إميل أمين يكتب: عن صورة المسلمين في عيون الآخرين

 

ما الذي جرى لصورة المسلم والمسلمين في عيون الآخرين؟.. والآخرون هنا لا نقصد بهم دوائر الحضارة الغربية، والتي جرت العادة أن تحصر المقاربات الفكرية بين العرب وبينهم، ذلك أن هناك دوائر أخرى كثيرة كالدائرة الآسيوية بما فيها من تجمعات حضارية بوذية وكونفوشيوسية، وكذلك دوائر الحضارات الأفريقية واللاتينية.

والسؤال المتمم: من المسؤول عن تصدير هذه الصورة؟.. وهل العبء كله يقع على عاتق المستشرقين غير الأمناء لمهامهم العلمية، والذين لعبوا دوراً غير موضوعي وغير علمي في تقديم صورة مغلوطة عن المسلم، أم أن مسلمي “أوقاتنا الراهنة” يتحملون بدورهم نصيباً وافراً من المساهمة في تصدير الصورة المشوهة، وتعلية القراءة المعكوسة المخالفة لما يجب أن يكون عليه الأمر؟.

المقطوع به أن قيم ومفاهيم الإسلام الأصلية واضحة وراسخة في وجدان الناس منذ بداية الدعوة، وقد تأسست جميعها على أسس وركائز ثابتة من المحبة والتآلف، الطمأنينة والعدل، المساواة ونصرة الحق، زرع الأمن والأمان في النفوس، صون الأموال والممتلكات والأعراض، إطعام الطعام وإفشاء السلام.

كانت رسالة الإسلام ولا تزال وستظل في أصلها الطيب واضحة لا لبس فيها ولا غموض، غير أن ممارسات البعض عن غير علم أو فقه، دائماً ما تدفع للتشويش وتقود إلى المغالطة، والمحصلة النهائية ولا شك منتج نهائي يسيئ للإسلام ذاته ولصورة المسلم عينه.

أولى مراحل العلاج الناجح لأي داء هي مهارة وشجاعة توصيفه، ومن ثم البحث عن الدواء لدى الطبيب النطاسي، وآفة صورة المسلم اليوم، والذي يتعرض بالفعل لحملات من أعدائه وكارهيه، هي أنه مبتلى من بعض أبنائه، ذلك القسم الذي أخذه الشطط وقاده التطرف بعيدًا فجعل يسيئ بسلوكياته الجامحة الشاردة إلى الإسلام، والإسلام برئ مما يفعل ويسلك.

جاء الإسلام ليحرر العقل من كل أشكال التقليد الأعمى، وأفسح المجال أمام العلم والبحث العلمي إلى أبعد الحدود، ولم يضع قيوداً أو حدوداً أمام طلب المعرفة، غير أن البعض من المحدثين، قد أضروا بصورة الإسلام ضرراً بالغًا، وذلك عندما صوروه معاديا للعلم، ومنافيا للتقدم.

هل أتاك حديث إغلاق قسم النحت في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان منذ بضعة سنوات، لاعتبار ما يجري فيه شرك بالإيمان؟.. وكيف للأوربي والأمريكي القريبين أو المشاطئين جغرافيا، أن ينظرا لنا والحال هكذا؟

في مؤلفة البديع “الإسلام يا ناس” يحلل الكاتب والمفكر المصري “رجائي عطية”، خلفيات هذا المشهد المؤلم، وعنده أن ما أبدعه عباقرة البشرية على مدى العصور، من تماثيل ولوحات وصور وأعمال تشكيلية بلا تجسيد أو اشراك، إبداع فني صرف، لم يقصد به أن يكون أصناماً أو أنصاباً أو صوراً أو تماثيل تعبد، أو أن تكون تكئة أو ذريعة أو وسيلة أو قربانا للشرك بالله عز وجل، وإنما هي إبداعات فنية تستحضر الإيمان بالله ولا تنحيه، وأول ما نلحظه من رد فعل المعجب بشئ من هذه الإبداعات أن يخرج منه تلقائياً لفظ “الله”.

تحدثنا كتب التاريخ  أنه قبل تسعة قرون انتصر الإمام “إبن القيسراني” عالم الحديث الشهير في الإسلام، للموسيقى والغناء، وساق أدلته من واقع السنه الصحيحة والأحاديث المروية في صحيحي البخاري ومسلم، وغيرهما، وما روى في الأثر مما يؤيد أن الإسلام لم يخرج بالموسيقى والغناء من دائرة الإباحة وهي الأصل إلى التحريم، وأن آراء المانعين أو المضيقين أو المحرمين مجروحة، جرت هذه الآراء عندما كان المجتمع الإسلامي قابلا للمعرفة ومحاربا للجهل.

على أن بعداً آخر يتصل بموقف الإسلام من الآخر ساهم بشكل كبير وضار للغاية في إفساد أصل الصورة الحضارية والإنسانية، والتي يتوجب أن تكون عن المسلم في عيون العالم، فالآخر هو غير المسلم، وليس هناك ما يمنع المسلم من التعامل مع غيره من أتباع الديانات والعقائد والمذاهب، فالإختلاف في العقيدة والمذهب، وفي الأصل أو العرق، لا يحول بأي حال دون التعايش مع الآخر ومعاملته بالحسنى، وليس ثمة أبلغ وأوفي بالقصد من الآيه الكريمة “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ” في الدلالة على عمق مبدأ التعايش في مفهوم الإسلام.

غير أن هذا التعايش قد جرحت صورته مؤخراً بطريقة قاتلة من خلال مشاهد القتل والذبح والنحر، ليضحى الإسلام ومن أسف بالغ وصورته في عيون الناس ـ إلا من رحم ربك ـ مرادفاً لقطع الرقاب، وبات المسلمون مفعول العصر، دمويون متوحشون، يتنقلون من موقع إلى آخر، ويحملون للناس الذبح، ونحر الرقاب، بائعو رقيق، يحركهم إلى حيث العنف والقتل رسم كاريكاتوري أحمق، ويقودهم إلى حيث يريد أعداء الإسلام لهم أن يمضوا، من القاعدة في شرق آسيا إلى غرب أمريكا، ومن بوكو حرام في نيجيريا وعمق إفريقيا، إلى داعش في ليبيا، ومن أنصار الله وأنصار السنة وأنصار الشريعة في العراق إلى نظرائهم في سوريا، وبقية العالم العربي.

أين مكمن الخطأ وبيت الداء والسبب الرئيسي لهذا الوباء الفكري الذي انعكس على صورة المسلم، والفشل الذي أصاب عملية الترويج للصورة الحقيقية الزاهية الناصعة للأصل لا للفرع؟

واقع الحال أن هناك كارثة داخلية فكرية بنوية، فقد قنعت الغالبية العظمى من علماء الدين في عالمنا العربي والإسلامي بما لديهم من علم قديم ورثوه عن الأسلاف، وينامون قريري الأعين، يغطون في سبات عميق لا شأن لهم بما يدور في عالم اليوم، يسخرون من دعاة التجديد ويعتبرونهم مارقين خارجين عن جادة الصواب.

هنا نكون أحوج ما نكون للإستماع إلى دعوة الإمام الغزالي “لا خلاص إلا في الإستقلال، والفكاك من العقليات المتحجرة إلى المتحررة، والبعد عن شواطئ الأوهام والخرافات والدجل والشعوذات، نحتاج إلى عقليات تزن كل شئ بميزان العقل، قبل أن تسلم به، فالآفة التي تشد المسلمين إلى التخلف والجهل، تتمثل في التقليد الأعمى وفي مصادر التثقيف السيئة.

هل تترتب على هذه الدعوة قطيعة مع الآخر بدعوى الخوف من محاكاته أو مماهاته؟.

على العكس تمامًا، فقد جعل الفيلسوف العظيم إبن رشد من الإطلاع على ما لدى الآخرين واجبًا شرعيًا، ولكنه أوصانا أن تكون لنا في ذلك نظرة نقدية، تميز بين النافع والضار، وفي ذلك يقول: “ننظر في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منهم موافقًا للحق قبلناه منهم، وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم”.

صورة الإسلام والمسلمين في عيون الغرب والشرق، الشمال والجنوب، هي جرس إنذار، ينبهنا إلى شر أعظم حل بنا، وبوادر لإنهيار المناعة الداخلية للعقلية العربية والإسلامية معاً إن جاز التعبير.

وعليه يبقى هناك تحدٍ قائم وقادم، فإما ولادة جديدة بترميم جهاز المناعة وإكتساب العافية، وإما الذوبان في بطن حيتان حضارية نشطة كما حصل لأمم سبقت في التاريخ ولن نكون بدعة عنهم.

في كتاب “الإسلام رمز الأمل” يحدثنا اللاهوتي السويسري الكاثوليكي الشهير “هانز كونج” عن أمله في أن يصبح المزيد والمزيد من المسلمين مقتنعين بأن الحداثة لا يمكن حدوثها بدون تنوير، وبدون درجة معينة من العلمنة، وهنا لا ينبغي الخلط بينها وبين الدنيوية.

ربما تعطينا رؤية “كنج” لمحة في مرآة معكوسة، لما يتطلع الآخر أن يرانا عليه، أو في أضعف الإيمان، الصورة ـ الدرب التي يمكن أن نتلاقى فيه سوياً، درب يسير في هدى العلوم الحديثة، والتكنولوجيا النافعة، والديمقراطية الخلاقة المسخرة لخدمة عموم الناس، والتلاقح الفكري والثقافي في البناء، والبعد كل البعد عن عصور التوحش والبربرية.

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ” “الأنبياء (105)” وعلى ما يبدو فنحن لم نعد صالحين: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (محمد : 38).