إميل أمين يكتب: عن أمريكا وتسونامي الإخوان القادم

 

 

بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، كان من الطبيعي أن يتساءل أي مراقب أو متابع للشأن الأمريكي: هل بات الإعتراف بالإخوان المسلمين منظمة إرهابية أيضا قريبا جدا؟.

من الواضح أننا أمام رئيس أمريكي لا يصد ولا يرد، يقول ما يعد به، وقد أعلن قبل دخوله البيت الأبيض عداوته الواضحة لجماعات الإسلام السياسي، وكل الذين يتدثرون بأردية الأديان وأثواب الإيمان، في طريقهم لإخفاء مشروعهم السياسي.

السؤال: هل ينظر ساكن البيت الأبيض للإخوان والحرس الثوري نفس النظرة؟.. وإن كان قد فعلها مع الإيرانيين فهل سيقدم على الأمر ذاته مع الإخوان المسلمين؟.

من المؤكد أن هناك صلة عضوية ما بين الإخوان والإيرانيين، ليس هنا مجال الحديث عنها، لكن بإختصار غير مخل نشير إلى أن لقاءًا جمع الخوميني مع حسن البنا في وقت مبكر من النصف الأول من القرن العشرين، ولهذا عمد الإخوان ولايزالوا إلى توطيد علاقاتهم بطهران.

الأمريكيون في واقع الحال يدركون هذا المشهد إدراكا جيدا، ولعل سبب الرغبة الأخيرة لديهم بوضع الإخوان المسلمين على قائمة الإرهاب، هو أن مؤسسات الإخوان المالية مرتبطة بحبل سري مع إيران ماليا، وإن لم يكن ذلك بطريق مباشر، بل عبر طريق ملتف وملتوي من خلال الإقتصاد القطري تارة، والتركي تارة أخرى.

هل يقودنا تفكير الإدارة الأمريكية الأخير إلى خلاصة بعينها؟.

بلا شك يمكن للمرء أن يخلص إلى أن الأمريكيين لم يعودوا يفرقون بين الإسلام السياسي السني أو الإسلام السياسي الشيعي، كلاهما وجهان لعملة واحدة، والعلاقة بينهما تكافلية وجودية، ولهذا لم يكن مفاجئا أن يتزامن شأن الإخوان مع قرارات إنهاء الإعفاءات الخاصة بتصدير النفط بالنسبة للإيرانيين.

عدة أسئلة تواجه القارئ تجاه الرؤية الأمريكية المتوقعة للإخوان، وفي مقدمتها: ماذا يعني إعتبار الإخوان المسلمين منظمة إرهابية؟.

بداية يمكن القول: إن قرارَا أمريكيا رسميا في هذا الإطار يعني أن الجماعة ستكون هدفا للعقوبات والقيود الأمريكية  فورا، بما في ذلك حظر السفر، وغيره من القيود على النشاط الإقتصادي.

تصنيف الجماعة إرهابية كما فعلت دول عديدة حول العالم يعني تجريم قيام الأمريكيين أفرادا أو جماعات بتقديم أي تمويل للجماعة، كما يحظر على البنوك أية معاملات مالية تتصل بكياناتها حول العالم، فضلا عن منع من يرتبطون بالإخوان من دخول الولايات المتحدة، وتسهيل ترحيل مهاجرين عملوا أو يعملون لصالحها.

وفي واقع الأمر فإن الجماعة المصنفة إرهابية بالفعل في دول مثل مصر وسوريا والإمارات العربية المتحدة وروسيا، ستجد في القرار المرتقب تسونامي يمثل ضربة موجعة، وبشكل يفوق أية عقبات واجهتها في السنوات الماضية، إنطلاقا من أن الولايات المتحدة لا تزال في منصب رئيس مجلس إدارة كوكب الأرض، والنافذة رؤيتها شرقا وغربا، كما أن قرارا على هذا النحو يعني أن الدور التاريخي المالي والإقتصادي للجماعة سوف يتأثر بشكل غير مسبوق، وبصورة تفت في عضد الجماعة وتؤدي إلى  تضعضع أركانها.

السؤال التالي وربما الأهم: هل يمكن لترامب بالفعل إتخاذ مثل هذا القرار أم أن هناك صعوبات في الطريق يمكنها أن تعيقه؟.

الشاهد أن علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بجماعات الإسلام السياسي المتعددة أشكالها وأنواعها وإن اتفقت في الوحدة والجوهر، قديمة تعود إلى زمن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، وربما قبله، وقد طفت إلى  السطح وقت تصاعد طرح “لاهوت الإحتواء” للأخوين دالاس، وكان المراد هو تسخير قوى الإسلام والمسلمين لمواجهة وحصار الإتحاد السوفيتي، ووقف الزحف الشيوعي ناحية العالمين العربي والإسلامي.

من هذا التوقيت تعمقت العلاقة بين الطرفين، وقد إزدادت العروة الوثقى بين الجانبين بعد الإحتلال السوفيتي لأفغانستان، وقيام الولايات المتحدة بدعم من كانت تطلق عليهم اسم “المقاتلين الأحرار” من جماعة طالبان، الذين تحولوا لاحقا إلى إرهابيين في نظرها.

منذ ذلك الوقت استطاعت رموز الجماعة وتحت مسميات مختلفة، منها العمل الأهلي، ومنها ما هو إقتصادي في شكل شركات وجماعات مالية، واستغلالا  لأجواء الديمقراطية، تحقيق مكاسب عديدة وتمكين أنفسهم من مفاصل قوية داخل إدارات أمريكية متعاقبة.

وربما لم ينجح الإخوان في الولايات المتحدة نجاحات صاروخية في تاريخ أي إدارة، مثلما نجحوا في ذلك في زمن إدارة باراك أوباما، والذي سوف تكشف الأيام عن خطورة ووعورة الدور الذي قام به في خدمة مشروعات الإسلام السياسي في العالم العربي والشرق الأوسط، ناهيك عن إيران ذاتها.

في هذا الإطار يمكن للمرء أن يتفهم وجود بقايا من أتباع أوباما وهيلاري كلينتون، سواء في وزارة الخارجية الأمريكية أو في الحزب الديمقراطي، بل الحقيقة هي أن كثيرا من هؤلاء ملوث بأموال الجماعة، سواء أكان التمويل بصورة مباشرة، أو من خلال طرق ملتوية، تأتي الأموال القطرية في أولها، وربما لهذا يخشى هؤلاء وأولئك من افتضاح أمرهم على الملأ حال وافقوا  على مثل هذا القرار.

الأمر الآخر الذي يشكل عقبة بالنسبة للقرار المتوقع، يتمثل في جزء من البيروقراطية داخل إدارة ترامب لأسباب مختلفة، من بينها صعوبة تصنيف هذا التنظيم إرهابيا، كونه متشعبا ودوليا، فجزء منه منغمس في أعمال جهادية، وهذا أمر من اليسير إثباته، وأجزاء أخرى لها أدوار سياسية بعضها علني، وعليه سيكون من الصعب التفريق.

تقول صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية إن هناك فكرة طرحت داخل الإدارة الأمريكية حول تصنيف الفرع المصري فقط من الجماعة لتجنب حدوث مشاكل دبلوماسية مع دول أخرى قد لا تكون فيها الجماعة مصنفة إرهابية.

لكن مثل هذا الحل سيكون أعرجَا، فالجماعة لديها خبرة تاريخية في تغيير مواقعها ومواضعها حول العالم، وهذا ما حدث في مصر في ستينات القرن المنصرم، حيث لجأت الى  حاضنات لأفرادها، ومنها حافظوا على كيانهم حتى الساعة.

ما الذي يمكن أن يساعد على التسريع بمثل هذا القرار؟.

من جديد إنه الإعلام، والكرة في ملعب الدول العربية أفرادا وجماعات، هولاء الذين تقع عليهم مسؤولية كشف أوراق هذه الجماعة طوال تاريخها، وصولا إلى العنف الدموي الذي مارسته في السنوات الأخيرة، وعلاقاتها  ببقية المؤسسات ذات الطابع الإرهابي، ومدى تأثير ذلك مستقبلا على أمن وأمان العالم عامة وأمريكا خاصة.

إدارة ترامب إزاء اختبار عميق.. ترى هل ستنجح في إجتيازه أم أن وثاقات الماضي وأبعاد الدولة الأمريكية العميقة والخفية ستجعل من الأمر حلما بعيد المنال؟.