«التوافق والتنازل».. الرهان الأخير للمشهد السياسي في تونس

في مواجهة  هواجس «تشتت الأصوات»، يبدو أن  سوق التنازلات بين «الرؤساء المحتملين»، من المترشحين للانتخابات الرئاسية، سوف  تنتعش في تونس، وفقا لتطلعات الدوائر السياسية التي تراهن على «التوافق والتنازل»، وفرضيات التحالف والتوافق الممكنة بين بعض المترشحين، وبعد أن دفع «مزاد التزكيات البرلمانية»، وتعدد الترشحات للانتخابات الرئاسية الى ضرورة التنبيه من مخاطر تشتت الأصوات، في الدور الاول من الانتخابات الرئاسية في ظل ارتفاع عدد الترشحات رغم وجود مترشحين ينتمون الى العائلة السياسية او الفكرية نفسها.

  • وأصبح التساؤل المطروح وبالحاح، بسبب تعدد الترشحات والخوف من تشتت الأصوات..هل تتوافق كل عائلة سياسية على مرشح وحيد؟

 

خطر تشويه العملية الانتخابية

لقد بات من شبه المؤكد وفق عدد من المراقبين أن يحصل تشتت ملحوظ لأصوات الناخبين، وهذا التشتت سيشوه العملية الانتخابية والتجربة الديمقراطية برمتها، وهو ما يستدعي ايجاد حل لهذا الخطر ـ وفق تقرير صحيفة الشروق التونسية ـ ويبدو الحل الأمثل في رأي كثيرين هو إيجاد صيغة للتوافق بين المترشحين من أجل دعم عدد صغير منهم فقط لخوض غمار الدور الأول. والحل الأمثل للتوافق هو توزع المترشحين على مجموعات تمثل كل مجموعة عائلة سياسية أو فكرية معينة ثم تتوافق كل مجموعة على مرشح وحيد في الدور الأول، وبذلك ينخفض عدد المترشحين وتكون العملية الانتخابية غير مشوهة بكثرة الترشحات وبتشتت الأصوات. وهو ما دعا إليه مثلا المختص في الشان الانتخابي والعضو السابق بهيئة الانتخابات سامي بن سلامة.

 

 تشتت الطيف السياسي

ومن جانبه كشف القيادي بحزب التكتل، مصطفى بن جعفر، أنه اتصل ببعض الاحزاب لكنه لم يجد تفاعلا أو نية منها للذهاب إلى الانتخابات بمرشح وحيد، وأكد انه توجد  فرصة للتدارك أمام العائلة الوسطية لاختيار مرشح وحيد..ويرى المرشّح للانتخابات والرئيس السابق منصف المرزوقي، أن هناك تشتتا كبيرا في الطيف السياسي، وأن التونسيين تائهون  بين الأسماء ـ وفق تعبيره ـ واكد المرزوقي وجوب تجميع العائلة الديمقراطية والاجتماعية،  وأن لديه اتصالات ببعض المترشحين على غرار قيس سعيد وسيف الدين مخلوف للتوافق حول مرشح وحيد  للعائلة الديمقراطية، و«هناك وعي أنه قبل الدور الأول أو بعد الدور الأول يتم التوصل إلى حل» وذلك في إشارة إلى أن عددا من المرشّحين سيسحبون ترشحاتهم لفائدة مرشح وحيد..وفي نفس السياق طالب عدد من مكونات العائلة اليسارية، بدعم مرشح وحيد من بين ممثليهم في هذه الانتخابات، أبرزهم منجي الرحوي، وحمة الهمامي، وعبيد البريكي.

  • وداخل المشهد الانتخابي في تونس، فإن المترشحين للانتخابات الرئاسية ينتمون الى عائلات سياسية وفكرية مختلفة مثل: العائلة الإسلامية، والعائلة الدستورية، والعائلة اليسارية، وتجمع كثيرا منهم ما يسمى بالعائلة الوسطية.

 

هل يتحقق التوافق حول أقل عدد ممكن من المترشحين ؟

ويشير ـ أيضا ـ المحلل السياسي التونسي، فاضل الطياشي، إلى ما يتردد بين  مراقبين ومترشحين وناخبين، عن ضرورة حصول التوافق حول أقل عدد ممكن من المترشحين خاصة في الدور الأول، حتى يكون التنافس قويا، لكن يبقى المشكل في تحويل هذه الأمنيات على أرض الواقع، وهو ما ستكشفه الأيام القادمة لا سيما قبل الموعد المحدد لسحب الترشحات، بينما يتوقع عدد من المراقبين، بإمكانية توافق بعض المترشحين حول المترشح عبد الكريم الزبيدي، وزير الدفاع المستقيل.. وداخل حركة النهضة الممثلة في هذه الانتخابات بحوالي 4 مرشحين قريبين منها، بدأت تحركات بهدف التوافق على مترشح واحد حتى تتحقق إمكانية فوزه برئاسة الجمهورية.

 

«موضة سياسية» جديدة  داخل المشهد السياسي التونسي

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، سرحان الشيخاوي، أن تنازل مرشّح للانتخابات الرئاسية، لصالح مرشّح آخر «موضة سياسية» جديدة تؤثث المشهد السياسي التونسي، تفتقر للوجاهة المنطقية، خاصة وأن فترة الترشح لسباق الرئاسيات سبقتها فترات من النقاشات في سياق محاولات التجميع سواء في سياق أحزاب كبرى أو تحالفات انتخابية وباءت جميع المحاولات بالفشل بسبب عقلية «الزعامة» التي تُميّز أغلب الفاعلين السياسيين في تونس.. وأضاف: إن عدم التوصل إلى توافقات في ما يتعلّق بالانتخابات التشريعية سواء في سياق صياغة قائمات انتخابية مشتركة او تأسيس جبهات انتخابية أو التجمع في أحزاب كبرى.. كان متبوعا بفشل التوصل إلى مترشحين توافقيين للانتخابات الرئاسية، وهذا يمكن اعتباره أحد أهم الأسباب التي دفعت لوجود عدد كبير من المترشحين لسباق الرئاسيات. وهذا الفشل يفترض جدلا وجود خلافات بين مكونات المشهد الحزبي التونسي وينسف فرضية التوافق على شخصيات بعينها كما يتناقض مع فكرة «التنازل»، لكن بالرغم من كل هذا كانت الأخبار المتداولة حول وجود نقاشات مطولة لتنازل عدد من المترشحين لصالح آخرين، أهم ما أثُّث الحديث عن سباق الرئاسيات.

 

الحديث عن مسلسل التنازلات !

أولى حلقات الحديث عن مسلسل التنازلات كانت مع منصف المرزوقي الذي شدّد في تصريح إعلامي على وجود مشاورات جدية مع عدد من المترشحين ليتنازلوا لصالحه ويقوموا بدعم ترشحه، ومن الشخصيات التي ذكرها: حمادي الجبالي وسيف مخلوف.. لكن سرعان ما جاء رد حمادي الجبالي ليؤكّد أن ما قاله المرزوقي لا أساس له من الصحة وشدّد حمادي الجبالي على أنه لن يتنازل لا للمرزوقي ولا لغيره مشيرا إلى أنه سيخوض غمار الرئاسيات ولن يتنازل عن حقه.. وآخر حلقات «سوق» التنازلات، كانت بما تم ترويجه من اعتزام وزير الدفاع المستقيل،  عبد الكريم الزبيدي، التنازل لصالح  رئيس حزب البديل، المهدي جمعة، خبر سرعان ما كذبه مقربون من الزبيدي، وطالبوا بالكف عن نشر الإشاعات واحترام المنافسة السياسية.

  • ومن المتوقع أن تدفع حسابات سياسية وأخرى مالية، إلى إنعاش سوق «التنازلات» في الأمتار الأخيرة للانتخابات الرئاسية، فبعض المترشحين الذين يعلمون مسبقا أن حظوظهم ضعيفة جدا يمكن أن يتنازلوا لمترشحين آخرين في سياق صفقة سياسية، تُلزم المتنازل لصالحه برد الجميل ومكافأة من تنازل له، إذا  تمكن من الفوز بمنصب رئيس الجمهورية.. أما في ما يتعلق بالمعطى المالي ـ بحسب تحليل الشيخاوي ـ فيمكن أن يصبح التنازل فعلا محكوما بتقديم مبلغ مالي، عوض الوعود، ويكون المشهد مشابها تماما لسوق التزكيات البرلمانية التي خضعت في جزء منها لهذا المعطى حسب ما أكده عدد من النواب.