إميل أمين يكتب.. هل سيتخلى الديمقراطيون عن دعم إسرائيل؟

جرى العرف في الداخل الأمريكي أن يدعم الحزب الديمقراطي دولة إسرائيل بشكل أكبر بكثير من الحزب الجمهوري، وإن كان ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن الأخيرين لا يقفون وراء إسرائيل صفاً واحداً، وهناك رؤساء جمهوريين قدموا لإسرائيل خدمات جليلة، وبعضهم الآخر ماض قدماً في تقديم ما لم يقدر على فعله أحد، وآية ذلك ما يقوم به الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، بدءاً من الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وتالياً الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على أراضي الجولان السورية المحتلة، إلى الدرجة التي بات معها التساؤل من يخدم إسرائيل أكثر من الآخر اللوبي الداعم لدولة إسرائيل في عموم أمريكا، أم الرئيس الجمهوري ترامب؟
هناك جزئية مهمة في هذا الإطار لا بد من توضيحها، وهي أن اللوبي الداعم لدولة إسرائيل، ليس قصراً على اليهود فقط، ولهذا لا نقول اللوبي اليهودي الأمريكي، ومرد ذلك أن هناك جماعة مسيحية أمريكية كبرى، هي الإنجيليين الأمريكيين الذين باتوا سنداً ودعماً لإسرائيل منذ قيامها، وربما قبل إعلانها أيضاً دولة مستقلة.
هل تراجع الديمقراطيون عن دعم إسرائيل؟
سبب التساؤل المتقدم هو ما جرى على هامش مؤتمر الإيباك السنوي الايام الماضية، والذي تتجمع فيه كافة المؤسسات والجمعيات الداعمة لدولة إسرائيل، فقد أضرب عدد كبير من المرشحين الديمقراطين للرئاسة الأمريكية 2020، أو بمعنى أكثر دقة الساعين إلى نيل ترشيح الحزب الديمقراطي لهم، عن حضور مؤتمر جماعة الضغط الموالية لإسرائيل، وهو قرار يعكس الجدل المتزايد داخل الحزب حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ودعم الولايات المتحدة لإسرائيل.
ولعل الذين قدر لهم الإطلاع على قائمة المتحدثين في مؤتمر الإيباك هذا العام، قد فوجئوا بأنها لا تضم ديمقراطياً واحداً من المترشحين للرئاسة، ولا يشمل أولئك الذين مازالوا من المتوقع أن يرشحوا أنفسهم، بما في ذلك نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن.
تذهب تحليلات عديدة إلى أن حركة “موف – أون” اليسارية التقدمية الأمريكية، هي السبب في عزوف عدد كبير من المرشحين الديمقراطيين عن المشاركة في مؤتمر الإيباك هذا العام، ونقلاً عن درسة إستقصائية داخلية جديدة، قالت الحركة، أن أكثر من 74% من أعضائها وافقوا بشدة على أن أي متنافس يطمح إلى الظفر بدعم الديمقراطيين للرئاسة يجب أن يقاطع مؤتمر إيباك … لماذا؟
تبين استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة تراجعاً واضحاً لدعم إسرائيل في اوساط الديمقراطيين، وخصوصاً لدى الشباب، كما بين إستطلاع أجراه معهد غالوب”، مطلع آذار/ مارس الجاري، أن مستوى دعم إسرائيل لدى الإمريكيين عامة في ادنى مستوى لها منذ عقد، في حين أن نسبة دعم الفلسطينيين هي الأعلى منذ عقدين.
تقول “إيرام علي” مديرة حملات في حركة “موف – إن”، إن إيباك تتحالف بشكل متزايد مع الجمهوريين، وفي حين أن الديمقراطيين قد قبلوا إتفاق أوباما مع الإيرانيين حول برنامجهم النووي، فإنه من الواضح أن الجمهوريين رافضين بقيادة ترامب لبقاء الأوضاع على ما هي عليه، ولهذا رفض إستمرار بلاده في الإتفاقية وأنسحب منها، ولهذا من الواضح أن هناك تحولاً يحدث في القاعدة التقدمية، إذ لم يعد بالإمكان إخفاء تحيز أيباك للجمهوريين.
في هذا الإطار كان من الواضح أن العديد من الديمقراطيين اليساريين ينأون بأنفسهم عن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، وسط تورط حكومته في إنتهاكات حقوق الإنسان.
ليس هذا فقط بل إن حركة “موف – أون” تؤكد على أن إيباك أظهرت تحيزها للجمهوريين برعايتها الخطاب المعادي للمسلمين والعرب، بينما رفضت إدانة معاداة السامية من الجمهوريين.
هل يعني ذلك أن الولاء لإسرائيل في الداخل الأمريكي يقل إلى درجة تزعج الإسرائيليين أنفسهم داخل إسرائيل؟
ربما ينبغي علينا ان نذكر بأن هناك جماعة أخرى أنشقت عن الإيباك، ونقصد بها: “الجي – ستريت”، وهي وإن كانت داعمة لإسرائيل، إلا أنها تقدم دعماً مستنيراً يراعي حقوق الفلسطينيين، ويرى القائمون على الجي – ستريت أنه لكي تحافظ إسرائيل على حضورها في الداخل الإسرائيلي، وفي محيطها العربي والإسلامي، فأنه يتوجب عليها أن تقدم عدالة وحياة للقائمين على أراضيها، قبل أن يحدث الإنفجار من جراء الضغوطات غير الإنسانية.
والشاهد أنه في الوقت الذي ضعفت فيه روابط الإيباك مع الديمقراطيين، فقد رأينا تكريساً لتحالف اليمين الديني الأمريكي مع اليمين الإسرائيلي … كيف تأت لنا معرفة ذلك؟
بحسب الأخبار الواردة من الداخل الإسرائيلي، فإنه بعد يوم واحد من الإحتفال بفتح السفارة الأمريكية في القدس المحتلة في مايو/ آيار 2018، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إجتماعاً مع دائرة مصغرة من رجال الدين والنشطاء الإنجيليين الأمريكين، لشكرهم على المساعدة في إقناع الرئيس الأمريكي ترامب بإتخاذ قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
يؤمن تيار اليمين الأمريكي المتدين أحياناً، والمتصهين أحياناً أخرى ،أنه لابد من تتميم النبؤات التي وردت في العهد القديم، أي التوراة، وبعض القراءات الإنجيلية، لكي تحدث النهاية على الأرض، ويوجد ذلك برمته في علم يطلق عليه “الإسكاتولوجيا”، أو علم قيام الساعدة والأيام الاخيرة.
وباختصار غير مخل فإن لب وعمق هذا التيار هو ضرورة إستعلان دولة إسرائيل كقوة كبرى، وحدوث صراع عالمي، ذاك المعروف باسم معركة “هرمجدون”.
لكن من ناحية ثانية لا يتوقف نتانياهو كثيراً عند البعد الرئيس لهذا التيار، او الغرض الأهم من وراء هذا الدعم، وهو تحويل اليهود إلى مسيحيين لتهيئة ما يطلقون عليه المجئ الثاني، الأمر الذي تجاهله أقطاب الليكود من زمن مناجم بيجن إلى نتانياهو.
في هذا السياق يبدو أن ترامب يلعب لعبة مثيرة في الداخل الأمريكي، وهي تحويل القاعدة الديمقراطية التي تدعم إسرائيل، إلى قاعدة جمهورية، فيما الهدف البراجماتي الأبعد، لترامب، الحصول على ولاية رئاسية ثانية بأقل قدر من المجهود، وضمان هزيمة كبرى للمرشح الديمقراطي أيا من يكون، ولكن من ناحية ثانية لا يتوقف نتانياهو كثيراً عند البعد الرئيس لهذا التيار، او الغرض الأهم من وراء هذا الدعم، وهو تحويل اليهود إلى مسيحيين لتهيئة ما يطلقون عليه المجئ الثاني، الأمر الذي تجاهله أقطاب الليكود من زمن مناجم بيجن إلى نتانياهو.
في هذا السياق يبدو أن ترامب يلعب لعبة مثيرة في الداخل الأمريكي، وهي تحويل القاعدة الديمقراطية التي تدعم إسرائيل، إلى قاعدة جمهورية، فيما الهدف البراجماتي الأبعد، لترامب، الحصول على ولاية رئاسية ثانية بأقل قدر من المجهود، وضمان هزيمة كبرى للمرشح الديمقراطي أيا من يكون، ويبدو أن ترامب قد نجح نسبياً في هذا التحول خلال مؤتمر إيباك في واشنطن.
جاء مؤتمر الإيباك الأخير على وقع خطوات غير مسبوقة من جانب ترامب، ذاك الذي أعترف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة عام 1967، والتي لا يوجد في القوانين والشرائع الدولية ما يؤيد أو يدعم أو يسمح بان يقوم رئيس دولة بعيدة جغرافياً وديموغرافياً، بأن يسبغ سيادة دولة ثالثة عليها،لتنتج من جديد معضلة الذي لا يملك، وكيف أنه يعطي الذي لا يستحق.
لا يهم ترامب دعم الديمقراطين أو الجمهوريين لإسرائيل، فالرجل رغم نتائج تحقيق موللر، يبقى براجماتي إلى أبعد حد ومد، بمعنى أنه إذا كانت مصلحته مع روسيا او الصين، فسوف يمضي قدماً في سياسات تخدمهما، ووراءه من المستشارين القانونيين والسياسيين من يقدمون له الغطاءات اللازمة لذلك.
بالقدر نفسه ما يهم ترامب هنا هو إنتخابات الرئاسة للعام 2020، وهناك بحسب الإحصائيات 70% من الشعب الأمريكي يعرفون أنفسهم على أنهم مسيحيين، وبين هؤلاء نحو 25% يرون ويعرفون أنفسهم بوصفهم إنجيليين، وقد صوت 80% منهم لصالح ترامب في الإنتخابات الرئاسية عام 2016.
ولعله من حسن الطالع لإسرائيل، وسوءه للعرب والمسلمين، أن هناك بجوار ترامب وزير خارجية “مايك بومبيو”، وإن لم يكن محسوباً على التيار اليميني الأصولي الإنجيلي الامريكي بإمتياز، إلا أنه بدرجة أو بأخرى يمكن إعتباره قريب من اليمين الإنجيلي الامريكي، وليس أدل على ذلك من اعتباره الرئيس ترامب مثل الملكة أستير المشهورة في تاريخ بني إسرائيل، والتي تزوجت من الملك الفارسي “أحشويروش” من اجل إنقاذ بني إسرائيل أولئك الذين تم نفيهم وسبيهم خارج أراضيهم.
والمثير هنا أن تعميق نتانياهو علاقته مع اليمين الأصولي المسيحي، يحرره من ضغوطات التيار اليهودي اليساري في الداخل الأمريكي، والساعي لإحداث ضغوطات على نتانياهو لإطلاق مفاوضات مع الفلسطينيين، تقود إلى دولة فلسطين مستقلة.
يفهم مما تقدم أنه وإن كان الديمقراطيون وبخاصة تيارات الشباب الليبرالي بينهم يسعون إلى توازنات في علاقات أمريكا بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إلا أن جماعة اليمين المسيحي الإنجيلي، تغرق في الهوى الإسرائيلي.
لكن ما تقدم ليس ضمانة إلى الأبد، ذلك أن شباب الجمهوريين بدأت تظهر بالفعل في وسطهم أصوات ليبرالية مشابهة، كما أن رهان ترامب على دعم إسرائيل لنيل أصوات الإنجيليين المسيحيين قد يساعده في الأنتخابات على المدى القريب. لكنه على المدى البعيد سيوسع الهوة بين الحزب الجمهوري، والجيل الجديد من الإنجيليين الذي يبقى أكثر ليبرالية، ويميل إلى علاقة أمريكية أكثر توازاناً مع إسرائيل.
مهما يكن من أمر ترامب، فإن العديد من اليهود الأمريكين خاصة الشباب ينتابهم قلق إزاء تنامي السياسات المتشددة لرئيس الوزراء الإسرائيلي،والتي تحظى بدعم الرئيس الأمريكي، والدليل على ذلك تدشين منظمة “الصوت اليهودي من أجل السلام”، وهي جماعة تدعم حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الإستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها، حملة على منصة التواصل الإجتماعي للدفاع عن عضو مجلس النواب “إلهان عمر” رغم تصريحاتها القوية والمضادة لإسرائيل.
الخلاصة :لن تتمكن إسرائيل من البقاء إلى الأبد معتمدة على الغير، أو مرتكنة إلى السيف، فبدون تصالح وتسامح وإرجاع حقوق إلى أصحابها، سوف تظل كالجسم الغريب في الشرق الأوسط.