إميل أمين يكتب: فلسطين الجديدة وصفقة الأوهام 

 

 بعد أن صدعت الرؤوس طويلا بتعبير أو مصطلح  “صفقة القرن”.. ها نحن على عتبات تسمية جديدة  للقضية التي طال أمدها. إننا  الآن إزاء “فلسطين الجديدة “، تلك التي يمكن للمرء أن يستشف معالمها الجغرافية وملامحها البشرية، من خلال البنود التي سربتها صحيفة “إسرائيل اليوم” المقربة من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي ” بنيامين نتانياهو”. وكانت الصحيفة عينها قد أجرت مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة مقابلات  صحفية سابقة.

والشاهد أنه حال وضعنا النقاط المسربة جنبا إلى جنب، فإن خارطة جديدة  لدولة هلامية ستتكشف لنا في التو واللحظة، خارطة لا علاقة لها بفلسطين التاريخية، ولا بقرار التقسيم الأممي، أو القرارات التي تليه لا سيما القرار الشهير 242، والذي يلزم دولة الاحتلال بالانسحاب من الأراضي التي إحتلتها في يوينو حزيران من عام 1967.

تكاد الرؤى الأبوكريفية المنحولة لإدارة ترامب، وعبر رأس حربة يمثلها  صهره “جاريد كوشنر” أن تخلق وعيا مغايرا لحقيقة القضية الفلسطينية، بمعنى أنها تكاد أن تفرغها من جوهرها كأرض سليبة لشعب عاش عليها آلاف السنين، وتعرضت لاغتصاب وتاليا  لاحتلال، وها هو اليوم ساكن البيت الأبيض يحاول محوها من الذاكرة المعاصرة، والتعاطي معها بوصفها إشكالية مالية أو اقتصادية، يمكن حلها عبر حفنة دولارات من اليمين أو اليسار،  وسواء من العرب أو من العجم.

يتزايد الصخب وتزداد الجلبة من حول فلسطين الجديدة، والصفقة سيئة السمعة الموعودة، وقد مهد ترامب للمشهد عبر عدة قرارات للأسوأ الذي لم يأت بعد، سواء كان الأمر متصلا بقراره الإعتراف بالقدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، من ثم نقل السفارة الأمريكية إليها، أو عبر وقف المساعدات لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأنوروا”، وكذلك التعنت مع ممثلي الشعب الفلسطيني في واشنطن.

على نهاية شهر رمضان ربما يجد العالمان العربي والإسلامي، بنودا جاهزة للتوقيع عليها من الأطرف المعنية، غير أن علامة الاستفهام الحقيق بنا التوقف أمامها: “هل هناك صفقة حقيقية تسعى لإدراك سلام حقيقي، أم أننا  أمام ما يمكن أن نطلق عليه مسرحة بدون مسرحية”..؟.

يرجع المصطلح الأخير هذا إلى الدبلوماسي المصري الأشهر د. محمود فوزي نائب رئيس جمهورية مصر العربية الأسبق.

ما يجري بشأن القضية الفلسطينية هو بالضبط كذلك،  فهناك آلات إعلامية أمريكية وإسرائيلية تعزف ألحانا ولو نشاز، وطبول تدق للحرب مرة ولا حظ للسلام عادة، وأضواء وألوان، وستائر من القطيفة الحمراء المزركشة بالذهب ترتفع من على مسرح الأحداث التاريخية لا سيما في القدس العربي، وخلفيات من الديكور تظهر، ومبعوثون يروحون ويجيئون على رقعة الحدث، أو خشبة المسرح إن جاز التعبير، وبين هذا وذاك أصوات متنوعة الطبقات واللهجات، بعضها ينذر والآخر يحذر، وفيها من يبرق بذهب المعز للشعب الفلسطيني، وربما لجيرانه اللوجستيين، ومن وراء الستار من يحمل عصا غليظة، لمن يفكر أن يعصى أوامر كوشنير الأكبر.

غير أن الكارثة الحقيقية تتمثل في واقع الأمر في غياب الموضوع، إذ ليس هناك نص حقيقي يتحاور من حوله المتحاورون، أو يسعى من خلفه المتابعون في صفوف الجماهير، أي أن المشهد برمته ليس أكثر من تسويق ضرب من ضروب الوهم للجماهير.

هل من أصوات معاصرة لا سيما من الجانب الأمريكي تؤيد وتعضد الطرح الذي نقول به، أو بمعنى أدق نستعير وصفه من الراحل الكبير الدكتور محمود فوزي؟.

يمكن القطع بأن البروفيسور “جيمس زغبي” الأكاديمي الأمريكي من أصل لبناني، مؤسس ومدير المعهد العربي الأمريكي في أمريكا، لهو شاهد عدل على صراع السلام والأوهام المعاصر.

يستحضر “زغبي” عقل وفكر ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر،  والذي قدم وصفا لنهجه المتعلق بإدارة المفاوضات العربية الإسرائيلية بهدف خلق وهم الزخم لتعويض غياب الزخم الفعلي، ولكن لم يتمثل الهدف في تحقيق نتيجة ما، وإنما  في الإبقاء على مشاركة الجميع في هذه العملية. ومن خلال التقيد بهذا المبدأ، تمكنت الأجيال المتعاقبة من الدبلوماسيين الأمريكيين من “قيادة” عملية سلام تخدم مصلحتها الخاصة بدلا من البحث عن إرساء سلام عادل ومستدام، وطوال عقود من الزمن، لم يتحصل الشعب الفلسطيني  إلا على مجرد عملية من دون سلام.

هل يعيد التاريخ فصوله ما بين هنري كيسنجر في سبعينات القرن العشرين، ودونالد ترامب وصهره كوشنير ونحن على عتبات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؟.

لن نكرر مقولة ماركس الشهيرة: “التاريخ لا يعيد نفسه مرتين.. ذلك لأنه إن فعلها في المرة الأولى يضحى الأمرفي المرة الأولى مأساة وفي الثانية ملهاة”.. لكننا نذهب إلى أن البشر بوعي أحيانا، ومن غير وعي أحيانا أخرى، يمضون إلى المتشابهات ويسيرون في طريق المتطابقات غالبا.

هذا ما يفعله ترامب وإدارته الآن، فقد قرروا اتباع نهج كيسنجر، وعوضا عن تضييع الوقت في محاولة الإيهام بوجود مفاوضات حقيقية بين حكومة إسرائيلية متشددة إيديولوجيا، وسلطة فلسطينية تعاني من الداخل الفلسطيني ومن الخارج الإسرائيلي دفعة واحدة، قطع فريق إدارة ترامب وعودا بالقيام بالعمل بأنفسهم من خلال الإهتمام بـ”صفقة القرن”.

ما الذي سربته “إسرائيل اليوم” مؤخرا؟.. أهو بالون إختبار، لتقيس من خلاله ردات فعل الفلسطينيين والعرب، المجاورين والبعيدين، أم خطة حقيقية وخارطة طريق مؤكدة؟.

الذين قدر لهم قراءة التسريبات يدركون أنه ما من مواطن فلسطيني أو عربي يمكن أن يقبل بما جاء فيها، والشاهد كذلك أن واشنطن ليست في مقام إحداث ضغوطات أو إيقاع عقوبات على حلفائها في المنطقة إن هم رفضوا الخنوع والخضوع للإرادة السامية الأمريكية، فلدى العم ترامب ما يكفي من الأعداء في المنطقة وخارجها، من كوريا الشمالية، إلى إيران، دون أن نغفل الصراع القائم مع الروس، والقادم مع الصينيين، واختلاف التوجهات عن مساعي الأوربيين.

في هذا الصدد يبقى الباب مفتوحا للقول بأن فريق كوشنير وغرينبلات  وفريدمان قد توصلوا إلى  طريقة لتطبيق فلسفة ما يمكن أن نسميه “برهان الخلف” لمبدأ  كيسنجر، وذلك من خلال خلق وهم وجود صفقة للتعويض عن غياب الصفقة الفعلية.

هل هناك غرض في نفس ترامب وكوشنير أبعد من سلام الأوهام بين  الفلسطيني والإسرائيلي؟.

تقول  صحيفة معاريف في تقرير أخير لها: إن الصهر يخطط للترشح لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2024، أي بعد الانتخابات القادمة التي يؤمل أن يفوز فيها ترامب، ولهذا  فإنه يوظف عرض خطة الإملاءات الأمريكية  لتسوية القضية الفلسطينية من أجل تعزيز مكانته الداخلية والدولية.

الخلاصة: أنهم  قالوا وخير القول قول العارفينا.. مخطئا من ظن يوما أن للثعلب دينا.