إميل أمين يكتب: فلسطين توحد العرب من جديد

 

 لعله ما من فترة زمنية وصلت فيها الخلافات بين الدول العربية مثل الفترة الأخيرة، سيما من جراء الخلاف مع قطر من جهة، أو بسبب الفتن التي تثيرها قوى إقليمية غير عربية جارة، وفي مقدمjها إيران وتركيا، أما إسرائيل فتبقى ركيزة الشقاق والفراق الأزلي منذ زمان وزمانين.

غير أن الخطوب الكثيرة  والملمات الجسام التي تحل بالأمة، وبخاصة في ضوء ما تقوم به إيران من تسخير بعض من دول المنطقة للاعتداء على  الدول العربية وبنوع خاص المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وما  تفعله تركيا في ليبيا من دعم المتمردين والإرهابيين هناك بالأسلحة والذخائر من أجل إستمرار نيران المعارك مشتعلة، وما تخطط له إسرائيل في السر والعلن، مدعومة أمريكيا لسحق ومحق ما تبقى من القضية الفلسطينية، ربما هذا  كله ما استدعى عقد ثلاث قمم في مكة خلال اأايام القليلة الفائتة، واحدة لدول مجلس التعاون، والثانية للعرب، والثالثة للعالم الإسلامي .

يدهش المرء من درجة الوفاق التي سادت هذه القمم الثلاث، وقد كان لقضيتين نصيب الأسد من الإجماع، أما الأولى  فهي إيران المعتدية  صاروخيا وبحريا على الأشقاء في السعودية والإمارات، والتي تخطط لتحويل العالم العربي إلى منطقة حروب بالوكالة من خلال أذرعها الميليشياوية، وبخاصة في كل من اليمن والعراق، وهناك في الأولى جماعات الحوثي، تلك التي باتت مسلحة اليوم بصواريخ بعيدة المدى من جهة، وبطائرات مسيرة من دون طيار من ناحية أخرى، لتعيث فسادا في الجوار وبخاصة بعد إستهدافها للمملكة وآبار النفط فيها، وكذا محاولات تخريب سفن النفط في مياه الخليج، وبالقرب من الإمارات تحديدا.

أما العراق فقد بات ومن أسف وأسى شديدين موقعا وموضعا لنفوذ إيراني غير محدود من خلال جماعات إيرانية لا حصر لها، بعضها معروف مثل ميليشيا الحشد الشعبي، والآخر مجهول، من جراء مخططات قاسم سليماني وأعوانه، ولهذا لم يكن صادما أن يؤكد العراق أنه لم يشارك في البيان الختامي للقمة العربية والذي أدان إيران بأقوى لهجة  في تاريخ القمم العربية السابقة.

والشاهد أن القضية الثانية التي جمعت  من حولها العرب ووحدتهم في قمم مكة الثلاث كانت فلسطين، تلك التي خيل إلى البعض أنها قد ماتت أو دخلت في مراحل الإحتضار، فإذ بها تصحو كالعملاق في نفوس وعقول وقلوب الجميع، مؤكدين على أنها الرقم الصعب في حياتهم، كما أنها كعبة مقدسات ومسلمات سياسية لا اقتراب منها، ولا التفاف على حقيقتها.

 

حقا كان المشهد مثيرا جدا للناظرين، فها هي القضية الفلسطينية تستيقظ كالمارد، وها هم العرب يقبلون ولا يدبرون على المواجهة الحقيقية، وإن كانت أخلاقية وأدبية أول الأمر، ويرفعون صيحاتهم عاليا.. لا يحق إلا الحق، ولا يصح الإ الصحيح، ولابد من إرجاع الحقوق إلى  أصحابها.

 

ولعل نظرة سريعة على البيانات الختامية الثلاث لقمم مكة تبين لنا إرادة عربية وإسلامية حاسمة وحازمة جهة إعتبار قضية فلسطين قضية العرب المركزية والمحورية، والقدس في سويداء القلب منها كعاصمة لها، ومن دون تنازل عن ذرة رمل من رمالها، ولا نقول بيتا من بيوت طريق

الآلام.

البيانات لم تتوقف عند الحديث الإنشائي فقط، بل مضت إلى ما هو أبعد من خلال التأكيد على الدعم المتواصل على كافة المستويات للشعب الفلسطيني، بما فيها حقه في تقرير المصير وإقامة الدولة ذات السيادة على حدود 1967، بل وإجراءات طارئة لإنقاذ الشعب الفلسطيني في الداخل من مؤامرت تتطلع إلى خنقه معيشيا وإنسانيا، وحتى لا يضحى قادرا على  مواصلة الحياة على  أرضه.

صحوة العرب من حول فلسطين هي التي جمعتهم بالفعل على كلمة واحدة، وقد امتلأت بيانات القمم الثلاث برفض قاطع لكافة القرارات التي جرت في العامين الأخيرين، من إعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وفي هذا الموقف الموحد رسالة لا تخطئها العين للعم سام، وساكن البيت الأبيض بأن قراراته الأخيرة لا تساوي الحبر المكتوبة به، إذ هي تفارق وتشارع روح ونصوص القوانين الدولية، وكذا أي شرائع أخلاقية.

صحوة فلسطين انسحبت كذلك على باقي القرارات الظالمة التي شهدناها  وفيها أعطى من لا يملك لمن لا يستحق، كما الحال في الجولان، تلك الأرض السورية والتي اعتبرها البعض أرضا إسرائيلية بموجب قررات فوقية إمبريالية، لا تليق بمقدرات ولا مقررات العقلانية أو الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، وتعود بنا من جديد إلى شريعة الغاب، حيث القوة هي المعيار الواحد والوحيد لتعاطي الأمم والشعوب.

يعن لنا التساؤل: “هل من دلالة بعينها لقمم مكة في سياق ونطاق تأكيدها على  جوهرية القضية الفلسطينية بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي؟.

ليس سرا أن هناك علاقة وثيقة ولصيقة، لا سيما على مستوى التوقيت، فقد جاءت قمم مكة في زمن يطلق عليه علماء النفس “الوقت القيم”، بمعنى أنه الوقت الذي تكتسب فيه المعالجات الجدية  قوتها، وتصطبغ فيه بصبغتها  الحقيقية التي لا تماري ولا تواري.

على بعد أيام قلائل وبعد إنقضاء أيام عيد الفطر، سوف نجد اللقاء الذي تحدث عنه الجميع  في المنامة، بوصفه الخطوة الأولى في صفقة القرن المزعومة، وقد بدا واضحا أن قادة العرب عن بكرة أبيهم رافضون لأي أنتقاص من حقوق الشعب الفلسطيني وثوابته، وأن فكرة “السلام الاقتصادي”، هي فكرة ممجوجة ومنحولة، ومحاولة فاشلة للدوران من حول الحقوق التاريخية، ولعل أفضل تعليق حتى الساعة بدر من الجانب الفلسطيني هو ذاك الذي ارتفع به صوت رجال الأعمال الفلسطينيين، الذين نصحوا ترامب بأن يأخذ ملياراته ويذهب بعيدا، ففلسطين ليست للبيع مقابل حفنة مليارات، وهناك من الأشياء التي لا تباع ولا تشترى.

هل وصلت الرسالة العربية إلى الأسماع الأمريكية تحديدا؟.

أغلب الظن أن ذلك كذلك، وهذا ما أشار إليه مسؤولون في البيت الأبيض منذ أيام، حين أكدوا على  أن الشق السياسي من صفقة القرن سيطرح في الوقت  الملائم، وهي صيغة تبريرية مؤكدة للتهرب من أي مسؤوليات أمريكية مستقبلية، بعد أن عرفوا ردات العرب ومواقفهم في الحال والاستقبال.

واشنطن – ترامب، لن يكون لديها متسع من الوقت بعد العطلة الصيفية الحالية سوى للمعركة الانتخابية الرئاسية الأمريكية 2020، وعليه سيتم تأجيل كافة الملفات الشقاقية إلى إشعار آخر.

مهما يكن من أمر واشنطن، فإن ما يهمنا هو القول أن قمم مكة استنهضت  روحا فلسطينية جديدة وخلاقة، ويبقى التساؤل: لماذا لا يبادر العرب مرة جديدة إلى طرح المبادرة العربية التي استمع اليها العالم منذ 2002 في ثوب عصراني يراعى المتغيرات الدولية ويحافظ على  ثوابت القضية، عوضا عن انتظار صفقة خائبة لا يرتجى  منها خير؟؟

الخلاصة ومن جديد: طرح القضايا المصيرية يبدأ من الذات، لا من الآخرين.