إميل أمين يكتب: من القاهرة إلى برلين .. هل يرتدع أردوغان؟

الكثير من الأسئلة الساخنة يطرحها المشهد الليبي الآني، والذي أشار إليه المندوب الأممي الدكتور غسان سلامة قبل أيام بوصفه حالة متردية تزداد سوءًا، سيما مع إصرار تركيا على  التدخل عسكريا في المشهد، ما يؤثر على أمن واستقرار المنطقة، وبخاصة دولة جارة أشار إليها سلامة وإن لم يصرح باسمها، في حين أن القاصي والداني يعرف أنه يعني مصر في المبتدأ  والخبر.

بداية علامات الاستفهام في هذا السياق: “هل حرَّك لقاء القاهرة الخماسي الموقف المتأزم، لا سيما على صعيد النوايا التركية الواضحة للعيان؟

يمكن القطع بأن بيان القاهرة قد جاء دبلوماسيا إلى أبعد حد ومد، ولهذا فإن التناغم بين رجل أنقرة الذي بدأ بالفعل في إرسال ميليشيات وإرهابيين من جهة، ويخطط لإرسال قوات عسكرية نظامية من جهة ثانية، غير متناغم أو متناسق، لا سيما وأن البيان الخماسي قد خلا من أي إشارة إلى كيفية التعاطي مع تركيا حال مضت قواتها إلى سواحل ليبيا.

يمكن النظر إلى بيان القاهرة من زاويتين، الزاوية المصرية ورؤيتها للمشهد المتوسطي بشكل عام، وما يجري على الأراضي الليبية التي تمثل عمقا للأمن القومي المصري، والزاوية الأوربية التي تشوبها شوائب مثيرة للجدل حتى الساعة، وبخاصة مع رفض وزير خارجية إيطاليا “لويجي دي مايو” التوقيع على بيان القاهرة ووصفه له بأنه “بيان غير متوازن”.

على مدار سنوات الأزمة الليبية التي قاربت التسع.. عملت مصر جاهدة على  جمع شمل كل الأطراف من شرق ليبيا وغربها، وفتحت القاهرة أبوابها واسعة وعريضة لكل الليبيين وسعت لتقريب المسافات، وتوحيد صفوف الأشقاء الليبيين، على الرغم من القوى المعاكسة التي جعلت من ليبيا موقعا  وموضعا للتناحر والتشارع، عبر تعميق الانقسام السياسي من جهة، ودعم الإرهاب والإرهابيين على أراضيها من جهة ثانية.

في الأثناء إذا أردنا أن نقيِّم الموقف الأوربي من الأزمة الليبية، وبخاصة المشهدين الإيطالي والفرنسي، لن نجد إلا المراوغة والتسويف، وعدم وضوح الرؤية، ما يقتضي تفصيل الكلام هنا، لإستشراف مسار الأزمة على أبواب قمة برلين التي يكثر الحديث عنها في الوقت الراهن.

مضت أوروبا سريعا إلى إسقاط نظام القذافي، ولم يكن لديها أي خطط أو أجندات لسيناريو اليوم التالي، فهل كان الأمر مقصودًا بالفعل.. أي أن تصل ليبيا الى حالة الاحتراب الأهلي والطائفي تلك من أجل أغراض لا تخفي عن أعين الناظرين من المحللين السياسيين الثقات؟.

تاريخيا.. لم تعرف ليبيا أي استقرار من جراء الاستعمار الإيطالي، ولم تنظر إيطاليا يوما ما إلى ليبيا نظرة أبعد من كونها حوض النفط والغاز الذي تستمد منه احتياجاتها الحياتية، سيما وأنها تستورد من ليبيا أكثر من 90% من الغاز اللازم للحياة اليومية في بلد فقير إلى حد الشح في هذا السياق.

أما فرنسا فأضابير التاريخ تحفظ اليوم الكثير جدا من الحقائق عن الدور الذي لعبه ساركوزي في إسقاط القذافي، وقتله لاحقا كي يذهب ومعه أسرار ليبيا  والليبيين التي دامت نحو أربعة عقود ونيف، وبما فيها من رشاوى تلقاها  ساركوزي في حملته الإنتخابية الرئاسية الأخيرة.

بإختصار غير مخل: لماذ تحركت إيطاليا وفرنسا، وبخجل واضح ألمانيا  مؤخرا؟

الجواب من غير مواراة أو مدارة هو: إن أوروبا المتوسطية لم تتحرك على  نحو أو آخر فيما يخص الأزمة الليبية إلا بعد أن رأت العثمانلي الجديد يقترب من الجانب المشاطئ لها من المتوسط، والذاكرة الأوروبية تحفظ جيدا ذكرى مواقع وحروب عديدة شنها الأتراك تاريخيا على أوروبا، والعداوة التاريخية قائمة تحت الجلد التركي للأوروبيين والعكس صحيح، أي أن الأوروبيين أظهروا مشاعرهم الحقيقية تجاه الأتراك حين رفضوا ضمهم إلى الاتحاد الأوروبي.

لم تكن إذن يوما ما مصلحة الليبيين هي الأصل في المشهد بالنسبة للأوروبيين، بل المصالح البراجماتية المتعلقة بموارد ليبيا التي تحاول روما  وباريس قسمتها قسمة الغرماء.

عطفا على ما تقدم يبدو المشهد الليبي اليوم مثيرا، من نقطة أخرى قد لا تبدو واضحة أمام أعين الكثيرين من المراقبين للمشهد، فأردوغان يعمل على  جعل ليبيا حاضنة للإرهاب والإرهابيين، من خلال تسريب بقايا داعش وجبهة النصرة والقاعدة وكافة الجماعات الإرهابية التي تم دحرها في العراق وسوريا إلى ليبيا، وحلمه الأكبر لا يزال يدور حول الخلافة، وقد تكون ليبيا  منفذا له إلى قلب إفريقيا، وهذه قصة أخرى، غير أن ما يهمنا هنا هو الرعب الذي يتسبب فيه أردوغان للأوروبيين، من خلال التلويح بتصدير الإرهاب والإرهابيين مباشرة إليهم، وهم على مرمى البصر بالمنظار.

هل لأردوغان هدف خفي يسعى وراءه ولا يلوح اليوم أمام الناظرين؟

مؤكد أن السلطان المنحول لا يعير أي التفاتة أو اهتماما بليبيا أو الليبيين، وتاريخ أجداده وأياديهم ملوثة بدماء أهل برقة، حيث قتلوا منهم في يوم واحد قبل مائتي عام عشرة آلاف ليبي، فيما عرف باسم مذبحة الجوازي، أما  الأمر المقطوع به فهو أن أردوغان يسعى إلى فعل مقايضة مع الأوروبيين بنوع خاص، فالرجل تبين خرائط المسح السيزيمي أن مياهه الإقليمية خالية من أي اكتشافات للغاز، ذاك الذي يمتلئ به حوض البحر المتوسط، وبخاصة حول مصر وقبرص واليونان وليبيا.

أردوغان وبصراحة مطلقة يريد أن يضع يدية وبالقوة المسلحة على  مخزون قبرص من الغاز تحت مياهها الإقليمية، في محاولة لتعويض النقص الذي يعانيه، ويصعب عليه أن يخرج صفر اليدين من التقسيمة الجديدة  لمصادر الطاقة النظيفة التي تعيد رسم خارطة الطاقة حول العالم من جديد.

يضع أردوغان الأوروبيين أمام مفترق طرق: إما أن تتركوا تركيا إلى حال سبيلها في التعاطي مع قبرص اليوم وربما اليونان غدا، وثالثا التنازع مع المصريين حول غاز المتوسط، أو أن أكون رجل الإزعاج والإرهاب الحقيقي بالنسبة لكم وطوال عقود قادمة في ليبيا.

هذا المدخل يعيه الأوربيون جيدا، وأغلب الظن أنهم باتوا غير قادرين على  مواجهتهه أو مجابهته، وباتت الأعين الآن متعلقة بلقاء برلين.. فهل يردع هذا اللقاء الذي كثر الحديث عنه جموح أردوغان؟

آخر ما صرح به وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” نهار الأربعاء الماضي لا يقطع بأن شيئا ما يتغير في الأفق، فالرجل لا يزال يعتبر السراج رئيس حكومة  للوفاق، ويصفه بأنه المعترف به دوليا، وينسى أو يتناسى أنه ما من حكومة في طرابلس وأن الإرهابيين الأتراك والقطريين هم من يقوموا على إدارة شؤونها وليس غيرهم، كما أن أي خطوط طول أو عرض لتلك القمة أو أجندة واضحة المعالم غير موجودة.

الخلاصة: لا شيئ يردع أردوغان حتى الساعة، سيما وأن صوت العم سام في الأزمة غير مسموع، ما يعني أن صليل سيوف الأغا العثمانلي أعلى من أصوات الدبلوماسية، ما يستوجب التفكير عربيا – عربيا في ملاقاة الخطر الداهم القائم والقادم في ليبيا.

ما حك جلدك الا ظفرك، وطرح القضايا المصيرية يبدأ من الذات وليس من الآخرين.