إميل أمين يكتب: لن يعزل ترامب.. ولكن

ربما لم تنشغل واشنطن منذ العام 1998 أي منذ محاولة عزل الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، بقدر ما هي  منشغلة الآن. وأغلب الظن أنها سوف تنشغل طويلا وحتى موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2020.

لا شئ في الداخل الأمريكي يعلو الآن فوق صوت الديمقراطيين المنادين بعزل الرئيس ترامب من جراء ما  بات يعرف باسم “أوكرانيا – غيت”، تلك التي نجمت عن إتصال هاتفي جرى بين الرئيس الأمريكي ونظيره الأوكراني، ويقول البعض إن ترامب  استخدم فيها سلطاته الرئيسية بوجه مخالف للقانون، وأنه استدعى تدخل دولة أجنبية للتأثير على مجريات الانتخابات الرئاسية القادمة، من خلال الحث على  فتح تحقيق في أعمال إبن جوزيف بايدن في أوكرانيا، ما يعني محاولة تشويه صورة والده المرشح الديمقراطي الأوفر حظا في الحصول على ترشح الديمقراطيين له.

ولعل علامة الاستفهام الأولى في هذا السياق: هل مكالمة ترامب وفي حدود ما استمع إليه الأمريكيون حتى الساعة يمكن بالفعل أن تقود ترامب إلى العزل؟

المؤكد أنه ليس محسوما حتى الساعة إن كان الاتصال الهاتفي هذا يخرق القوانين الأمريكية أم لا؟.. وعطفا على ذلك فإن ترامب لن يعدم طائفة قوية وماهرة في المناورات القضائية والسياسية من كبار محاميه القادرين على  بسط تصورات لأطر تفسيرية يذهب بعضها على سبيل المثال إلى أن مكالمة ترامب ليست تدخلا في شؤون أوكرانيا أو محاولة لتوجيه دفة الانتخابات القادمة لجهة معينة، بل جل هدفها هو حث الرئيس الأوكراني على محاربة الفساد في بلاده، وليس مطالبته بالقيام بإجراءات تحقيق في قضية مشبوهة، ما يترك قضية العزل في نهاية المطاف مرهونة بقرار سياسي أكثر منه قانوني.

والمؤكد أنه على الجانب الإجرائي، وإن استطاع الديقراطيون حشد الأغلبية المطلوبة لرفع دعوى الاتهام ضد ترامب، إلا أنه بحال من الأحوال قد يكون من الصعب جدا إلى حد شبه المستحيل أن يمضي الجمهوريون والذين يشكلون الأغلبية  في مجلس الشيوخ إلى الموافقة على عزل ترامب، ما لم يتطور المشهد وتظهر أدلة جديدة أو قرائن ثابتة على خيانة ترامب، وفي هذا الحال لن يمكنهم الصمت تجاه المشهد.

على أنه وإن كان من الصعب جدا عزل ترامب، إلا أن الخسائر المحدقة بالداخل والخارج بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية عديدة، وربما أكلافها  ستلحق ضررا بالغا بالديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء.

بداية يمكن القول أن الشعب الأمريكي سوف يعادو التفكير في المنظور الذي يطرحه ترامب، أي القول بأنه يتعرض لمؤامرة كبيرة من داخل “الاستبليشمنت” الأمريكية التي يتحرك في إطارها الحزبان الكبيران، واللذان ينظران له حتى الساعة بوصفه رجل أعمال دخيلا على عالم السياسة.

هذا المفهوم يمكن أن يعزز حالة عدم ثقة العوام من الأمريكيين في النخبة السياسية الأمريكية، ما يفتح الباب واسعا أمام الطريق أو التيار الثالث الذي يتنامى حضوره في طول البلاد وعرضها، تيار الاشتراكية الديمقراطية الأمريكية، وقد كثر الحديث عنه في الآونة الأخيرة، وتتعاظم حظوظه، وقد تكون الانتخابات الرئاسية القادمة تجربة أولية لهذا التيار وبداية اختبار حقيقي لوزنه في البلاد.

في الداخل الأمريكي أيضا سوف تعمق قضية العزل أو بالأحرى السعي في طريقها من إشكالية تحول أمريكا إلى جمهورية خوف، تتناقص فيها الحريات حتى تكاد تختفي، ويتقلص هامش الحريات في التصرف، ذلك أنه إذا كان الرئيس الأمريكي بعظمته غير آمن على اتصالاته وصيانة سريتها، فكيف يمكن أن يضحى إذن حيال رجل الشارع غير المحاط بنفوذ، أو المتمتع بحصانة برلمانية أو رئاسية.

من بين خسائر الداخل الأمريكي كذلك تطفو على السطح مرة جديدة هواجس الدولة الأمريكية العميقة، تلك التي ترسم خطوطها، وتتلاعب بخيوطها  جماعة الإستخبارات ومجمعها الضاربة جذوره في العمق الأمريكي بقوة، سيما وأن جميع أصابع الاتهام تشير إلى أن من قام بتسريب الاتصال هو أحد رجال المخابرات المركزية الأمريكية الذي تم إنتدابه للعمل في البيت الأبيض  في مرحلة ما، لكنه عاد لاحقا إلى مقر وكالته.

سوف تنشئ قضية العزل هلعا جديدًا من الأخ الأمريكي الأكبر، ذاك الذي يراقب الأمريكيين في صحوهم ومناهم، ما يجعل أمريكا تخسر جوهر حلمها  الذي نبتت عليه، الحرية والمسؤولية، صيانة الحقوق الشخصية، وحرية التعبير عن الرأي، وبقية رؤى أمريكا المدينة فوق جبل التي تنير للجالسين في الظلام أنوارا ساطعة من الديمقراطية الحقيقية غير الأبوكريفية.

تحتمل “لكن” الواردة في عنوان المقال المزيد من الخسائر في الداخل الأمريكي، ومنها تعزيز روح الانقسام، سيما وأن النسيج الاجتماعي الأمريكي قد تعرض منذ مجئ ترامب لحالة من الاهتراء الداخلي، والآن يكاد الأمريكيون ينقسمون بالتساوي بين مؤيد لعزل ترامب ورافض لعزله، ما يجعل حديث ترامب نفسه عن مسألة الحرب الأهلية أو الاحتراب الأهلي  والطائفي شأنا قابلا للتحقق، وليس تهويمات نظرية لإخافة الأمريكيين. وإن لم يحدث في زمن ترامب، فقد تأتي به المقادير لاحقا وعما قريب.

في الداخل الأمريكي يمكن أن يتحول ترامب خلال العام القادم من جراء إشكالية العزل إلى بطة عرجاء، وحال اشتداد المحاكمة من حوله ربما  يضحى بطة ميتة إذا أحكم طوق الحصار من حوله، الأمر الذي يمكن أن يقودنا حالة من الشلل الداخلي وعدم قدرته على المضي قدما في الكثير من المشروعات التي بدأها، وهذا سيولد حالة من عدم الثقة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، والذي يتنبأ له البعض بأنه سيتعرض لأزمة طاحنة العام القادم من جراء تنامي أزمة الديون الداخلية مرة أخرى وبشكل أكبر وأخطر من الأزمة المالية للعام 2008.

هل ستوفر مشاحنات عزل ترامب السياسة الخارجية وأصابتها بمزيد من الخسائر؟.

ربما ينبغي الإشارة إلى أن إدارة ترامب إدارة أحادية التوجه قائمة في الحال والاستقبال على شخص الرئيس نفسه، فيما ضعفت من حوله مؤسسات الدولة، بعكس المشهد في وقت نيكسون وكلينتون، حيث كانت إلى جانبه مؤسسات قوية وأجهزة بيروقراطية  قادرة على متابعة سياسات ثابتة ومعروفة وبالتعاون مع حلفاء موثوقين.

جزئية مثيرة أخرى قد يخلفها حديث العزل من ورائه، تتمثل في ثقة زعماء ورؤساء العالم في ساكن البيت الأبيض، لا سيما إذا كان الحديث معه والمفترض أن يحاط بالسرية التامة والكاملة عرضة لأن يضحى متاحا ومباحا للجميع، بل ويسمع صداه عبر وسائط التواصل الاجتماعي، ما يعني أن ثقة العالم في الأمريكيين سوف تهتز إلى مستوى أسوأ مما هي عليه مهزوزة الآن.

لكن أيضا تستوعب حالة رئيس منشغل إلى حد القتال في الداخل، ولن يكون في مقدوره التفرغ لإشكالية إيران أو تمدد الصين وسطوع روسيا من جديد.

هل باتت أمريكا في مواجهة إختبار جدي وجوهري؟.