اعتداء ترامب على النظام التجاري العالمي.. ولماذا الانفصال عن الصين سيغير كل شيء؟

 

*تشاد بي. باون / **دوجلاس أ. إيروين ـ فورين أفيرز

ترجمة خاصة لـ «الغد»: نادر الغول

 

دونالد ترامب كان وفيا لكلمته.. وبعد الهجوم على التجارة الحرة أثناء حملته الانتخابية للرئاسة الأميركية، جعل من القومية الاقتصادية محور برنامجه وأجندته السياسية وهو في منصبه. لقد انسحبت إدارته من بعض الاتفاقات التجارية، بما في ذلك الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP)، وأعادت التفاوض بشأن اتفاقيات أخرى، بما في ذلك اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA) واتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا. إن العديد من تصرفات ترامب، مثل التعريفات الجمركية التي فرضها على الصلب والألومنيوم، ترقى إلى درجة الحمائية العلنية وتضر بالاقتصاد الأميركي. وكان لبعض التصرفات الأخرى آثار أقل وضوحًا، لكن ليس أقل ضررًا. من خلال انتهاك قواعد التجارة الدولية، قلصت الإدارة مكانة البلاد في العالم ودفعت الحكومات الأخرى إلى التفكير في استخدام نفس الأدوات للحد من التجارة بشكل تعسفي. لقد اتخذت الإدارة خطوات مدروسة لإضعاف منظمة التجارة العالمية (WTO)، بعضها سيضر بشكل دائم بالنظام التجاري متعدد الأطراف. وفي تحركاتها الأكثر جرأة، تحاول استخدام السياسة التجارية لفصل الاقتصاد الأمريكي والصيني.

 

ستكون الإدارة الأميركية المستقبلية التي ترغب في رسم مسار أكثر تقليدية بشأن التجارة قادرة على التراجع عن بعض الأضرار والبدء في إصلاح سمعة الولايات المتحدة المتهتكة كشريك تجاري موثوق. في بعض النواحي، لن يكون هناك عودة. إن هجمات إدارة ترامب على منظمة التجارة العالمية والتفسيرات القانونية الواسعة التي قدمتها للعديد من أعمالها الحمائية تهدد بتفكيك النظام التجاري العالمي الموحد. وبالنسبة للصين، فقد أصبح من الواضح أن الإدارة عازمة على قطع العلاقة وليس إصلاحها. إن الفصل بين أكبر اقتصادين في العالم سيؤدي إلى إعادة تنظيم عالمي جديد. ستضطر بلدان أخرى إلى الاختيار بين الكتل التجارية المتنافسة. حتى لو خسر ترامب إعادة انتخابه عام 2020، فإن التجارة العالمية لن تكون هي نفسها.

 

أظهرت أول سنتين من إدارة ترامب معارك ضارية من داخل الإدارة بين ما يسمى بالعولمة (يمثلها غاري كوهن، مدير المجلس الاقتصادي الوطني) والقوميين (يمثلهم مستشارا ترامب ستيف بانون وبيتر نافارو). كان الرئيس قومياً غريزيًا، لكن دعاة العولمة كانوا يأملون في احتواء دوافعه وتشجيع حاجته ورغبته التي تسعى إلى الاهتمام إلى إبرام صفقات لامعة رخيصة. لقد نجحوا في إبطاء فرض بعض التعريفات الجمركية الجديدة ومنع ترامب من الانسحاب السريع من الاتفاقيات التجارية.

 

لكن بحلول منتصف عام 2018، ترك كبار المسؤولين دعاة العولمة الإدارة، وكان القوميون، وعلى رأسهم الرئيس نفسه، في موقع القيادة. ترامب لديه وجهة نظر مشوهة للغاية عن التجارة الدولية والمفاوضات الدولية. ينظر إلى التجارة على أنها لعبة خاسرة، لعبة ربح أو خسارة، يشدد على الصفقات التي تتم لمرة واحدة حتى ولو على حساب العلاقات الدولية،  ويتمتع بالعائدات المالية الناشئة عن التعريفات الجمركية الجديدة، ويعتمد على سياسة حافة الهاوية والتصعيد والتهديدات على حساب الدبلوماسية. أوضح الرئيس أنه يحب التعريفات الجمركية “الحروب التجارية جيدة وسهلة الفوز” وأنه يريد المزيد منها “أنا رجل التعرفة الجمركية”.

 

على الرغم من أن الدافع وراء سياسة الولايات المتحدة على مدى السنوات السبعين الماضية كان متابعة الاتفاقات لفتح التجارة وتقليص الحواجز، فقد استخدم كل رئيس خلال هذه الفترة تدابير حمائية لمساعدة صناعات معينة لأغراض سياسية. على سبيل المثال، توج الرئيس رونالد ريغان رئاسته بتحديد الواردات من صناعات السيارات والصلب أثناء أسوأ فترة ركود في الولايات المتحدة منذ الكساد العظيم. ومع ذلك، تتمتع رئاسة ترامب بفترة من النمو الاقتصادي القوي، وانخفاض معدل البطالة، والغياب الفعلي للضغط الحمائي من الصناعة أو العمل. ومع ذلك ، فقد فرضت إدارته تعريفات جمركية أكثر من معظم سابقاتها من الادارات.

 

لنأخذ صناعة الصلب على سبيل المثال، على الرغم من أنه لا يوجد شيء غير مألوف حول صناعة الصلب (إلى جانب الألومنيوم) والحصول على الحماية الحكومية، إلا أن الصناعة تحتفظ بوجود دائم في واشنطن وكانت مستفيدة من القيود التجارية منذ إدارة جونسون في نطاق الحماية المقدمة، إلا أن الطريقة الحمائية التي منحتها إدارة ترامب العام الماضي كانت غير عادية. من أجل تجنب المراجعة الإدارية من قبل وكالات مستقلة مثل لجنة التجارة الدولية الأميركية غير الحزبية وشبه القضائية، نزع البيت الأبيض الغبار عن المادة 232 من قانون التوسع التجاري لعام 1962. يمنح قانون الحرب الباردة هذا الرئيس سلطة فرض قيود على الواردات إذا وجدت وزارة التجارة أنها تهدد بإلحاق الأذى بصناعة محلية تعتبرها الحكومة حيوية للأمن القومي.

 

كانت مسوغات الأمن القومي لإدارة ترامب ضعيفة في هذا المجال. حيث تم إنتاج أكثر من 70 في المائة من الصلب المستهلك في الولايات المتحدة محليًا، وكانت الحصة المستوردة مستقرة وثابتة، ولم يكن هناك تهديد بحدوث زيادة كبيرة. جاءت معظم الواردات من كندا وألمانيا واليابان والمكسيك وحلفاء آخرين، مع جزء صغير فقط من الصين وروسيا، وذلك بفضل قوانين مكافحة الإغراق المطبقة بالفعل على تلك البلدان. الوظائف في صناعة الصلب في الولايات المتحدة كان يتقلص باطراد، لكن هذا كان بسبب التقدم التكنولوجي أكثر من انخفاض الإنتاج أو الواردات. في الثمانينيات على سبيل المثال، استغرق الأمر عشر ساعات لإنتاج طن من الصلب؛ اليوم يستغرق ما يزيد قليلاً عن ساعة واحدة. حتى أن وزارة الدفاع كانت قد شككت في دوافع الأمن القومي التي استخدمها البيت الأبيض.

الصلب على رصيف في أونتاريو ، كندا ، سبتمبر 2017

 

امتنعت الإدارات السابقة عن التذرع بمبررات الأمن القومي خشية أن تتحول إلى ثغرة حمائية لم يتم التحقق منها وأن البلدان الأخرى سوف تسيء استخدامها. في إشارة إلى أن هذه المخاوف قد تتحقق، وقفت إدارة ترامب مؤخرًا إلى جانب روسيا قائلة إن مجرد الاحتجاج بالأمن القومي يكفي لهزيمة أي تحدٍ تواجهه منظمة التجارة العالمية أمام أي حاجز تجاري. يتعارض هذا التعامل مع 75 عامًا من الممارسة، ويتعارض كذلك مع ما جادله المفاوضون الأميركيون عندما أنشأوا نظام التجارة العالمي في الأربعينيات.

 

رفضت إدارة ترامب كل تلك المخاوف. أراد الرئيس والمسؤولون البارزون بشدة مساعدة صناعات الصلب والألومنيوم. (لم يمنع أن  يكون ويلبر روس وزير التجارة، وروبرت لايتيزر الممثل التجاري للولايات المتحدة، وكلاهما كانا يعملان في صناعة الصلب). اعتقدت الإدارة أيضًا أن استعدادها لفرض أذى اقتصادي على شكل أسعار فولاذ و ألومنيوم أعلى للمصنعين المحليين من شأنه أن يرسل إشارة قوية إلى الدول الأخرى حول التزام الإدارة بالقومية الاقتصادية.

 

كما ذهب ترامب بعيداً إلى حد فرض رسوم على واردات الصلب والألومنيوم من كندا، وهو الأمر الذي عارضته حتى الصناعة المحلية ونقابات العمال. على مدار الثلاثين عامًا الماضية، تحولت صناعات الصلب والألمنيوم في الولايات المتحدة إلى صناعات في أمريكا الشمالية، حيث يتدفق الصلب الخام والألمنيوم بحرية ذهابًا وإيابًا بين المصانع الكندية والأمريكية. ويمثل الاتحاد نفسه العمال على جانبي الحدود. بالإضافة إلى عدم وجود مبررات اقتصادية، استهدف كندا الحليفة القوية يبدو كمحاولة الابتعاد عنها، ويبدو أنه إجراء  لا معنى له من الناحية السياسية.

 

أخطأت الإدارة أيضا في حسابات رد الفعل الأجنبي ضد التعريفات الجمركية الاضافية. وقال نافارو، المستشار التجاري الحمائي للرئيس، لفوكس نيوز في 2018: “لا أعتقد أن هناك أي دولة في العالم ستنتقم لسبب بسيط هو أننا السوق الأكبر والأكثر ربحًا في العالم”. يبدو أن نافارو لا يعلم أن البلدان الأخرى لديها صقور تجاريين أيضا. ردت كل من كندا والصين والمكسيك والاتحاد الأوروبي ودول أخرى بشدة على الجمارك، عبر فرض جمارك اضافية على الصادرات الزراعية الأمريكية إلى حد كبير. في الواقع، عرّضت الإدارة رفاهية 3.2 مليون مزارع أمريكي من أجل مساعدة 140،000 من عمال الصلب الأمريكيين، وهي خطوة مستغربة بالنظر إلى اعتماد ترامب الانتخابي على الولايات الزراعية في الغرب الأوسط الأميركي.

 

إذا كان الهدف هو إطلاق رصاصة عبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، فقد نجحت التعريفات الجمركية في تحقيق هدفها. كانت الحكومات الأجنبية في حالة تأهب مفاجئ من استعداد الولايات المتحدة للتخلي عن القواعد الموضوعة للسياسة التجارية العالمية. أصر البيت الأبيض على أن “الأمن الاقتصادي هو الأمن القومي الاميركي”. ومع ذلك، فإن استخدام الأمن القومي يفتح الباب أمام الحمائية غير المقيدة. وهكذا عندما قدمت إدارة ترامب، في منتصف عام 2018، قضية أمنية وطنية أخرى للتعرفة الجمركية، هذه المرة على السيارات المستوردة مقزمة موردي الصلب والألومنيوم مجتمعين،  وصل الخوف في الخارج إلى مستوى جديد. على الرغم من أن الإدارة أعلنت مؤخرًا أنها ستؤخر أي تعريفات جمركية جديدة على السيارات، إلا أن التهديد لا يزال قائماً. إن عواقب فرض مثل هذه الضريبة الكبيرة على قطعة منزلية رئيسية للمستهلك الأميركي، مع العلم بأنه سيكون هناك ثأرًا سريعًا وثقيلًا من الدول المستهدفة، و يبقى القرار في يد الإدارة.

 

امتدت حماسة الرئيس لتهديدات التعريفة الجمركية إلى قضايا خارج نطاق التجارة العالمية. في مايو الماضي، طلب ترامب فجأة من المكسيك وقف تدفق المهاجرين إلى الولايات المتحدة أو المخاطرة بمواجهة تعريفة جمركية جديدة بنسبة 25 في المائة. طالما ظل ترامب في منصبه، لا يمكن لأي دولة، حتى تلك الدولة التي تفاوضت للتو على اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة مثل المكسيك، أن تكون واثقة من أنها لن تكون هدفًا لها مستقبلاً.

 

إعادة تفاوض غير مجدية

 

خلال الحملة الانتخابية لعام 2016، اشتكى ترامب من أن NAFTA كانت “أسوأ صفقة تجارية على الإطلاق”، وهو موضوع استمر في طرحه وهو في منصبه. تحدث مستشاريه معه إلى عدم الانسحاب من الاتفاق، لكن ترامب أصر على إعادة التفاوض عليه وشرع في جعل عملية إعادة التفاوض مثيرة للجدل دون داع. قدمت الإدارة مطالب غريبة لطرفي الاتفاق كندا والمكسيك، بما في ذلك أن الصفقة يجب أن تؤدي إلى تجارة متوازنة وعلى أن تشمل الفقرة التي يمكن أن تنهي الاتفاقية بعد خمس سنوات، وبالتالي استبعاد القضاء على فوائد عدم اليقين فيما يخص الاتفاق.

 

توصلت الدول الثلاث أخيرًا إلى اتفاق جديد في سبتمبر الماضي. يطلق عليه بشكل غير متصور اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) ، وهو عبارة عن إعادة كتابة اتفاق نافتا. إنه يحافظ على متطلبات اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA) المعفي من الرسوم الجمركية، ويفتح أسواق الألبان الكندية قليلاً أمام المزارعين الأميركيين ، ويتضمن مجموعة من الأحكام الجديدة من TPP (كانت الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) المحور الاستراتيجي للرئيس باراك أوباما في آسيا. قبل أن تنسحب الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد في العام 2017، كان من المقرر أن تصبح TPP أكبر صفقة تجارة حرة في العالم ، تغطي 40 في المائة من التجارة العالمية- إضافة من المترجم).

 

كانت إعادة التفاوض في بعض النواحي ممارسة غير ضرورية. كانت اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA) اتفاقية سليمة، لم يستطع أي شخص في الإدارة تحديد ما جعلها صفقة فظيعة،  وتم إصلاح الكثير من أوجه القصور فيها في اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ TPP، والتي انسحب منها ترامب في عام 2017. لكن التناقض بين الخطاب العدائي لترامب على نافتا والواقع الناعم لل USMCA يعطينا اضاءة حقيقة عن نهج الرئيس فيما يخص التجارة. ترامب لا يحب بعض المخرجات الأساسية لنهجه، بما في ذلك العجز التجاري وفقدان بعض الصناعات. ولكن بدلاً من معالجة الأسباب الكامنة وراءها، والتي لا علاقة لها باتفاقات تجارية محددة، فإنه يختار التجارة المدارة أو استبدال التدخلات الحكومية بقوى السوق أو القواعد الجديدة، على سبيل المثال أنه يشترط أن تصنع نسبة أكبر من المركبات في الولايات المتحدة حتى تدخل المكسيك بدون رسوم جمركية، وبالتالي فرض المخرج المفضل بالنسبة له من هذه السياسة التجارية. الهدف ليس تحرير التجارة أكثر ولكن تقييد التجارة وفقًا لأهواء ترامب.

 

تم تعطيل الـ USMCA حاليًا في الكونغرس، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الإدارة لم تستند إلى  دعم الكونغرس لإعادة التفاوض على NAFTA في المقام الأول. لكن في حالة وفاة USMCA في نهاية المطاف كما أضاف ترامب بخصوص انتهائها بعد خمس سنوات، لن تفوت كندا ولا المكسيك الفرصة الان.  وشعرت الدولتان بالحاجة إلى توقيع الصفقة لمجرد التغلب على عدم اليقين الناشئ عن تهديدات ترامب بالانسحاب من نافتا، وكذلك لإحباط الفرصة لفرض رسوم جمركية على صناعة السيارات.

ترامب مع الرئيس المكسيكي إنريك بينيا نييتو ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في توقيع مؤتمر القيادة العامة الأمريكية في بوينس آيرس ، نوفمبر 2018

كما وافقت كل من اليابان والاتحاد الأوروبي لإجراء محادثات تجارية مع الإدارة، إلى حد كبير لتأخير تعريفات ترامب الجمركية على السيارات لأطول فترة ممكنة. من بين الطرفين، من المرجح أن توافق اليابان على صفقة، بعد كل شيء، تفاوضت على اتفاقية تجارية مع إدارة أوباما كجزء من TPP. لكن من غير المرجح أن يفعل الأوروبيون ذلك، ليس فقط بسبب النزاعات على المنتجات الزراعية ولكن أيضًا بسبب عدم شعبية ترامب في جميع أنحاء أوروبا. لكن الأوروبيين يأملون في أنهم بموافقتهم على الحديث مع الادارة، يمكنهم تأجيل جمارك ترامب على السيارات وربما ينفد وقت هذه الإدارة.

 

سوف تفتقدونني عندما أغادر

 

الحمائية التجارية هي عامل إيذاء ذاتي. لكن إدارة ترامب تقوم أيضًا بإلحاق ضرر أوسع ودائم بالنظام والقواعد التجارية القائمة. ظهر هذا النظام من رماد الحروب التجارية في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما غذت الحمائية والكساد الاقتصادي صعود الفاشية، وعقدت الحكومات الأجنبية صفقات قطعت الطريق على المصالح التجارية للولايات المتحدة في الأسواق الرائدة في العالم. في عام 1947، استجابت الولايات المتحدة بقيادة المفاوضات الرامية إلى إنشاء سلف منظمة التجارة العالمية، وهو الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة، الذي حد من تدخل الحكومة التعسفي في التجارة ووفر قواعد لإدارة النزاعات التجارية. في ظل هذا النظام، تراجعت الحواجز التجارية تدريجياً وساهم نمو التجارة في الازدهار الاقتصادي العالمي.

 

قادت الولايات المتحدة النظام بان تكون المثال الذي يجب الاحتذاء به، ولكنها لم تعد كذلك. هدد ترامب بمغادرة منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي تشير أفعاله وقراراته السابقة إلى أنه أكثر من مجرد خطاب تصعيدي. ويقول إن الاتفاقية ظالمة ضد الولايات المتحدة. تدين الإدارة الأميركية منظمة التجارة العالمية عندما تجد المنظمة ممارسات أميركية تنتهك قواعد التجارة الدولية لكنها، أي الادارة، تتجاهل الحالات العديدة التي تغاضت عن ممارساتها. على الرغم من أن نظام تسوية المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية يحتاج إلى إصلاح، إلا أنه نجح في نزع فتيل النزاع التجاري منذ تأسيسه منذ أكثر من عقدين.

 

إن هجمات ترامب على منظمة التجارة العالمية تتجاوز الخطابة الكلامية. حيث منعت الإدارة التعيينات في هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة العالمية، التي تصدر أحكاماً بشأن النزاعات التجارية؛ بحلول شهر ديسمبر إذا لم يتغير أي شيء، سيكون هناك عدد قليل للغاية من القضاة للفصل في أي قضايا جديدة. عندما يحدث ذلك، سيختفي نظام تسوية المنازعات الذي تعتمد عليه الدول الكبيرة والصغيرة والغنية والفقيرة لمنع المناوشات التجارية من أن تتحول إلى حروب تجارية. هذا أكثر من مجرد انسحاب للقيادة الأميركية. إنه تدمير نظام يعمل على الحفاظ على السلام التجاري.

 

هذا أمر غير مرحب به بشكل خاص لأن الكثير من التجارة العالمية لا علاقة له بالولايات المتحدة. يحل النظام النزاعات بين كولومبيا وبنما وتايوان وإندونيسيا وأستراليا والاتحاد الأوروبي. تتم تسوية معظم النزاعات دون الانتقام أو التصعيد. أنشأت منظمة التجارة العالمية مجموعة من القوانين التي تضمن المزيد من القدرة على التنبؤ في التجارة الدولية. النظام الذي تديره يعمل لصالح الولايات المتحدة مع تحرير البلاد من الاضطرار إلى مراقبة التجارة العالمية بمفردها.

 

نظام تسوية النزاعات ليس كاملاً. ولكن بدلاً من تقديم مقترحات بناءة حول كيفية تحسينه، وهو ما تفعله كندا وآخرون الآن، فقد قررت الولايات المتحدة عدم الانخراط. و قد ينتهي الأمر بإدارة ترامب إلى تدمير النظام القديم دون صياغة لنظام بديل.

 

ماذا سيحدث بعد ذلك؟ في أسوأ السيناريوهات، سوف تهيمن على النظام التجاري العالمي الكتل التجارية المتميزة وبالتالي يرفع تكاليف التجارة، ويجعل المفاوضات التجارية أكثر صعوبة، ويشجع على الانتقام. الحجم والقوة الاقتصادية، وليس المبادئ أو القواعد، ستحدد نتيجة النزاعات التجارية. سيضر مثل هذا النظام بالبلدان الأصغر والأضعف وقد يدفعها إلى التوافق مع الدول الأكثر قوة للحفاظ على الذات. كان هذه هو التوجه في ثلاثينيات القرن الماضي والذي أجبر الولايات المتحدة على إنشاء نظام تداول لما بعد الحرب. وقد أدى عدم الالتزام بقواعد التجارة التي بدأت في السبعينيات إلى جعل الولايات المتحدة تضغط من أجل إنشاء نظام أكثر فاعلية لتسوية المنازعات في التسعينيات، مما أدى إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية. بالنسبة لواشنطن هدم النظام التجاري الذي خلقته سيكون مأساة.

 

فك الارتباط الواعي

 

الأثر الأكبر للسياسة التجارية لإدارة ترامب كان واضحا في تعاطيها مع الصين. في أوائل عام 2018، أصدرت تقريرًا مطولًا يوثق سلسلة من المخاوف بشأن الممارسات التجارية الصينية. كانت الصين تجبر الشركات الأميركية على إقامة مشاريع مشتركة مع الشركات المحلية للوصول إلى مستهلكيها البالغ عددهم 1.4 مليار. هذه الزيجات المدبرة سمحت للصين بالحصول على التكنولوجيا الأميركية. في بعض الأحيان، تقوم الشركات بتسليمها طوعا من أجل الحصول على دعم المشرعين، وفي بعض الأحيان تقوم بترخيصه بأقل من أسعار السوق، وأحيانًا تقوم الشركات أو الجواسيس الصينيون بسرقتها.

 

إلى جانب بعض المخاوف الاقتصادية الكامنة وراء فرض جمارك على الصلب والألمنيوم من قبل الولايات المتحدة، الصناعات الصينية المدعومة حكوميا، والمؤسسات المملوكة للدولة، والطاقة الإنتاجية الزائدة، والفشل في التحول بشكل كامل إلى اقتصاد السوق،  قائمة المظالم الأميركية هذه خلقت وصفة للمواجهة الاقتصادية. وكانت النتيجة هي التعريفات الجمركية والتعريفات الجمركية المضادة على تجارة بقيمة 360 مليار دولار بين البلدين، وهو رقم غير مسبوق.

 

افترض العديد من المراقبين أن إدارة ترامب أرادت ببساطة الحصول على صفقة أفضل مع الصين. لكن ما يشكل صفقة أفضل كان امراً غامضًا دائمًا. إذا كان الشاغل الرئيسي هو العجز التجاري الثنائي، يمكن أن تتعرض الصين لضغوط لمواصلة الإنفاق الهائل، وشراء فول الصويا ومنتجات الطاقة الأميركية. إذا كان الأمر يتعلق بسرقة الملكية الفكرية، فقد يتم إقناع الصين بتغيير بعض القوانين والالتزام بالمعايير الدولية.

 

ومع ذلك ، فقد أصبح من الواضح أن الإدارة لا تريد صفقة دائمة، أو على الأقل أي صفقة ذات مسار صريح قد تقبله الحكومة الصينية. حتى إذا توصل ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ إلى اتفاق سطحي وركيك، فمن غير المرجح أن يكون الأمر أكثر من هدنة مؤقتة فيما أصبح الآن حربًا تجارية دائمة. يبدو أن هدف الإدارة ليس أقل من التحول الفوري والكامل للاقتصاد الصيني أو الكساد، مع توقع الكساد كنتيجة محتملة. لإرضاء الولايات المتحدة، يتعين على الصين وضع حد لعمليات النقل القسري للتكنولوجيا، والتوقف عن سرقة الملكية الفكرية، والحد من الإعانات المالية للشركات المملوكة للدولة، والتخلي عن السياسات الصناعية المصممة لاكتساب الهيمنة التكنولوجية، والتوقف عن مضايقة الشركات الأجنبية العاملة في الصين. والبدء في فتح الأسواق والتي قامت الحكومة باغلاقها عمدا لمنح السيطرة للشركات المحلية. بمعنى آخر، تريد الولايات المتحدة من الصين تحويل نظامها الاقتصادي الذي تسيطر عليه الدولة إلى نظام قائم على السوق بين عشية وضحاها.

 

ربما يكون مثل هذا التغيير في مصلحة الصين، لكن تغيير النظام الاقتصادي هو مطلب من بلد لبلد اخر. تحافظ قيادة الحزب الشيوعي على سيطرتها عن طريق الحفاظ على السيطرة على جميع جوانب الاقتصاد الصيني. إن فقدان هذه السيطرة سيعرض قبضتها على السلطة السياسية للخطر، لا أحد يتوقع بجدية أن يتنازل قادة الصين عن السيطرة على الاقتصاد لمجرد تهديدات الولايات المتحدة.

 

إدارة ترامب قد لا تتوقع منهم ذلك؛ ربما كانت تطلب منهم طوال الوقت شيء يعرفون أن الصين لا تستطيع تقديمه. إذا كان الأمر كذلك، فإن الهدف لم يكن صفقة اقتصادية شاملة؛ كان الهدف هو التعريفات الجمركية نفسها. وذلك لسبب واحد، إذا كانت الإدارة جادة بشأن الحصول على صفقة من الصين، لكانت قد زادت إلى الحد الأقصى من نفوذها عن طريق الجمع بين اليابان والاتحاد الأوروبي، وكلاهما لديه مخاوف اقتصادية مماثلة. في الواقع بذلت اليابان والاتحاد الأوروبي جهودًا كبيرة للعمل مع الإدارة عندما تعلق الأمر بالصين.  ولكن معظم هذه الجهود قد تم رفضها غالباً.

 

كانت هناك تلميحات من البداية بأن الإدارة الأميركية لم تبحث أبدًا عن صفقة من شأنها أن تنهي حقًا الحرب التجارية. في عام 2017، أوضح نافارو وجهة نظر الإدارة بأن التجارة مع الصين تهدد الأمن القومي الأميركي. كما قد لمح ايضاً أنه أراد أن يقطع سلسلة الإمداد التجاري التي تربط الولايات المتحدة والصين معًا. في حينه، رفض البعض هذه التوجه باعتباره توجه غريب الأطوار ومارق. الآن الولايات المتحدة على وشك فرض رسوم جمركية على جميع الواردات من الصين، الخطوة الأولى نحو هدف نافارو. لقد تغلبت الجغرافيا السياسية على الاقتصاد.

 

هذه ليست حمائية تجارية بمعنى أنها محاولة لمساعدة صناعة محلية في كفاحها ضد الواردات. الهدف أوسع بكثير وأكثر أهمية:  وهو الفصل الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين. من شأن ذلك أن يمثل تفكيكا تاريخياً للاقتصاد العالمي. إنه سيمثل، على حد تعبير وزير الخزانة السابق هنري بولسون، سقوط “الستار الحديدي الاقتصادي” بين أكبر اقتصادين في العالم. إن مثل هذا الفصل من شأنه أن تترتب عليه آثار في السياسة الخارجية والأمن القومي تتجاوز بكثير العواقب الاقتصادية.

 

الابتعاد بين الاقتصادين يحدث فعليًا في بعض النواحي. لم يعد الطلاب والعلماء من الصين موضع ترحيب في الولايات المتحدة كما كانوا من قبل. استثمارات الصين الضئيلة بالفعل في الاقتصاد الأميركي تخضع الآن لمزيد من التدقيق من قبل وكالات الأمن القومي. تشدد الإدارة ضوابط التصدير، وتحد من كيف ومع من يستطيع الأميركيون مشاركة اختراعاتهم، خاصة في المجالات المتطورة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة والتصنيع المضاف. هذا لن يمنع الصين من الحصول على تكنولوجيا أفضل، الشركات الألمانية واليابانية والكورية الجنوبية سوف تملأ الفراغ بكل بساطة. سيؤدي وضع هذا الأمر بمفرده إلى وضع الاقتصاد الأميركي في وضع غير مؤات.

ترامب وشي في قمة اقتصادية في بكين ، نوفمبر 2017

معظم المؤيدين التقليديين للتجارة الحرة ليسوا ساذجين إلى درجة الاعتقاد بأن على الولايات المتحدة أن تتسامح مع سلوك الصين التجاري السيئ طالما استمرت السلع الرخيصة في التدفق إلى الولايات المتحدة. الصين كما يتفق الجميع، تخالف قواعد التجارة. لكن النهج الأحادي الجانب لإدارة ترامب ليس هو الحل الصحيح، سيكون الرد الأفضل هو تحديد الحالات المحددة التي انتهكت فيها الصين الاتفاقيات الدولية ثم بالاتفاق مع الشركاء التجاريين والحلفاء يتم تقديم دعاوى أمام منظمة التجارة العالمية للنظر في هذه الخروقات. (هذا ليس تكتيكًا ميئوسًا منه كما قد يبدو، لقد التزمت الصين بالنتائج التي توصلت إليها منظمة التجارة العالمية بشكل مدهش في كثير من الأحيان.) حيث لم تنتهك الصين بشكل صريح الاتفاقات، لا يزال بإمكان واشنطن فرض عقوبات على الممارسات التجارية غير العادلة، ويفضل أن يكون ذلك مع بلدان أخرى لممارسة أقصى ضغط ممكن، ومن جانب واحد إذا كان هذا هو الخيار الوحيد المتاح.

 

تتمثل الخطوة النهائية لسياسة تجارية معقولة تكون في الانضمام إلى الاتفاق الشامل للشراكة عبر المحيط الهادئ، وهي الصفقة التجارية المنقحة التي أبرمها الأعضاء المتبقين في TPP بعد الانسحاب الأمريكي. إن الانضمام إلى CPTPP (الاتفاقية الشاملة للشراكة عبر المحيط الهادئ ، والمعروفة أيضًا باسم TPP11 أو TPP-11، هي اتفاقية تجارية بين أستراليا و بروناي وكندا وتشيلي واليابان وماليزيا والمكسيك ونيوزيلندا وبيرو وسنغافورة وفيتنام – إضافة من المترجم)، سيؤسس لمنطقة كبيرة من قواعد التجارة المواتية للولايات المتحدة وغير المواتية للاقتصاد الصيني. ومن شأن ذلك أن يساعد الصين على استئناف تقدمها نحو الإصلاح الاقتصادي. سوف ينظر المؤرخون إلى الوراء على قرار ترامب السريع بالانسحاب من TPP باعتباره خطأ فادحًا.

 

إذا كانت إدارة ترامب تريد حقًا فصل الولايات المتحدة والاقتصاد الصيني، فسيتعين عليها دفع ثمن اقتصادي. ترامب ينكر أن استراتيجيته الاقتصادية لها تكاليف، حيث يقول إن الصين تدفع الرسوم الجمركية. “أنا سعيد للغاية بأكثر من 100 مليار دولار في السنة من خلال التعرفة الجمركية التي تملأ خزائن الولايات المتحدة”، هكذا قال في شهر مايو. ولكن هذا هراء، حيث تظهر الأبحاث أن الشركات تنقل تكلفة الرسوم الجمركية إلى المستهلكين الأميركيين. والمصدرون الأميركيون، وخاصة المزارعين الذين يواجهون خسارة الأسواق بسبب الانتقام الصيني، يدفعون الثمن أيضًا. وكذلك الحال بالنسبة لدافعي الضرائب الأميركيين، الذين عليهم تحمل عشرات مليارات الدولارات اللازمة لإنقاذ القطاع الزراعي المتداعي.

 

ما إذا كان ترامب يعي هذه التكلفة العالية امر غير واضح، ولكن من الواضح أن الاعتبارات الاقتصادية بالنسبة له ليست سياسة دافعة. إن استعداد الرئيس للنظر إلى ما بعد الركود في سوق الأوراق المالية ومواصلة حشر الصين تدل على أنه مستعد لدفع ثمن اقتصادي، مهما قال في العلن. بالنسبة لشخص يعتمد إعادة انتخابه على الحفاظ على اقتصاد قوي، فهذه مقامرة جريئة.

 

الضرر وقع بالفعل

 

إذاكان ترامب رئيسًا لولاية واحدة، فسوف تتاح للإدارة القادمة فرصة لعكس العديد من السياسات التجارية لسلفها، إلغاء التعريفات الجمركية على الصلب والألومنيوم، وإصلاح العلاقات مع شركاء نافتا في الولايات المتحدة، والانضمام إلى CPTPP، وتحسين منظمة التجارة العالمية. لن يساعد ذلك في استعادة مصداقية الولايات المتحدة على الساحة العالمية فحسب، بل سيمكّن أيضًا البلدان الأخرى من الغاء الرسوم الجمركية الانتقامية على الصادرات الأميركية، مما يساهم في مساعدة المزارعين الذين يعانون. ولكن إذا فاز ترامب في إعادة انتخابه واستمر في السير على طريقة القومية الاقتصادية، فمن المحتمل أن استمرار الصراع التجاري، وربما تكثيفه، وهذا سيدمر النظام التجاري العالمي. والحاق أضرار لا تحصى بالاقتصاد العالمي.

 

على الرغم من أن العديد من سياسات ترامب يمكن عكسها، إلا أن الرسوم الجمركية المفروضة على الصين هي شيء مختلف. أي إدارة مستقبلية ستواجه صعوبة في إزالتها دون تنازلات كبيرة من القيادة الصينية وإيجاد طريقة لتخفيف مخاوف الأمن القومي المتزايدة التي تهيمن الآن على العلاقات الثنائية. قد تكون الإدارة الديمقراطية المستقبلية أكثر ميلاً لتغيير المسار. عارض العديد من الديمقراطيين TPP ويدعمون بشكل كبير موقف الرئيس المناهض للصين. في شهر مايو، قام زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الديموقراطي من نيويورك، بتغريد دعمه لترامب على الصين، وحثه على “اشنق بشدة” وعدم قبول صفقة سيئة مع الصين. قبل أكثر من عقد من الزمان، أيد شومر وزملاؤه في مجلس الشيوخ فرض تعريفات جمركية أعلى على البضائع الصينية من تلك التي فرضها ترامب، على أساس أن الصين كانت تبقي عملتها منخفضة بشكل مصطنع لزيادة الصادرات. المخاوف بشأن حقوق الإنسان ستدفع الديمقراطيين لمواجهة الصين مستقبلا. على الرغم من إن حشر الصين لأكثر من مليون من اليوغور المسلمين في غرب الصين في معسكرات اعتقال، إلا أنه لم يكن عاملاً في المفاوضات التجارية لإدارة ترامب، ولكن يمكن أن تكون هذه القضية محورا مهما في إدارة مستقبلية.

 

غالبًا ما يوصف نظام التجارة العالمي الذي ساعدت الولايات المتحدة على تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية على أنه نظام متعدد الأطراف. لكنه لم يكن نظامًا عالميًا؛ تألف في الأساس من عدد صغير من الاقتصادات الغربية ذات التوجه السوقي واليابان واستبعدت الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية ودول شيوعية أخرى. كان هذا الانقسام أكبر من انقسام سياسي. الاختلافات بين اقتصاديات السوق الحر والاقتصاديات الأخرى كبيرة. في اقتصاد السوق، يتعين على الشركة التي تخسر المال أن تتكيف أو تفلس. في ظل رأسمالية الدولة، تحصل الشركات المملوكة للدولة على إعانات للحفاظ على الإنتاج وتوفير الوظائف، مما يجبر الشركات غير المملوكة للدولة، في الداخل أو الخارج، على اتخاذ خطوات مؤلمة لبقاء استمرارها. إدارة ترامب مع الصين، وهي تتراجع عن الإصلاحات المؤيدة للسوق الحر، ربما تقوم بإعادة العالم إلى القاعدة التاريخية المتمثلة في الكتل السياسية والاقتصادية.

 

سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية فتح أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق أمام الأسواق العالمية. إصلاحات دنغ شياو بينغ فعلت الشيء نفسه بالنسبة للصين. ولكن فقط في اللحظة الأحادية القطب، التي بدأت في عام 2001، عندما انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية، كانت الأسواق المفتوحة عالمية بالفعل. الآن قد تكون الرأسمالية العالمية تقترب من نهايتها. ما اعتقده الكثيرون هو الوضع الطبيعي الجديد للأسواق العالمية قد يكون هو الانحراف القصير الأمد.

 

* زميل أقدم في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي.

** أستاذ الاقتصاد في كلية دارتموث ومؤلف كتاب “الصدام على التجارة.. تاريخ السياسة التجارية للولايات المتحدة”.

رابط المقال الأصلي هنا