إميل أمين يكتب: نهاية البغدادي أم القضاء على داعش؟

 

أحد الأسئلة المهمة إلى درجة كبيرة والتي طرحت طوال الأيام القليلة الماضية لا سيما بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إغتيال زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي: هل الأمر متعلق بشخص أم بتنظيم؟.. وبلسان آخر: هل نهاية رجل داعش الدموي، تعني نهاية التنظيم الذي أعاد للمنطقة ذكرى جماعة “الحشاشين” الدموية، وزعيمها حسن الصباح التي عرفتها المنطقة الشرق أوسطية ذات مرة، والذين عرف عنهم ميلهم الطبيعي للتوحش؟

الشاهد أنه حين يتوجب الحديث عن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجماعات الأصولية ذات الطبيعة الإسلاموية، ولا نقول الإسلامية، فإنه يتوجب فتح دفاتر كثيرة، من عند ايزنهاور الذي التقى في البيت الأبيض في مارس من عام 1954 صهر حسن البنا مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين، مرورا بما عرف بلاهوت الاحتواء للأخوين دالاس، وفيه كان الهدف الواضح هو التلاعب على أوتار التيارات الدينية الإسلاموية وتسخيرها لمواجهة المد الشيوعي في الشرق الأوسط، ولقطع الطريق على موسكو الحالمة بالوصول إلى نفط المنطقة.

تاليا كانت الحلقة الأخطر في علاقة واشنطن بالجماعات الجهادية، وذلك عبر الخطة التي رسمها مستشار الأمن القومي الأمريكي “زيجينو بريجنسكي”، في عهد الرئيس الديموقراطي “جيمي كارتر”، والتي قضت بتجنيد الشباب العربي من كافة البقاع والأصقاع من أجل مواجهة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، الأمر الذي أفرز تنظيم القاعدة تاليا.

لاحقا وبالتبعية كان التدخل الأمريكي في العراق مدخلا لمولد تنظيم داعش، وظهور البغدادي، ذاك الذي لم توفره الشبهات في علاقته مع الجانب الأمريكي، لا سيما وأن هناك صورًا حقيقية له مع السيناتور الأمريكي النافذ الراحل، جون ماكين، والذي كان وثيق ولصيق الصلة بحروب أمريكا الخارجية.

كيف تم تغييب البغدادي؟.. ولماذا في هذا التوقيت تحديدا؟.. ومن ساعد الأمريكيين في تنفيذ تلك الخطة؟.. وغيرها من الأسئلة لاتزال تشاغب عقل العالم منذ الأحد الماضي، والجميع موقن بأن أسرار العملية سوف تبقى في أضابير الدولة الأمريكية إلى أجل طويل، وبخاصة أنها مرتبطة بالأمن القومي الأمريكي، وبعلاقات أمريكا مع جماعات الإسلام السياسي.

على أن العلامة المثيرة للتساؤل: “هل سينتهي تنظيم داعش بعد وفاة قائده وخليفته المنحول، أم أن الدواعش باتوا تنظيما عصيا على الانهيار مرة وإلى  الأبد؟.

هناك في طريق بحثنا عن جواب مثال سابق متعلق بتنظيم القاعدة، فعلى الرغم من أن قائدها وملهمها وحجر الأساس فيها “أسامة بن لادن” قد لقي مصرعه على يد الأمريكيين، وبطريقة أيضا فيها من الغموض أكثر مما هو من العلن، إلإ أن التنظيم لم ينهار، بل ها هي القاعدة تعود من جديد محاولة بناء هيكلها التنظيمي، وربما بصورة أخطر مما كانت عليه من قبل.

هل ينطبق الأمر على  داعش بدورها  في هذا  السياق؟.

الشاهد أن داعش باتت خطورتها  أكثر فداحة من القاعدة ، ذلك أن الأخيرة كانت تعتمد نسقا هيراركيا، أي تنظيما تراتبيا لا يستطيع أي فرد من أفراد الجماعة أن يتجاوزه، كما أن التكليفات وكما رأينا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 جرت بأوامر عليا من بن لادن شخصيا إلى الذين قاموا على تنفيذ العملية.

أما داعش فقد باتت فكرة جهادية معولمة، هذا مع بقاء نحو 20 ألفًا من أعضائها منتشرين فيما بين العراق وسوريا، فضلا عن أولئك المسجونين في مناطق الأكراد، فكرة تطير بأجنحة حول العالم، ومن هنا ولد مصطلح الذئاب المنفردة، بمعنى الدواعش غير التراتبيين، والإرهابيين غير المعروفين، ذلك الفصيل من المتطرفين إيديولوجيا ودوجمائيا، ممن يؤمنون بالمواقف الحدية ولا دالة لهم على الأفكار الوسطية، أو الإسلام السمح الذي يقبل الآخر.

لن يموت تنظيم داعش حكما، لاسيما وأنه كل يوم يكتسب مساحة أكبر في عقول أفراد يمتلكون إمكانيات علمية ومعرفية أوسع كثيرا من تلك التي امتلكها أعضاء تنظيم القاعدة قبل ثلاثة عقود، عطفا على الموارد المالية التي يحتفظون بها حتى الساعة.

بعد أقل من خمسة أيام من إعلان الرئيس الأمريكي اغتيال البغدادي، عاد مرة جديدة ليعلن عن مقتل الرجل الذي كان مرجحا أن يخلف الخليفة الأول، وإن لم يوضح هويته، غير أن الكثيرين يقولون بأنه ضابط عراقي سابق  يدعى “عبد الله قرداش”، ويلقب بالبروفيسور، ولديه خبرة واسعة في سن التشريعات المتطرفة،  ومعروف بقسوته وصرامته بين عناصر داعش، فيما ذهب البعض الآخر إلى أن قرداش هذا قد لقي مصرعه، وأن ترامب ترك الباب مفتوحا للتوجس والتكهن، وقد ثبتت صحة الرأي الأخير، لا سيما بعد أن أعلن الدواعش عن اسم الخليفة الجديد “أبو إبراهيم الهاشمي القرشي”.

 

القضية لا تتعلق بشخص من يخلف البغدادي إنما ببقاء التنظيم، وهل هناك من يعطيه قبلة الحياة ليؤدي أدوارا جديدة مرسومة له ضمن سياق الصراع القطبي الحادث حول العالم؟.

تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير مرة بالقول إن السبب الرئيس لمجيئه بقواته إلى سوريا، هو قطع الطريق على تلك الأصولية القاتلة، والتي تهدف إلى تخريب بلاده من الداخل.

كان تصريح بوتين ولا يزال مؤشرًا خطيرًا في طريق فهمنا لمن يقف وراء هذا التنظيم، بل إن الأمر وصل حد اتهام الرئيس ترامب عينه لسابقه باراك أوباما، ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون بأنهما السبب الرئيس في نشوء وإرتقاء الدواعش، وإن لم يفصح عن بقية القصة، والتي تبدو شبه معروفة لدى الكثيرين.

ما الذي يهمنا في العالم العربي بنوع خاص هذه الأيام، وفي ضوء الجدل المتصاعد الذي ينذر بفصل جديد من فصول المواجهة مع الطاعون الأسود للقرن الحادي والعشرين.. أي الإرهاب؟.

مرة جديدة نعود إلى المبدأ والمنطلق الذي نوليه إهتماما كبيرا، وهو أن طرح القضايا المصيرية يبدأ من الذات وليس من الآخرين، بمعنى أن الساعة الآن هي الوقت  القيم، ذاك الذي فيه يتحتم التنادي العربي – العربي لبلورة خطة شاملة، جامعة مانعة لمواجهة الموجة القادمة من الإرهاب، مهما  كان اسمه أو رسمه.

الذين يقرأون لا ينهزمون.