إميل أمين يكتب: صفقة القرن.. تأجيل أم إلغاء؟

59

 

ما هو مصير صفقة القرن التي ملأت التكهنات بشأنها الأجواء والأرجاء مع مجئ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض؟

خلال الأسبوع قبل الأخير من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي عقد الرئيس ترامب إجتماعاً حاسماً مع كبار مستشاريه للأمن القومي والسياسة الخارجية، من أجل مناقشة كل تفاصيل خطة البيت الأبيض للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبحسب موقع “أكسيوس” الأمريكي، فإن الخطة جاهزة، وإن كان بعض المسؤولين الأمريكيين قد أشاروا إلى أن الإدارة مترددة في الإعلان عنها في شهر فبراير/ شباط القادم بسبب إنشغال حكومة نتانياهو في أزمتها الداخلية.

ولعل السؤال الجوهري هنا: هل المسألة مجرد تأجيل إطلاق رسمي للصفقة، أم أن هناك عقبات جوهرية أمامها، سيما من الجانب الإسرائيلي؟.. فيما السؤال الذي لا يقل أهمية يتصل بالقاعدة العريضة التي تدعم الرئيس ترامب، والمعروفة بعلاقتها العضوية مع إسرائيل.. وهل هي متقبلة بدورها وراضية كل الرضا عن صفقة ترامب أم لا؟

لنبدأ من عند مسألة التأجيل أولاً، ففي 26 نوفمبر الماضي نفى السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، أن تكون الإدارة الأمريكية تدرس تأجيل نشر إقتراحها للسلام الذي طال إنتظاره، وقال إنه سيتم نشر الخطة عندما تكون لديها أفضل فرصة للنجاح.

نفي فريدمان في واقع الحال أثار من الشكوك ما هو أكثر بكثير مما حاول إشاعته من الطمأنينة، وإلا فما معنى قوله “فرصة أفضل للنجاح”.

عزز من الشكوك حول مستقبل الصفقة الموعودة، ما كانت قد أشارت إليه في 18 نوفمبر الماضي القناة العاشرة الإسرائيلية، والتي نقلت بدورها عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن ترامب يود أن تعرض الخطة في شهر فبراير، ولكن مستشاريه يفضلون اتباع نهج أكثر حذراً في ضوء الأزمة السياسية التي تعصف بإسرائيل.

حتى الساعة الجميع يتحدث عن توقعات، وسيناريوهات إستباقية، ولا توجد معلومات صحيحة ومؤكدة بنسبة مائة في المائة حول تلك الصفقة، والتي يحلم ترامب من خلالها، بالدخول إلى عالم القياصرة الحقيقيين في التاريخ الأمريكي، أي أولئك الذين قدر لهم تحقيق إنجازات غير مسبوقة سواء في الداخل أو الخارج، غير أن السؤال يبقى: هل لدى الجانب الإسرائيلي إيمان مطلق بجدوى تلك الصفقة؟

ليس سراً أن الجانب الفلسطيني رافض من حيث المبدأ لأي دور أمريكي في صفقات سلام جديدة، ففي تقدير القيادة الفلسطينية، وغالبية إن لم يكن كافة حكومات الدول العربية، لا يمكن أن يكون ترامب وسيطاً نزيهاً ومحايداً بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني معاً، سيما وأنه الرجل الذي أقدم على إتخاذ قرارات مصيرية لم يقدم عليها رئيس أمريكي سابق، وبخاصة الإعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

يذهب الفلسطينيون، ولهم في الحق ألف حق إلى أن القدس ليست قضية سياسية نسبية، وعليه فإنه يمكن التفاوض من حولها، ويصلح فيها ومن حولها الشد والجذب، فهي بالنسبة لهم، والأمر عينه لسائر الشعوب العربية والإسلامية يتجاوز ذلك بكثير، إنها إشكالية دوجمائية، لما تمثله المدينة من قدسية دينية خاصة لعموم الفلسطينيين بمسيحييهم ومسلميهم، وما أقدم عليه ترامب هو وضع العربة أمام الحصان دفعة واحدة، وعليه تبقى عملية السلام تحصيل حاصل لرؤية ساكن البيت، وبمنظور يتسق فقط مع رؤاه البراجماتية الأمريكية التقليدية المعهودة ….

هل كان هذا المفهوم هو السبب وراء تصريح وزيرة العدل الإسرائيلية “إبيليت شاكيد”، والذي أشارت فيه إلى أن خطة ترامب للسلام “مضيعة للوقت”؟

شاكيد في مقابلة على منصة مؤتمر دبلوماسي نظمته صحيفة “جيروزاليم بوست” في 21 نوفمبر الماضي صرحت بالقول: “أعتقد أن الفجوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين أكبر من أن يتم سدها”، وأضافت: “أنا أعتقد شخصياً أنها مضيعة للوقت، على الرغم من أنني أرغب بالسلام مثل أي شخص آخر، أعتقد أنني أكثر واقعية، وأنا أدرك أنه في المستقبل الحالي هذا مستحيل”.

هل كانت الوزيرة الإسرائيلية أكثر صدقاً من أي أحد آخر في حكومة نتانياهو؟

أغلب الظن أنها كذلك، سيما وأنها تدرك في قرارة نفسها أن إسرائيل لا تسعى لسلام حقيقي، سيما وهي تخطط لإقامة حي أصولي جديد على أجزاء واسعة من غابة القدس، والحي مخطط لتوسيع حي “هارنوف” الذي من شأنه أن يضم 2300 وحدة سكنية على مساحة 648 دونما.

وبحسب وثيقة نشرتها سلطة أراضي إسرائيل في الأسبوع الماضي، فإن هذه الخطة تهدف إلى “زيادة إحتياطي الوحدات السكنية لصالح السكان الأصوليين في القدس” …. ما معنى هذا الكلام؟

بإختصار غير مخل: الأصوليون اليهود هم الفئة الأكثر تشدداً وتمسكاً بالمفاهيم التوراتية فيما يخص دولة إسرائيل، ويقينهم الثابت الذي لا يتزعزع ولا يتغير هو أن حدود دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل، وعليه فإنهم لا يتقبلون في الحال أو الاستقبال أي حديث عن تنازل عن أراضي، حتى ولو تم الإستيلاء عليها من دون أي وجه حق.

ولعل الكارثة الأشد هولا تتصل بالجناح الأكثر تطرفاً بين هؤلاء الأصوليين، من نوعية جماعة “لهفاه”، والتي باتت تمثل المكافئ الموضوعي للجماعات الجهادية الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، وتنادي “لهفاه” بأن تتوقف إسرائيل عن فكرة الدولة الديمقراطية، وأن توقف العمل بالقوانين الوضعية، وتستعيض عنها بالشرائع التوراتية، أي أنها تحلم بدولة بني إسرائيل، ومملكة سليمان، وهنا يتساءل المراقب: “هل من أرضية ذهنية مهيأة بالفعل لسلام في الداخل الإسرائيلي؟”.

قرار التأجيل أو الإلغاء بالمرة فيما خص الصفقة المزعومة ربما يرتبط أيضاً بالداخل الأمريكي، وتوجهات الرأي العام الأمريكي لا سيما الجماعات اليمينية التي قادت الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض … ماذا يعني ذلك؟

بإختصار غير مخل أيضاً نقول أن هناك علاقة عضوية معروفة للقاصي والداني بين الداعمين للدولة الإسرائيلية في الدخل الأمريكي، وبين الدولة العبرية ذاتها، والداعمين ليسوا يهوداً خُلص، بل قطاع عريض منهم من الانجيليين الأمريكيين الذين يشكلون نحو 25% من سكان الولايات المتحدة، ويحظون بنفوذ واسع داخل البلاد، كما أن أي قرار يتخذونه على المستوى السياسي بإمكانه أن يؤثر على ملايين الناخبين في الولايات المتحدة، الأمر الذي يمنحهم القوة والنفوذ السياسي في الداخل الأمريكي …. ما هو موقف هؤلاء من صفقة القرن ومن رؤى ترامب للسلام المرتقب بين الجانبين؟

الشاهد أنه منذ صعود ترامب إلى الحكم قبل أكثر من عامين، يرحب الإنجيليون باستمرار بالخطوات الأمريكية الداعمة لإسرائيل، ويرون بأنها “صادقة ومتكاملة”.

إلا أن الفريق اليميني الأصولي الأمريكي عينه، ربما بات على مفترق طرق من “صفقة ترامب”، وخصوصاً إذا ما تضمنت الصفقة مطالبة إسرائيل بتقديم تنازلات، الأمر الذي يثير نقاشاً واسعاً في صفوف الإنجيليين الأمريكيين، وقد يدفعهم إلى إنتقاد تلك المبادرة، وخصوصاً إذا ما لاقت الخطة الأمريكية معارضة إسرائيلية.

كارثية هذا التيار الشعبي الأمريكي أنه يرفض وبشكل مطلق قيام إسرائيل بتقديم أي تنازلات للفلسطينيين من منطلقات دينية، لأنهم يؤمنون بأحقية إسرائيل في السيطرة  على الأراضي الفلسطينية، ويمنع على إسرائيل تقديم أي تنازل.

 

صفقة القرن تحتاج لإقناع الداخل الأمريكي بداية بأنها لصالح إسرائيل، ويهود إسرائيل، ولتوفير السلام لهم ولإتاحة الفرصة لخلق مسارات حياة طبيعية بينهم وبين جيرانهم من العرب والمسلمين، هذا الاقناع وحده هو من سيخول ترامب الضغط على نتانياهو، وبدون رؤية عقلانية مثل هذه، سيتراجع ترامب ولا شك عن طرح الصفقة لسبب أو لآخر، ولتذهب أحلام السلام أدراج الرياح إلى حين إشعار آخر.