إميل أمين يكتب: صحوة أمريكية ضد الأوهام القطرية

ذات مرة كتب الفيلسوف الراحل البلغاري الأصل الفرنسي الجنسية ” تزيفتان تيدوروف ” يقول ” لا أحد يحتل وينجو ببراءة “، واليوم يكاد حديث تيدوروف ينطبق على قطر، تلك التي تدير وتدبر كثير من الشرور إقليميا وعالميا ، ويخيل إليها أن أحدا لن يتنبه لما تقوم به، أو أنه يتعين عليها أن تعطي حساب وكالتها.

المتابع للشأن الدولي منذ تسعينات القرن الماضي، يدرك أن إشكالية قطر الرئيسة هي الدونية، والشعور بصغر الحجم، وضآلة الحضور الجغرافي والديموغرافي، في منطقتها وحول العالم، ولهذا فقد عمدت إلى تعويض هذا النقص بلعب أدوار تتجاوز مقدراتها الطبيعية، مرتكزة على ما يتوافر لها من الدولارات الساخنة، وتنسى أو تتناسى أن الولاءات لا يتم شراؤها، كما أن هناك حدودا لا يمكن للمال أن يتجاوزها.

عدة مشاهد جرت بها المقادير في الأسابيع القليلة المنصرمة تبين لنا أن قطر تعيش مأزق حقيقي وعميق، بعد أن بدات دوائر أمنية وإعلامية المطالبة بمعاقبة الإمارة الصغيرة التي تتسابق مع ضفدع لافونتين الشاعر الفرنسي الكبير، ذاك الذي هيأت له الأوهام أنه قادر على الانتفاخ ليصل إلى حجم الثور، وما كان من أمره في نهاية المشهد سوى أن انفجر وضاع.

تتوهم قطر أنها قادرة على الهرب من العدالة، وهذا ما لن يحدث، واليوم يدور الحديث في الداخل الأمريكي عن محاولات قطر الالتفاف حول القوانين المحلية للتهرب من تبعات الأعمال السيئة التي ترتكبها.

تملأ قضية خالد بن حمد الشقيق الأصغر لأمير قطر الحالي وسائل الإعلام بعد الاتهامات الموجهة إليه بالتحريض ضد بعض الذين كانوا يعملون طرفه، وكيف أنه تم تهريبه خارج البلاد على الرغم من مذكرات توقيفه ، ما يطرح علامات استفهام حول عدم احترام قطر للقوانين المحلية ، فقد جرى ذلك بالتنسيق مع الهيئات الدبلوماسية القطرية على الأراضي الأمريكية.

تكتب الباحثة الأمريكية ” إرييل ديفيدسون ” عبر موقع ” فيدراليست ” الأمريكي الشهير متساءلة “هل يمكن محاسبة النظام القطري على أخطاء ارتكبها ضد مواطنين أمريكيين ؟ وفي الجواب نصيحة مبطنه وخطيرة موجهة للأمريكيين قطعا وفيها “إذا كنت من الذين يفكرون في أعمال تجارية مع قطر، وخاصة مع المقربين من النظام فيها، عليك أن تفكر مرتين ، لافتة إلى عقبات تحول دون الحصول على الحقوق عن طريق القضاء، إذا كان الأمر يتعلق بالمطالبة بمستحقات، أو تعويضات من أمير، أو من أفراد الأسرة الحاكمة.

يخيل لقطر أنه بإمكانها أن تضحى فوق القانون الأمريكي ، ولا تدري أن الأنظمة الديمقراطية تحاسب من يقبع في أعلى الهرم الهيراركي في البلاد ، وأن الرؤى الشمولية لا محل لها في داخل دولة مثل أمريكا ، تلك التي أجبرت رئيسا سابقا على الاستقالة حين خالف القانون ” نيكسون “، ولولا العفو الذي أصدره في حقه الرئيس التالي جيرالد فورد ، لربما كان السجن مصيره .

الأوهام القطرية عينها هي التي خيلت للقطريين أنه يمكن لهم شراء العقول الأمريكية الأكاديمية واختراق المؤسسات التعليمية العريقة ، والهدف الواضح ولو على المدى الطويل هو تجنيد عقول أمريكية سيكون لها شأن مستقبلي ضمن خدمة المشروع القطري التمددي وأغراضه غير البريئة، غير أن هذا لن يحدث بحال من الأحوال وإن طال صبر الأمريكيين.

خذ إليك ما أشارت إليه صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية الأيام القليلة الماضية في تقرير لها من أن تحقيقات معمقة انطلقت من وزارة التعليم الأمريكية ، تلك التي شرعت في اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجامعات التي فشلت في الكشف عن التبرعات المالية والعقود المقدمة من كيانات وحكومات أجنبية ، لضمان عدم ارتباطها بالإرهاب ، وفي مقدمة تلك الحكومات قطر والصين.

على قمة المؤسسات القطرية التي لعبت دور الخنجر في الخاصرة التعليمية الأمريكية، جاءت ” مؤسسة قطر للتربية والعلوم والتنمية “، تلك التي تقوم بشراء الذمم المالية لكبار الأكاديميين الأمريكيين ، ففي يونيو حزيران الماضي كشفت وكالة ” اسوشيتدبرس” الأمريكية أن تلك المؤسسة قدمت في عام 2018 نحو 33 مليون دولار إلى واحدة من أعرق الجامعات الأمريكية “جورج تاون “، كما قدمت بالفترة ذاتها أكثر من 6 مليون دولار إلى جامعة تكساس إيه آند إم… والسؤال لماذا؟ باختصار غير مخل إنها الجامعات التي عادة ما تتخرج منها النخبة الأمريكية والتي ستضحى عما قريب العقول المدبرة والمفكرة للولايات المتحدة الأمريكية، وهي بهذا لا تختلف كثيرا عن الصين التي تسعى بدورها لتجنيد العقول وتركها نائمة لعشرات السنين إلى حين تشغيلها ، بمعنى أنها ترتكن إلى مبدأ الجاسوسية في العلاقات الدولية.

أوهام قطر تتكشف للأمريكيين الذين أدركوا أن الدوحة لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون الناصح الأمين للأمريكيين ، الأمر الذي تبدى في انسحاب واشنطن من المحادثات مع طالبان، تلك التي آوت ولا تزال أحد أخطر التنظيمات الإرهابية في التاريخ المعاصر، تنظيم القاعدة الذي سيظل باقيا في أذهان الأمريكيين لقرون طويلة قادمة.

مؤخرا كتب ” ييجال كارمون “، رئيس ومؤسس معهد أبحاث وسائل الإعلام في الشرق الأوسط متساءلا :” هل في تاريخ قطر ما يجعل ترامب يطمئن بشأن نصائحها للتصالح مع طالبان ، ذلك الفصيل الإرهابي الذي لا ينفك يهدد القوات الأمريكية في الداخل الأفغاني، ويتوعد عموم الأمريكيين حول العالم؟ يرى الرجل أن نصائح قطر للجانب الأمريكي بالانسحاب من أفغانستان أمر بمثابة الحض والدفع في طريق التدمير الذاتي، لا سيما وأن الدوحة تدعم تنظيما إرهابيا كبيرا هو تنظيم الإخوان، وتستضيف محرضهم الرئيسي على الإرهاب يوسف القرضاوي على أراضيها ، وما القاعدة وطالبان إلا أفرع للإخوان المسلمين .

أكثر من ذلك يرى ” ييجال ” أن قطر تدعم حكومات إسلامية معادية لأمريكا مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتمارس أنواعا من الشر المجاني في الشرق الأوسط كما الحال مع دعم التيارات الإرهابية في ليبيا، وشق الصف الليبي ولهذا تتعذر المصالحة .

والشاهد أنه حين يحل شهر سبتمبر/أيلول، فإنه يصبح من الطبيعي أن يعيد الأمريكيين قراءة الأوراق المتعلقة بدعم قطر للقاعدة ورجالاتها منذ تسعينات القرن الماضي، وهذا ما لفت إليه ” ريتشارد كلارك ” المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب في إدارتي كلينتون وبوش ، والذي أشار إلى أن أمير قطر السابق ، والد الأمير الحالي ، قد انتزع شخصيا من الأمريكيين إرهابيا كبيرا يدعى خالد شيخ محمد، والذي كان قد خطط لهجمات إرهابية ضد أمريكا، وهربه خارج قطر ليمنع الأمريكيين من اعتقاله، وبهذا مكنه من التخطيط لهجمات 11 سبتمبر بعد بضع سنوات .

ولعل الاستنتاج الطبيعي الذي يخلص إليه الأمريكيين اليوم هو أن التاريخ كان يمكن أن يتغير وأن أكبر كارثة بشرية عرفتها أمريكا ما كان لها أن تحدث لو سلم القطريون للأمريكيين الرجل القابع الأن في السجون الأمريكية ينتظر حكم الإعدام.

مرة أخرى…لا أحد يحتل وينجو ببراءة .. إنه وقت تقديم حساب الوكالة القطرية للأمة الأمريكية.