إميل أمين يكتب: فرنسيس.. رجل الإصلاح والحوار

 

تطرح زيارة الحبر الروماني الأعظم البابا فرنسيس إلى دولة الإمارات العربية المتحدة تساؤلات عديدة حول شخص هذا البابا المثير للتفكر والمتابعة، وربما في وسط زخم التغطية والأحاديث المتصلة بالحدث وما حوله يغيب بعد آخر عن ناظري المتابعين للحدث، تسارت حول توجهات البابا الإصلاحية ورؤاه الحوارية، سواء فيما يتعلق بداخل الفاتيكان أو خارجه.

في حوار له مع مجلة “تشيفلتا كاتوليكا” الحضارة الكاثوليكية، في 15 فبراير 2018 أجراه معه الأب “أنطونيو سبادارو”، رئيس التحرير، قال البابا فرنسيس: “إن في الكنيسة، هناك بعض المقاومة التي تأتي من أناس يعتقدون أنهم يمتلكون العقيدة الحقيقية، ويتهمونك بالهرطقة”، وأضاف الحبر الأعظم “أنا أشعر بالأسف لأجل هؤلاء الأشخاص، لكن هذا الشعور لا يوقفني، لأجل سلامتي النفسية”.. هل يمكن للمرء أن يطلق على رغبة فرنسيس في تغيير بعض الأمور في داخل الفاتيكان أنه بابا مصلح وإصلاحي بالمعنى الإيجابي والخلاق، أي الإصلاح الذي يقود إلى مزيد من البناء، لا ذاك الذي تعمل فيه معاول الهدم؟.

بعد تسعة أشهر من جلوسه سعيداً على كرسي مار بطرس، تساءلت وكالة الأنباء الفرنسية الشهيرة “أ. ف .ب”، بالقول: هل فرنسيس وراء عملية الإصلاح في الفاتيكان؟

الشاهد أنه كان وراء علامة الاستفهام المتقدمة قدرة غير عادية للبابا الجديدة على استقطاب جمهور كبير من أوساط غير المؤمنين، ما دعا مجلة “تايم” الأمريكية لأن تختاره “رجل العام” (2013) سيما وأنه عرف كيف يتموضع وسط المواضيع الأساسية المطروحة في زمننا الحاضر، أي الثراء والفقر، النزاهة والعدل، الشفافية ودور المرأة، ويكفي أن حسابه الشخصي على وسيلة الاتصال “تويتر” يتابعه أكثر من عشرة ملايين شخص.

شئ ما ملفت في شخصية البابا فرنسيس، دعا المراقبين من حوله إلى التساؤل: “كيف يتقبل الناس من حوله نفس الآراء، وإن كانت محافظة بشكل سلس وطيب، في حين كانوا يرفضونها إن جاء بها سلفه البابا بندكتوس السادس عشر؟

يبدو في كل الأحوال أن فرنسيس لديه كاريزما خاصة وقدرة متميزة على القيادة والريادة والإصلاح الحقيقي، إلى الحد الذي توقع معه البعض أنه يقود عملية إصلاح موازية لتلك التي سار على دربها الرئيس الروسي ميخائيل جورباتشوف في نهايات القرن العشرين، والتي عرفت بسياسات “البروسترويكا” و “الغلاسونست”.

بدأ فرنسيس إصلاحأ طموحاً وبهدوء شديد للإدارة الفاتيكانية من حوله، فقد أحاط نفسه بداية بمجلس إستشاري مكون من ثمانية كرادلة، وشكل لجاناً حول الأمور المالية لحاضرة الفاتيكان، وقد ازدادت شعبيته بسبب رفضه مظاهر الترف واحتفالات التكريم الدينوية، وتصرفاته الودودة والحنونة التي خلدتها صور جابت الكرة الأرضية، وعباراته القوية حول المغفرة للجميع وعدم إدانة الآخرين.

ويبقى السؤال: “كيف يعمد البابا فرنسيس إلى إصلاح الكنيسة الرومانية الكاثوليكية؟.

يبدو أن الركائز الأساسية، والمفاهيم المحورية لعملية الإصلاح تلك نلمسها في بعض الكلمات مثل “الاهتداء الرعوي”، و”اللامركزية” و “الفرعية”، ما يعني أن إصلاح شؤون الكوريا الرومانية جار في مرونة غير إعتيادية، وذلك فيما يخص الإدارة الجديدة للأقسام الفاتيكانية المعروفة بالمديريات.

ويرمي الإصلاح في كل الأحوال إلى جعل الكوريا الرومانية أكثر إنسجاماً مع مهمتها، أي التعاون مع خدمة خليفة بطرس”، وهنا فإن الإشارة واجبة إلى أن تعدد خلفيات الكرادلة في مجلس البابا الاستشاري يقدم خبرة واسعة لمهمتهم.

يمكن للباحث المتخصص أو القارئ المحقق والمدقق والمتطلع إلى معرفة عمق رؤى فرنسيس الإصلاحية أن يستشف ما يدور في عقل وقلب الرجل ذي الرداء الأبيض، من خلال وثيقة الإرشاد الرسولي المعروفة باسم “إيفانجيلي غواديوم” أو “فرح الانجيل”، وهي أول وثيقة هامة تصدر في عهده، وقد حدد فيها رؤيته لمستقبل الكنيسة الكاثوليكية حول العالم.

في “فرح الإنجيل”، يشدد البابا على أهمية الرسالة الاجتماعية للكنيسة الكاثوليكية، كما ينتقد الظلم الذي يعم حال الاقتصاد العالمي، وهي أولوية في حبريته، ولهذا يقول: إن الشعوب الفقيرة متهمة بالعنف، لكن بدون تقديم فرص متساوية ستجد مختلف أشكال العدائية والخلاف أرضاً خصبة للنمو أو حتى احتمال الانفجار، ويضيف: “طالما لم يتم إلغاء الاقصاء الإجتماعي وعدم المساواة الإجتماعية بين الأمم والشعوب فسيكون من المستحيل استئصال العنف”.

ذات مرة وجه فريق صحيفة “الجارديان البريطانية” الشهيرة سؤالاً إلى “الأب فيدريكو لومباردي” الذي عمل طويلاً في منصب المتحدث الرسمي لحاضرة الفاتيكان، عما يبدو عليه البابا فرنسيس، فأجاب وهو يجلس على كرسيه الدوار قائلا: “إنه بركان، فتلك الديناميكية لا يتوقعها أحد، حتى البابا نفسه، إنه مبدع ولديه العديد من المبادرات”.

نقل فرنسيس الفاتيكان من عالم الروايات والأساطير إلى واقع الإنسان الحي المعاش بآلامه وآماله، همومه وأحلامه، أشواقه وأحزانه، أفراحه ومعاناته، فقد أطلق على سبيل المثال “عام الرحمة المقدس” في كاتدرائية بانغوي بجمهورية إفريقيا الوسطى، وليس من روما، وتلا ذلك استقبال لـ11 مهاجراً سورياً من جزيرة “لسبوس”، ناهيك عن ذكر المؤتمرات الصحفية المفتوحة التي يقيمها، وتنشيط مجلس الأساقفة الذي يعمل على تفويض السلطة إلى الأقاليم، وأيضاً مجلس مستشاري الكاردينال المكلف بإصلاح الإدارة البابوية، وقد وصف لومباردي فرنسيس بـ “الديناميكية” 12 مرة خلال ساعة.

هل يمكن أن يوصف الحبر الأعظم بانه إصلاحي؟

يجيب لومباردي بينما يضم كفي يديه كأنه يحيط بهما مدينة صغيرة: “لنقل إنه أمدنا بقوة دفع كبيرة كي يضعنا على الطريق أليس كذلك؟.. فعندما يتحدث عن “خروج الكنيسة”، فهو يعني بذلك كنيسة ليست قابعة داخل الجدران لتدافع عن نفسها وتحمل مرجعيتها الذاتية”، ويضيف قائلاً: “إن هذا على وجه التحديد هو الشعور الذي أمدنا به، فالكنيسة تسير على الطريق، وبحسب ذلك الشعور الذي ينتابني يمكنني قبول تعريفه بالإصلاحي”.

في كتابه “البابا فرنسيس، المصلح العظيم” لمؤلفه “أوستين إيفريغ يخبرنا أن ثمة ما يمكن تسميته “صراع المصالح” يدور في المكان، ويضيف قائلاً: “إن الأقسام المختلفة لديها إقطاعيتها الخاصة، وهذا هو الأمر الذي يسعى لتغييره”، ففي عهده صارت تسع مديريات، مديرية واحدة، ويصف “إيفريغ” ذلك الأمر بـ “أكبر إعادة تصميم للإدارة البابوية خلال 30 عاماً، والسبب الذي يجعله تغييراً جذرياً يكمن في أن فرنسيس يقدم نموذج الزمالة الذي يسمح للكنيسة المحلية بأن تمتلك تأثيراً أكبر، وتعمل عملية إعادة ترتيب دوائر الفاتيكان على جعل بنيته أكثر تركيزاً وأقل حجماً”.

يلقى الليل بظلاله على المكان خارج نافذة مكتب لومباردي، وفي هذه الأثناء يضيف قائلاً: “بدلاً من السير في حالة لا مبالاة تامة، نشعر أن الكنيسة تتقدم خطوة للتماشى مع الزمن، وقد جعلها فرنسيس أقرب إلى الحاضر، في خضم المعاناة والصعوبات التي تواجه البشرية اليوم”.