إميل أمين يكتب: قطر.. وإعلام أمريكي برسم البيع

 

يوما تلو الآخر تتكشف الفضائح القطرية في الداخل والخارج، إقليميا ودوليا، ومع ذلك يبقى النظام القطري كأسرة البربون الفرنسية الشهيرة، أولئك الذين لم يتعلموا شيئا مما جرى لهم عبر التاريخ، ولم يتذكروا شيئا من الأحداث التي عاشوها خلال مراحلهم الزمنية المختلفة.

لا تؤمن قطر بالأفكار الاستراتيجية عميقة الجذور، بل تثق في الصفقات السرية التي لا تصنع صداقات دولية، ولا تقيم مودات إنسانية حقيقية، تلك التي تعتبر حائط صد ورد عند الأزمات، إنها تعتقد وفقط في الأساليب السفلية، ويخيل إليها أن العالم برمته حاضر عند أطراف دفاتر شيكاتها، وتحويلاتها  البنكية، واستغلال فوائضها المالية لشراء ما يلزم شراءه من عقول وأفكار.

الشيئ الوحيد الذي تمتلكه قطر هو حفنة الدولارات، أما عن الرؤى  الاستشرافية، والخطط التقدمية الحقيقية، فلا دالة لها عليها منذ الأمس، ولا اليوم، ولهذا لا يرجح أن تمضي الى الغد في سفينة آمنة.

لماذا هذا الحديث الذي يكاد يكون رجع صدى لما أشرنا إليه مرات سابقة عن “جزيرة الشيطان”؟.

قبل بضعة أيام كان نجل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعرب عن صدمته البالغة لسماعه أن العديد من محللي الأمن القومي لشبكة “سي ان ان” الإخبارية الأمريكية لديهم علاقات غير معلنة بالنظام القمعي في قطر، وأن الأمر أصبح مكشوفا الآن وأن هناك مصالح كبرى تجري بين الجانبين.

حديث إبن الرئيس الأمريكي كانت قد أشارت إليه في شهر فبراير/ شباط الماضي مجلة “ذا فيدراليست” الأمريكية، والتي أماطت اللثام عن عدد من الصحفيين والإعلاميين الأمريكيين الذين نجح النظام القطري في شراء ذممهم، وسخرهم لمهاجمة المعارضين لسياسات الدوحة التخريبية  في المنطقة.

لم يتوقف الأمر عند إبن ترامب أو المجلة المتقدمة، لكنه امتد كذلك الى دورية أمريكية أخرى هي “كونسيرفيتف” التي أكدت بدورها ما يقوم به القطريون في الإعلام الأمريكي، وكيف أن العديد ممن يُطلق عليهم اسم “المحللون السياسيون” الذين يظهرون على شبكة “سي ان ان”، أولئك الذين يطلون بشكل مسائي شبه منتظم على الأمريكيين، ويحشون رؤوسهم بأفكار هم أول من يدرك أنها مغلوطة ومكذوبة، ليسوا الا طابور خامس لقطر، يعملون في سياقات بعيدة عن الأعين، وجميعهم تربطهم بقطر مصالح مالية.

كارثة هذا الفريق الإعلامي، والذي حكما يتجاوز الـ “سي ان ان” الى  مجلات أخرى وصحف أخرى، بل أن بعض أعرق الصحف الأمريكية مثل النيويورك تايمز، يصدم المرء من تغطياتها غير المنصفة تجاه قضايا عربية وإسلامية، ويتساءل عن السر وراء عدائيتها، الكارثة كما نقول هي أن اللغط الإعلامي والزيف الصحافي الذي تقدمه تلك الأبواق يترك ولاشك تأثيرا سلبيا على المشاهدين من العوام الأمريكيين، وليس سرا نذيعه ان الأمريكيين في مجملهم ليس لهم دالة على العمل الفكري المعمق، لا سيما السياسي منه بنوع خاص، ويعتمدون اعتمادا كليا في معرفتهم على ما تذيعه وتروجه شبكات الإعلام، حقا أو زورا وبهتانا.

أربعة أسماء تدور في فلك النفوذ المالي القطري: “علي صوفان”، و”مهدي حسن”، و”جولييت كايم”، و”بيتر بيرغن”، هؤلاء قادرون على تغيير الصيف الى شتاء، وتحويل الشتاء الى صيف، والمعنى المجازي هنا يفيد بقدرتهم على التلاعب بعقلية المواطن الأمريكي، الى الدرجة التي يتساءل فيها المشاهد: هل هو أمام شاشة قناة الجزيرة بأكاذيبها التقليدية، أم أنه في مواجهة شاشة “سي ان ان” الأمريكية، والمفترض فيها العراقة والأصالة بوصفها أول قناة إخبارية عالمية متخصصة من قبل عقود.

يضع الباحث الأمريكي في شؤون الأمن القومي والسياسة الأمريكية “ديفيد ريبوي” الأمريكيين أمام حقيقة مؤكدة، وهي أن الدوحة تسخر الكثير من الأموال لاستقطاب أفراد ووسائل إعلام أمريكية لاستغلالهم في شن حملات مشبوهة وعمليات قرصنة، ضد شخصيات معارضة لسياسات قطر، بغرض  إسكات أصواتهم.

وبحسب ريبوي أيضا  فقد انساقت وسائل الإعلام المناهضة للرئيس ترامب  مع أجندة قطر، سيما وأن إنفاق قطر لمبالغ طائلة إنما يأتي من أجل التعتيم إعلاميا على ممارستها، وبخاصة فتح أبوابها أمام تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، ومحاولة قلب الرأي العام الأمريكي لصالح النظام القطري.

هل قطر هي المذنب الوحيد والفريد في هذه القصة؟.

الحقيقة هي أنه لو لم يكن هناك داخل النظام الأمريكي ثغرات أقرب الآن الى الفجوات، لما نفذ منها القطريون، ولما مضوا قدما في محاولة شراء الإعلام الأمريكي.

كارثة النظام السياسي والدعائي الأمريكي هي أنه لا يضع حدودا أو سدودأ أمام عملية بيع وشراء أي شئ وكل شئ، إنها “ماركنتيلية” قاتلة، وخير دليل على ذلك أن المحكمة العليا في واشنطن، لم تأخذ موقفا حاسما قاطعا من التبرعات الخاصة بالحملات الانتخابات السياسية، بدءا من انتخابات الرئاسة الأمريكية ووصولا الى أصغر مدينة في الريف الأمريكي.

في هذا السياق يضحى الإعلام متاحا للبيع على الأرصفة، كما باتت العملية السياسية الأمريكية برمتها معروضة على الطرقات، ومعروف أنك في مقابل تبرع يصل الى مائة ألف دولار، فأنت قادر على أن تمضي ليلة في جناح ابراهام لينكولن في البيت الأبيض، وفي الغد تتناول طعام الإفطار مع الرئيس الأمريكي، فلماذا لا تسارع قطر الى استغلال هذه الفرصة إعلاميا؟.

المؤكد كذلك أن قطر لا تتوقف عند السعي الحثيث لشراء أصوات الاعلاميين، بل إنها تسخر جهودا كبيرة لشراء أصوات شركات العلاقات العامة، وهؤلاء بدورهم عادة ما يكونون رأس الحربة المتقدمة وأحصنة طروادة للوصول الى أعضاء الكونجرس بغرفتيه، النواب والشيوخ، ومن يصل الى هناك يكون شديد القرب من المطبخ السياسي الأمريكي، حيث تصنع القرارات، وتعقد الصفقات، وربما تحدد مصائر العالم اعتبارا من أن أمريكا لا تزال روما العصر مالئة الدنيا وشاغلة الناس.

لا ينبغي الاكتفاء بإدانة المواقف الإعلامية الأمركية المدفوعة بأموال قطر، يتطلب الأمر استراتيجية إعلامية سياسية عربية مضادة، فأمريكا معروف عنها أنك إن لم تبادر الى رسم صورتك داخلها كما تريد، فإن شخصا آخر أو جهة أخرى ستبادر الى رسم صورتك على غير ما تريد، ولمصلحته هو في الحال والاستقبال.

الخلاصة: طرح القضايا الجوهرية يبدأ من عند الذات لا الآخرين.