اضطهاد وتنكيل.. يهود إثيوبيا ينتفضون في وجه العنصرية الإسرائيلية

يواصل آلاف المتظاهرين الإسرائيليين من أصول إثيوبية (الفلاشا)، احتجاجاتهم للأسبوع الثاني على التوالي في ظل تحذيرات أركان الحكومة الإسرائيلية ووزير الأمن الداخلي جلعاد أردان بعدم السماح بإحداث فوضى وإرباك بالشارع الإسرائيلي وإغلاق الطرقات والتأثير على الحياة العامة للسكان.

يأتي ذلك ردًّا على مقتل مهاجر إثيوبي، الأحد الماضي، برصاص أحد أفراد الشرطة الإسرائيلية.

وشهدت مدينة تل أبيب سلسلة من التظاهرات الغاضبة، بعد مقتل سلمون تاكا (19 عاماً) برصاصة مباشرة بالصدر، وتخللت التظاهرات التى عمت عدة مناطق داخل إسرائيل إغلاق الشوارع الرئيسية والمركزية، والطريق الساحلي الواصل بين حيفا وتل أبيب.

بالإضافة إلى إغلاق عدد من المفترقات والميادين الرئيسية، فيما أحرق المتظاهرون الإطارات المطاطية وعددًا من المركبات في الطرق العامة.

يذكر أن ما يقارب 111 شرطيا إسرائيليًّا أُصيبوا خلال المواجهات جراء إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة، كما اعتقلت الشرطة 136 متظاهرا، بحسب بيانات رسمية.

 

 

سياسة التمييز العنصري 

المظاهرات التي ينظمها يهود “الفلاشا” ليست الأولى، فقد خرجوا في احتجاجات سابقة، اعتراضا على سياسة التمييز العنصري التي تتبعها إسرائيل ضدهم بما في ذلك انتشارهم في منطقة محددة تتسم بيئتها بالفقر، وارتفاع معدلات البطالة، وفقدان جزء كبير من الخدمات التي تتمتع بها المدن الإسرائيلية الأخرى.

وترفض تجمعات اليهود البيض جنوب إسرائيل بيع أو تأجير بيوتهم إلى اليهود الإثيوبيين، وعدم قبول بعض المدارس لهم، وتتزايد نسبة المعتقلين منهم بتهم جنائية لتصل إلى 40%، خصوصًا بين الشباب الذين يعانون الفقر والبطالة والأمية.

ويعتبر أبناء الجالية الإثيوبية، أن الإسرائيليين لا يزالون ينظرون إليهم نظرة فوقية لدواعٍ شتى، أحدها لون البشرة.

ويتهم الإثيوبيون الإسرائيليين “البيض” بممارسة “التمييز العنصري النظامي الممنهج” بحقهم وحرمانهم من حقوقهم الشرعية.

ويقول “الفلاشا” إنهم يتعرضون للاضطهاد على غرار الأمريكيين من أصول أفريقية، رغم أن أسلافهم لم يكونوا أبدًا عبيدا لدى ذوي البشرة البيضاء، بل قدموا إلى إسرائيل طبقا لـ”قانون العودة” مثلما وصل اليهود من أي بلدان أخرى.

ويقول المختص بالشأن الإسرائيلي عوض عبد الفتاح، إن اليهود الإثيوبيين يستفيقون اليوم، على كابوس كبير، حين ظنوا أن إسرائيل دولة لهم بينما هم في مجتمع يهودي أوروبي يتعالى عليهم.

وأشار إلى استخدام الإسرائيليين عبارات وشتائم ملأَت وسائل التواصل الاجتماعي أمس واليوم، مثل: “حيوانات”، و”أحضرناكم من الأدغال”، و”عودوا من حيث جئتم “، وغيرها؛ تعكس الطبيعة العنصرية لهذا الكيان، الذي يعادي كل العرب، والشرقيين حتى لو كانوا يهودا.

من جانبه، يرى الناشط الإثيوبي في احتجاجات يهود “الفلاشا” إيال جيطو، أن اليهود المهاجرين من أصول إثيوبية قدموا -من خلال المظاهرات- لائحة اتهام ضد إسرائيل واتهموها بالعنصرية والتمييز,

ولفت إلى أن الاحتجاجات الصاخبة للمهاجرين الإثيوبيين تعد تعبيرًا عن الألم والغضب الذي يعيشه الإثيوبيون في إسرائيل.
وأضاف جيطو في تصريحات صحفية، أن الوقت حان لكي تنظر الحكومة و المجتمع الإسرائيلي لحجم المشكلة التي يعاني منها الفلاشا، إذ يتعرضون لأبشع أنواع التمييز العنصري .

وذكرت القناة 12 الإسرائيلية، أنه تم الدفع بتعزيزات شرطية وأمنية إلى أماكن التظاهرات للسيطرة علىالغاضبين، موضحةً أن رئيس الحكومة “نتنياهو” دعا قياديين في طائفة الفلاشا إلى اجتماع سريع، لكنهم رفضوا وطالبوا نتنياهو بأن يحضر هو إليهم.

ودعا نتنياهو المتظاهرين للتوصل إلى اتفاق هدوء وعودة الحياة الطبيعية في تل أبيب، كي يأخذ التحقيق مجراه ومنع تكرار حدوث حالات وفاة أخرى.

وتابع نتنياهو: “إنني أعرف أنه توجد مشاكل ينبغي حلها، وقد عملنا بجد ويجب العمل أكثر من أجل حلها، لكنني أطلب منكم أمرا واحدا، هو أن تتوقفوا عن إغلاق الشوارع”، مؤكداً نيته عقد اجتماع للجنة متخصصة بشؤون الفلاشا، لمناقشة ما يحدث وإيقاف التظاهرات وحالة الفوضى.

أصول يهود الفلاشا

الفلاشا هم المهاجرون من إثيوبيا إلى إسرائيل وهم يهود الحبشة الذين تم نقلهم سرًا في عملية شارك فيها الموساد الإسرائيلي “سولومون” في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، حيث هاجر نحو 80 ألفًا إلى إسرائيل عبر جسرين جويين عامي 1984 و1991.

وتقدر أعدادهم اليوم بنحو 150 ألفًا موزعين على 19 بلدة، يعيشون في أحياء فقيرة ومهملة، من ضمنهم أكثر من 50 ألفًا من مواليد إسرائيل، وينحدر معظمهم من مجتمعات ظلت معزولة عن العالم اليهودي طوال قرون، واعترفت بهم السلطات الدينية الإسرائيلية في وقت متأخر.

ووفقا لبعض الدراسات، فإن أكبر تجمع للإسرائيليين من أصل إثيوبي في الضفة الغربية المحتلة يوجد في مستوطنة كريات أربع قرب الخليل، كذلك ثمة تجمع لهم بالقرب من صفد في الجليل الأعلى داخل الخط الأخضر، كما يتركز عدد من اليهود الإثيوبيين في مدينة عسقلان.

وكشف تقرير نشره مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل عام 2017 حقائق متعلقة بالحالة الاجتماعية والاقتصادية ليهود الفلاشا، مقدرا عدد الإسرائيليين من أصل إثيوبي بحوالي 140 ألف شخص، ما نسبته 2% من إجمالي التعداد السكاني لإسرائيل، ولد أكثر من 85 ألفا منهم في إثيوبيا.

وتشير معطيات المركز إلى حالة الانغلاق والانعزال النسبي لمجموعة اليهود الإثيوبيين، ورصد أن 88% من حالات الزواج تعقد ضمن الجالية الإثيوبية، فيما يحصل 55.4% فقط من طلاب المدرسة المنحدرين من إثيوبيا على الشهادة الثانوية، ينال 39% منهم الشروط اللازمة للالتحاق بالجامعات.
كما أظهر تقرير الإحصاء الإسرائيلي، أن غالبية يهود “الفلاشا” يزاولون أعمالا منخفضة الأجور لا تحتاج إلى تأهيل علمي، مثل النظافة وقطاع الأغذية.

رفض الحكومات “للفلاشا”

وعبرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في البداية عن رفضها هجرة اليهود الإثيوبيين إليها بعد أن طالب المسؤول في الوكالة اليهودية يعقوب وينشتاين بالاستعجال في هجرتهم إلى إسرائيل، وزعمت الحكومة الإسرائيلية أن اليهود المهاجرين من إثيوبيا يحملون أمراضًا وراثية معدية، لكن الحكومة نفت ذلك لاحقا بعد جملة الانتقادات الشديدة التي تعرضت لها ووافقت على هجرتهم إلى إسرائيل بين عامي 1979و1990.

ويعتبر القادمون إلى إسرائيل عبر الهجرات الجماعية من الإثيوبيين من الفقراء والأميين، كما يفتقدون المهارات الأساسية في الأعمال والمهن وبلغت نسبة البطالة بينهم في وقت من الأوقات 80%، وفي عام 2005 سجل معدل البطالة بينهم حوالي 65%.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها السلطات الإسرائيلية بقتل أحد يهود الفلاشا، إذ قتلت 3 شبان من اليهود الإثيوبيين قبل عامين، بسبب التفرقة العنصرية التي تمارسها حكومة الاحتلال بحقهم.