إميل أمين يكتب: لقاء المنامة.. إشكالية أخلاقية أم سياسية؟  

 

 لعل لقاءًا بعينه لم ينشغل العالم من حوله مثل لقاء المنامة الذي جرى مؤخرا في مملكة البحرين، وقد أثير من حوله الجدل قبل أن يبدأ، وأثناء إنعقاده، وحين أرخى الليل أستاره من حوله.

كان من الممكن للقاء المنامة أن يصبح وعن حق علامة فارقة في تاريخ شعوب منطقة الشرق الأوسط، لو جرت به المقادير بعيدا عن إشكالية البحث عن حل جذري للصراع الفلسطيني الإسرائيلي بنوع خاص، إلا أن الارتباط الواضح بين لقاء المنامة، وبين ما بات يعرف بـ “صفقة القرن” أفشل اللقاء من قبل أن يبدأ، سيما وأن المشهد بدا كأنه عرس يخلو من العريس نفسه.

باختصار غير مخل ما قاد إلى  فشل لقاء المنامة هو أن أحدا لا يؤمن بجدوى تموضع العربة أمام الحصان، ذلك أنه وعلى الرغم من الضغوطات الإقتصادية التي تبلغ حد المأساوية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني، إلا أن الإغراءات المالية لا يمكنها في أي وقت أن تقوم مقام الحلول الجذرية للقضايا ذات الأبعاد السياسية والتاريخية.

هل القضية الفلسطينية مجرد صراع إيديولوجي نسبي، كما الكثير من الصراعات المسلحة والتشارع والتنازع حول الأراضي بطول البسيطة  وعرضها، أم أنها قضية أبعد من ذلك بملامح ومعالم مغايرة؟.

قطعا إنها ليست كذلك، فهي في جوهرها  قضية مقدسات، تنضوي في سياقات ما يطلق عليه الدوجمائيات، أي القضايا التي لا تقبل فلسفة المواءمات في الحل والترحال، وفي الحال أو الاستقبال.

حسنا جدا إلى درجة المرحب به أن يكون هناك اهتمام أممي بتحسين حياة الفلسطينيين، وترقية نوعية عيشهم، وأمر محمود إلى حد الممدوح أن يتنادى العالم برمته لإعادة الكرامة الإنسانية للمهانين والمجروحين في غزة والضفة  وما حولهما.

إلا أن السؤال الواجب التوقف أمامه بعقلانية وبأدمغة باردة قادرة على التفكير هو: “هل هناك من تساءل عن موقف الشارع الفلسطيني من ترتيب الأولويات، وأيهما ينبغي ويجب أن يسبق الآخر، الطرح الإقتصادي أم إحقاق الحقوق السليبة والمغتصبة”؟.

لم تكن ولن تكون القضية الفلسطينية “صفقة عقارية”، ولهذا فإن أفكار ومقترحات وعقلية “بائع العقارات”، لا يمكنها أن تصل إلى حل جذري، وإنما إحقاق الحقوق هو ما يمكن أن يشكل واقعا مهيئا للسلام، ويفيض أجواء من الهدوء تقنع القاصي والداني بأن السلام يمكن أن تتداركه الأجيال عما قريب، وبعد الخلاص من ذكريات الماضي، وربقة الإحتلال.

ولعل العيون والعقول التي تعاطت مع لقاء المنامة من الجانب الأمريكي قد ذهب بعضها مذهبا عادلا وبصورة غير مسبوقة، ما يبين خطأ التفكير الأمريكي على النحو الذي نراه.

على سبيل المثال، يكتب ماكس بوت الباحث في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، أحد أهم المراكز الفكرية التي تشكل عقل أمريكا سياسيا، ساخرا بقوله: إن العملية ليست قائمة على التناقضات فقط‘ بل إنها أيضا “خطة سياسية تفتقر إلى الواقعية وتنهض على محاولة إغراء الفلسطينيين بالثروة”.

الباحث الأمريكي لا يكتفي بتقرير ووصف الفكر الأمريكي الذي يدعم ويزخم لقاء المنامة، لكنه يحذر كذلك من عواقب الفشل المحتوم للمحاولة، وبخاصة  إذا فتحت الطريق لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، لضم جزء من الضفة بدعم من ترامب.

الذين قدر لهم متابعة أعمال لقاء المنامة الذي جاء تحت عنوان “السلام من أجل الازدهار”، تساءلوا بعمق وجدية: “أين هو السلام ذاك الذي سوف يجلب الازدهار، وهل ما تقوم به إسرائيل صباح ومساء كل يوم، من قضم للأراضي الفلسطينية من جهة، وتهويد للقدس من جهة ثانية، وتضييق اقتصادي قاتل من جهة ثالثة، يمكن أن يقود إلى عقول وقلوب تؤمن بأن هناك أفقا حقيقيا لسلام عادل وشامل؟.

الأمر الآخر موصول بالجانب الأمريكي، إذ كيف للفلسطينيين خاصة وللعرب بشكل عام أن يؤمنوا بأن الولايات المتحدة الأمريكية وسيط نزيه، مهموم ومحموم بحقوق العرب، أو بمقدساتهم، وهم يرون إمتهانا أمريكيا لمدينتهم المقدسة القدس، عبر الإقرار الأمريكي بأنها عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، وتاليا نقل السفارة الأمريكية إليها، ثم لاحقا صبغ الجولان المحتل بصبغة إسرائيلية فيما ينافي ويجافي كافة الشرائع والنواميس الأممية.

لم يكن الأمريكيون وكتابهم فقط من تنبه لزيف لقاء المنامة، فالبريطانيون أيضا يعتقدون بأن اللقاء لم يكن سوى “وهم يستحق السخرية، وهم سخيف ومثير للشفقة”، هكذا سطرت صحيفة “الغارديان” البريطانية عناوينها صباح اللقاء، ومشيرة الى أن ترامب أخطأ عندما ظن أن دول الخليج ترغب في تعزيز العلاقات مع  تل أبيب مقابل تحملها  العبء الأكبر من فاتورة الحوافز، لا سيما وأن الكثير من مثل هذه الحوافز طرحت في السابق، بعضها  منذ أكثر من عقد من الزمان، ولم يتحقق في ظل الظروف الراهنة، والسبب عدم الإقرار بأن أكبر عائق للتنمية الإقتصادية هو إحتلال الضفة الغربية  وحصار غزة.

تقول “الغارديان” إن “هيام” ترامب بنتانياهو، ونقل السفارة الأمريكية إلى  القدس المحتلة، وإغلاق البعثة الفلسطينية بواشنطن، وإعتراف أمريكا  بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان، كلها عوامل تختصم من أن تلعب واشنطن دورا نزيها في الوساطة.

يمكن للمرء أن يتقبل فكرة إنتقاد محلل أو باحث أمريكي للقاء المنامة، وبالقدر نفسه يتفهم أي محلل سياسي رؤية “الغارديان”، لكن ما يوجه طعنة قاسية إلى قلب كوشنر، هو الإنتقاد الإسرائيلي.. كيف ذلك؟.

باختصار غير مخل يكتب مدير “الشين  بيت” الإسرائيلي عامي أيلون ، وغيلاد شير مدير طاقم  رئيس الوزراء  السابق إيهود باراك، وأورني بتير سشكا رجل الأعمال  إلإسرائيلي مقالا مشتركا عبر مجلة “بوليتيكو” الأمريكية الشهيرة ، يرون فيه “إن خطة كوشنر ـ ترامب غير أخلاقية وغير عملية، ويمكن أن تفجر الشرق الأوسط.

الثلاثي الإسرائيل النافذ  يخلصون إلى أن كل من تابع النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني  خلال السنوات الثلاثين الماضية يفهم أن إعلان ترامب عن الخطوة الأولى من خطته هو مظهر وليس جوهرا، اسم جديد للفكرة الفاشلة  التي أطلق عليها “السلام الاقتصادي”، وقبل ذلك “الشرق الأوسط الجديد”، وجميعها أثبتت أن هناك خطأ إستراتيجيا في التفكير بوضع  الاقتصاد قبل السياسة، الأمر الذي يمثل كارثة أكبر من كونه خطا تكتيكيا.

الخطة الأمريكية الحالية قد تشعل الشرق الأوسط بأكثر مما يمكنها أن تجلب السلام والإستقرار، ومع دخول واشنطن بعد إجازات الصيف إلى عمق الحملة الإنتخابية الرئاسية الأمريكية، سوف تتراجع الإهتمامات بكل ما هو مغاير للداخل، وحكما سيوضع لقاء المنامة في الأدراج أو على الأرفف.