إميل أمين يكتب: هل أمريكا أمة في خطر؟

 أحد الأسئلة التي خلفتها الأحداث السياسية في الداخل الأمريكي الأسبوع الماضي، كان هذا التساؤل عن أمريكا، وهل بات هناك عن حق خطر ما يهدد حاضرها، ويحيق بمستقبل أجيالها؟

المؤكد أن الخطر هذه المرة لا يأتي عبر طيران حربي معاد يقوم بقصف أحد موانئها كما فعل اليابانيون في بيرل هاربر خلال الحرب العالمية الثانية، ولا هو هجمة صاروخية نووية روسية لا تصد ولا ترد كما ذهبت المخاوف في وقت الحرب الباردة، أو غيرها من المخاطر التي يمكن أن تتهدد قوة عظمى إمبراطورية كالولايات المتحدة الأمريكية، يرى الكثيرون أنها فاقت قوة ومنعة الإمبراطورية الرومانية في عصورها الغابرة.

الخطر الذي يتهدد أمريكا في حاضرات أيامها هو الانقسام الحاد الذي يضرب بنيتها الهيكلية ويفت في عضدها الروحي ويفك ترابط نسيجها المجتمعي، أي أن تضحى أمريكا على مشارف توديع فكرة الدولة العظمى، وهنا فإن بعض التنبؤات الأمريكية ربما تكون في طريقها للتحقق قولا وفعلا.. ماذا عن ذلك؟

قبل الجواب ربما يتعين علينا الإشارة إلى بعض المشاهد التي توضح أبعاد الأزمة التي تعيشها أمريكا اليوم، وقد كان آخرها ما جرى في الكونجرس الأمريكي عشية إلقاء الرئيس الأمريكي خطاب حالة الاتحاد، ما بين الرئيس ترامب من جهة ورئيسة الأغلبية الديمقراطية نانسي بيلوسي من ناحية ثانية، فقد جرى التعامل بين الإثنين بطريقة تبين العداء والكراهية القائمين تحت الجلد، ما يعكس الوضع المضطرب للمؤسسة السياسية الأمريكية، وربما كان اختيار الرئيس ترامب رئيسا للبلاد أحد ملامحها المبكرة، بمعنى أن الأمريكيين قد سئموا من سلوك الحزبين ومالوا إلى إختيار رجل لا دالة له على السياسة، فيما يذهب البعض الآخر إلى أن انتخاب ترامب ليس إلا نتاج ثمرة جهود التيار اليميني الأمريكي سواء اليمين المتشدد أو المتطرف، أو يمين الوسط، وكلاهما بلغ به الحنق أقصاه من تحولات وتبدلات التيار النيوليبرالي وأجنحته المختلفة والتي ضربت عرض الحائط بالمنظومة الإكسيولوجية “القيمية”، التي أرسى قواعدها في البلاد الآباء المؤسسون العظام من أمثال جورج واشنطن، وتوماس جيفرسون، وبنجامين فرانكلين، مرورا بابراهام لنكولن، ووصولا إلى جون كيندي، وبقية القياصرة الأمريكيين العظام.

أمة في خطر، إذ تبلغ العداوة والكراهية بين الديمقراطيين والجمهوريين مبلغها من خلال التخطيط المستمر والمستقر لإزاحة رئيس عبر مؤامرات مستمرة ومستقرة بدأت بقصة روسيا ـ غيت من جهة، وتاليا عبر العزف على وتيرة مكالمة أوكرانيا مع الرئيس زيلنسكي، وفي الحالتين لم يكن لدى الديمقراطيين أدلة حقيقية، بل رغبة في الإنتقام، ذاك الذي لا يبني الأمم بل يهدم الجدران على مسارات ومساقات الشعوب.

المشهد الآخر بدت فيه أمريكا في خطر حقيقي من خلال مشهد محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ، فقد بات من الواضح أن روح التشظي هي الحاكمة للمشهد بين الحزبين، ولهذا فقد بات مؤكد أنه لو كان للديمقراطيين الأغلبية لتم عزل ترامب ليضحى أول رئيس أمريكي يُعزل رسميا.

يلقى مشهد مجلس الشيوخ الحالي بما يمكن أن تؤول إليه أحوال العلاقات الإجتماعية بين الأمريكيين أنفسهم إذا قدر للديمقراطيين في إنتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم، أن يسيطروا على الأغلبية في الكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب، ذلك أنه ساعتها سوف يعاد بكل تأكيد وتحديد فتح ملفات عزل ترامب السابقة أو التلكؤ بموضوعات مشابهة أخرى، ويومها سيصبح الأمر كما يقال: “كالسكين في الزبد”، إذ سيرفع النواب من جديد الأمر إلى الشيوخ، والأخيرون سوف يتلقفون الإتهام ويسارعون إلى الموافقة على عزل ترامب، الرجل المقدر له أن يفوز بولاية رئاسية ثانية كما تبين إستطلاعات رأي غالوب الأخيرة في الداخل الأمريكي.

يلفت الإنتباه في الخطر المحدق بالدولة الأمريكية تهافت مشهد الديمقراطية، ما يفتح الباب واسعا أمام الردة المؤسساتية عن طريق الدمقرطة، فقد كانت مشاهد محاكمة ترامب مليئة بالثغرات من عينة رفض الأغلبية الجمهورية الإطلاع على كافة أوراق إدانة ترامب، أو قبولهم بطلبات الديمقراطيين لاستقدام شهود واستجوابهم بشكل علني.

أمة في خطر حين تفقد حيادها، ما تبدى بشكل قطعي في الطرح الأمريكي الإسرائيلي المشترك الخاص بخطة السلام في الشرق الأوسط، أو ما اصطلح على تسميته بـ “صفقة القرن”.

أفضل من تحدث عن الخطر المحدق بأمريكا حتى الساعة كان ولا يزال النائب الأمريكي الجمهوري “بول فندلي” الذي رحل عن عالمنا في أغسطس آب الماضي، عبر عدد كبير من مؤلفاته.

كتب “فندلي” يقول ذات مرة: “إن الوقت حان للكلام الصريح وللعمل واضح التوجه، فمجتمعنا يدفع ثمنا باهظا للسياسات التي تضاعف الانحرافات الدينية وأعمال الحرب.. علينا أن نحرر أنفسنا من الخوف من إسرائيل ومؤيديها، ونجد خطواتنا في اتجاه المراتب الأخلاقية الرفيعة التي تنتمي إليها أمريكا.

حين يذهب الرئيس ترامب أقصى اليمين ضاربا عرض الحائط بكل المواثيق الدولية والشرائع والنواميس الأدبية، عطفا على القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة فإن ذلك يعني من دون أدنى شك، إهتزاز صورة الحلم الأمريكي في أعين الذين آمنوا به طوال عقود، حلم الحرية والمساواة، العدالة وحقوق الإنسان.

حين تحدث الرئيس الأمريكي عن حرب أهلية حال قام الديمقراطيون بعزله لم يكن الرجل يمزح أو يهدر الوقت، إذ أعلنت جماعة أمريكية يمينية مغرقة في تطرفها وتحمل السلاح تدعى “حراس القسم” ويبلغ تعدادها نحو 24 الف منتشرين في عدة ولايات أمريكية، إستعدادها لإشعال البلاد دفاعا عن الرئيس، ما يعني أن كل ما تردد عن البناء الديمقراطي الأمريكي مؤخرا يكاد يضحى هباءًا منثورًا.

ذات مرة في أواخر سبعينيات القرن العشرين تنبأ حكيم أمريكا “زبيجنيو بريجنسكي “بانهيار الاتحاد السوفيتي مع حلول تسعينيات القرن العشرين، وهو ما  جرت به المقادير بالفعل، غير أن الأكثر إثارة إشارته إلى تفكك أمريكا في أعقاب ذلك بثلاثة عقود تقريبا.. هل أمريكا في خطر؟.. بريجنسكي عنده الجواب.