في العشاء السري، فإنه لن يخرج عن حدود التعاون بين الجانبين في الانتخابات الرئاسية القادمة في 2020، وهناك حاجة لترامب واضحة جدا في مساندة الفيسبوك له وهو الذي يطال أعدادا لا تصل إليها أية وسيلة إعلام أمريكية مسموعة أو مقرؤة أو متلفزة بحال من الأحوال.

لم يكن ترامب صديقا للإعلام الأمريكي وهناك مواجهات عدة وصعبة جرت  بها المقادير في الأعوام الثلاثة التي قضاها في البيت الأبيض، وهناك ما هو متوقع في الأسابيع القادمة وربما يكون أسوأ من حيث الهجوم، ولهذا قد يكون الفيسبوك لترامب بمثابة حصان طروادة الذي يمكنه من الولوج إلى عمق المجتمع الأمريكي ومحاولة تبييض صفحات ولايته الأولى، والانطلاق منها  إلى الثانية.

هل هي إرهاصات اختيار الفيسبوك للرئيس الأمريكي؟.. قد يكون ذلك كذلك قولا وفعلا، وما لقاء ترامب – زوكربيرغ الأخير إلا بداية المسار والمساق.