الثورة الفلسطينية الكبرى.. أول وأطول ثورة شعبية نوعية في التاريخ العربي

يسجل التاريخ العربي، أحداث أول ثورة شعبية عربية «نوعية» امتدت ثلاث سنوات بين الانتفاضة والاحتجاجات، ثم الإضراب العام الشامل لمدة ستة أشهر  (أطول إضراب في التاريخ)، ثم المواجهات المسلحة، ومع التنظيم «القيادي» للثورة وتحديد الإطار السياسي للمطالب والأهداف.

وعقدت اللجان القومية إلى عقد المؤتمرات العامة.. بعد 83 عاما من الثورة الفلسطينية الكبرى، تساءلت جماعة توصف بـ «المؤرخين الجدد» في إسرائيل ومن أبرزهم  المؤرخ والأكاديمي الإسرائيلي، إيلان بييه: كيف لم تنه الثورة الفلسطينية المشروع الصهيوني السياسي بالاستيطان في فلسطين؟ لقد كانت الثورة على أبواب النصر في مواقع كثيرة، وكانت التضحيات كبيرة، والميزان يميل لصالح الفلسطينيين رغم  تدخلات سلطات الانتداب البريطاني الداعمة والمؤيدة لجماعات من المستوطنين اليهود؟!

قبل 83 سنة.. سجلت تطورات وأحداث أول وأطول ثورة شعبية عربية «نوعية» سلسلة ملتحمة الحلقات من أعمال مسلحة، وإضرابات عامة، ومظاهرات شعبية، ونضال سياسي، وحهود دبلوماسية ودعائية، ومقاطعة للأعداء في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتمر الثورة بثلاث مراحل رئيسة:

 

  • المرحلة الأولى: من شهر أبريل/نيسان 1936 إلى شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1936، وقد سادها العمل المسلح.

 

  • المرحلة الثانية: من شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1936 إلى شهر سبتمبر/ أيلول 1937، واتسمت بنضال سياسي ودعائي، وبمقاومة عنيفة لسياسة الحكومة البريطانية، وباغتيال الباعة والسماسرة والجواسيس، وكذلك بالتصدي لمشروع تقسيم فلسطين الذي كانت بريطانيا تمهد السبيل لتنفيذه.

 

  • المرحلة الثالثة: من شهر سبتمبر/ أيلول 1937 إلى  سبتمبر/ أيلول 1939، وكانت ثورة مسلحة مستمرة في داخل فلسطين، وأعمالاً دعائية وسياسية وجهوداً دبلوماسية خارج فلسطين.

 

نيران الثورة في فلسطين

بدايات الثورة الحقيقية، حين أدرك الفلسطينيون حجم المؤامرة التي تحيط بالوطن، ودور السياسة البريطانية التي تلعب بأقدار المنطقة وبمن عليها، وأن الحارس الواقف على بوابات فلسطين بالإنتداب حتى هذه اللحظة، يمهد الأرض للمستوطنين اليهود والأفواج القادمة منهم، ويغض الطرف تماما عن العمليات الإرهابية العدوانية وممارسات العصابات الصهيونية..فاندلعت نيران الثورة في فلسطين مع حادث 17 أبريل/ نيسان 1936 حين قتل اليهود إثنين من العمال الفلسطينيين قرب نهر العرجا بقضاء يافا، وبعد يومين قامت مظاهرات بمدينة يافا، وهاجم المتظاهرون الأحياء اليهودية، وقتلوا وجرحوا 60 يهوديا، وتدخل البوليس البريطاني، واشتبك مع المواطنين الفلسطينيين، وفرض نظام منع التجول، واستشهد فلسطينيان، وأعلن الشعب العربي في فلسطين الإضراب العام الذي إستمر 176 يوما، إضرابا عاما لم يسبق له مثيل في الوطن العربي، قدم الشعب الفلسطيني خلاله أقصى ما يمكن أن يقدمه شعب مستميت في البسالة والتضحية والثبات والصبر.

 

تسجيل أطول إضراب في التاريخ

وكانت بداية الإضراب حين قرر المواطنون في يافا ـ في إجتماع عقده فريق منهم في 20 أبريل/ نيسان 1936 ـ الإضراب العام «برا وبحرا» وأصدروا بيانا وافقت عليه جميع المدن والقرى في فلسطين، وشمل الإضراب جميع مرافق الحياة الإقتصادية والإجتماعية، فأغلقت جميع المخازن والمصانع والمقاهي، وتوقفت الحركة التجارية، فلم يرق ذلك لحكومة الانتداب البريطاني، وحاولت إرغام التجار على فتح مخازنهم، فنقلوا بضائعهم إلى بيوتهم، وكتب عدد منهم على مخازنهم «برسم الإيجار والمخابرة مع الحكومة !!»، وعزم آخرون على تسليم مفاتيح المخازن إلى حكومة الانتداب إن أصرت على فتحها، وقرر المحامون في اجتماع عقدوه في مدينة «يافا» الإضراب، وعدم حضور المحاكمات إلا للمرافعة في القضايا الناشئة عن الإضراب والحركة الوطنية، وعقد رؤساء البلديات اجتماعا سريا في بيت رئيس بلدية رام الله، في 31 مايو/ آيار، وقرروا إيقاف أعمال البلديات، وإستثنوا من ذلك أعمال التنظيف حفظا للصحة العامة، إلا أن (عمال الكنس) أصروا على المشاركة في الإضراب، وساءت حالة المدن، فخابرت حكومة الانتداب أحد مشايخ شرق الأردن ليرسل رجاله للقيام بأعمال «كنس» مدينة القدس، فأجاب ذلك الشيخ قائلا : (ليس رجالي أقل وطنية من «كناسي» مدينة القدس) ..وخشيت الهيئات الوطنية من إنتشار الأمراض فأقنعت «الكناسين» بأن الواجب يطالبهم بالعودة إلى أعمالهم، فعادوا إلى تنظيف المدن ليلا حتى لا يشوهوا الإضراب العام.

 

ودخلت الثورة في دورها الثاني

وتركت الأحزاب السياسية تخاصمها، واجتمع رؤساؤها وقرروا تأسيس «لجنة عربية عليا» لتوحيد القيادة، وللإشراف على الحركة الوطنية، وتألفت اللجنة العربية العليا من رؤساء الأحزاب الخمسة، وخمسة آخرين من رجالات البلاد..وكان أعضاء اللجنة كل من : الحاج أمين الحسيني، راغب النشاشيبي، أحمد حلمي عبد الباقي، الدكتور حسن الخالدي، يعقوب فراج، عوني عبد الهادي، عبد اللطيف صلاح، الفرد روك، جمال الحسيني، ويعقوب الغصين، وانتخب السيد أمين الحسيني «مفتي فلسطين» رئيسا.

وأخذ الإضراب السلمي يتسع رغم تعسف البوليس البريطاني واعتداءاته على الشعب الفلسطيني، والتمادي في سياسة الاعتقال والحبس.

وانفجرت عمليات مسلحة للمقاومة الفلسطينية قادها الشيخ عزالدين القسام والذي استشهد في معارك الثورة، وتصاعدت حدة المواجهة في منطقة القدس«معركة باب الواد»، وفي سائر فلسطين: «معركة نور شمس»، و«معركة عين جارود»، و«معركة وادي عزون»، و«معركة بلعا الأولى»..ودخلت الثورة في دورها الثاني، بعد أن استلم الجنرال (ديل) القيادة العليا للقوات البريطانية في فلسطين وشرق الأردن، وجعل مركزها القدس، ودارت معارك «نور شمس عنبتا»، و«ترشيحا» و«جبع»، و«حلحول»، ومعركة برقة ـ بيت أمرين ، ومعركة الخضر، ومعركة كفر صور، وغيرها..وتمددت ثورة شعب متوحد الصفوف دفاعا عن سيادة فلسطين عربية، وإنقاذها من مطامع الحركة الصهيونية.

 

نداء ملوك وأمراء العرب للفلسطينيين بضبط النفس !!

ولجأت حكومة الإنتداب البريطاني إلى عنف المواجهة، وفرض الغرامات، ومصادرة الأموال والأملاك، والتفتيش وإلقاء القبض والاعتقال لمجرد الشبهة، وتم نسف قسم كبير من مدينة يافا القديمة، وأحرق اليهود عشرات المنازل للعرب معظمها في منطقة تجاور تل أبيب..وتأججت نيران الثورة ، وتدخل ملوك العرب وأمرائهم، بتوجيه نداء إلى اللجنة العربية العليا، بإعطاء فرصة للحكومة البريطانية لإعادة تقييم الأمور !! وإستجابت اللجنة العربية العليا في 31 أغسطس/ آب 1936 لنداء الوساطة العربية، وهذا نصه :

 

  • «إلى أبنائنا عرب فلسطين، لقد تألمنا كثيرا للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالإتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله ، ندعوكم الإخلاد إلى السكينة حقنا للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم» !! ولم تفعل الحكومة البريطانية «الصديقة للعرب» شيئا، وعادت نيران الثورة تتأجج مرة أخرى، وتواصلت على مدى ثلاث سنوات، حتى أضطرت الحكومة البريطانية إلى عقد مؤتمر دولي في لندن سنة 1938 بمشاركة بعض الدول العربية، وأصدرت بريطانيا وثيقة تحمل عنوان «كتاب أبيض» سنة 1939 يشرح تصورها لحل المشكلة الفلسطينية، ويتضمن استقلال مشروط لدولة فلسطينية بعد فترة إنتقالية مدتها عشر سنوات، مع السماح بدخول 15 ألف مهاجر يهودي كل سنة إلى فلسطين لمدة خمس سنوات !!

 

إرهاصات الثورة .. ومؤامرة هربرت صموئيل

وإذا كان حادث يافا في 17 ابريل/ نيسان، قد أشعل الثورة، إلا أن  ارهاصات الثورة، كانت في زمن مبكر، ومنذ بوادر مقاومة المشروع البريطاني ـ اليهودي، بإنشاء جمعية «الفدائية»اوائل 1919 وتكونت لها فروع داخل فلسطين، وتولى زعامتها في البداية محمد الدباغ، ثم محمود عزيز الخالدي، وأشعلوا انتفاضة موسم النبي موسى في القدس في ابريل/ نيسان 1920 وكان مؤتمر سان ريمو 1920 قد منح بريطانيا حق الانتداب على فلسطين، وحدد واجباتها من خلال تكرار نص تصريح بلفور حرفيا، فجاء تعيين هربرت صموئيل في عام 1920 مندوبا ساميا على فلسطين، بعد أن نشر مواقفه واقتراحاته بشأن مستقبل اليهود في فلسطين وحماسه الشديد لتطبيق وعد بلفور على مراحل، وقال في مذكراته المنشورة ،إنه عين في المنصب المذكور «مع معرفة حكومة صاحب الجلالة التامة بعواطفي الصهيونية بل,دون شك,بسبب هذه العواطف الى حد كبير»!! وكان صموئيل قد قرر قبل وصوله فلسطين، أن يتبنى سياسة ترمي الى حمل العرب على الاذعان لسياسة بريطانيا في انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، بالتدريج، والف حكومة عين فيها موظفين يهود في مناصب حساسة مثل سكرتير أول الحكومة، وسكرتير قانوني، ونائبا عاما، ومدير المساحة ..وفي عهده الذي دام خمس سنوات، تقدمت حشود المستوطنين قفزات كبيرة من حيث بناء المستوطنات التي زادت من 44 مستوطنة الى 100 مستوطنة وساعد في تسريب أراضي مرج بن عامر، وجزء من وادي الحوارث، وهي مئات الآلاف من الدونمات، كما ساعد في تشكيل العصابات المسلحة ونظام حماية المستوطنات.

 

لماذا اشتعلت الثورة .. الأسباب  والأهداف

ولم يعد أمام الشعب الفلسطيني سوى الدفاع عن عروبة وطنهم ووحدة أراضيه، وإنقاذ فلسطين من شرور السياسة البريطانية والغزوة من المهاجرين اليهود..بعد  استفحال تدفق الهجرة على فلسطين، وارتفاع أعداد المهاجرين خلال السنوات 1933 – 1935 وتغاضي الحكومة البريطانية عنها والتستر عليها وحمايتها..وتفاقم خطر استيلاء اليهود، بشتى الوسائل والأساليب على أراضي فلسطين، وإمعان الحكومة البريطانية في سن الأنظمة والقوانين لتسهيل عملية استيلاء اليهود على الأراضي.. وقيام العصابات اليهودية المسلحة، بتهريب كميات كبيرة من السلاح والعتاد إلى فلسطين وتوزيعها على المدن والمستعمرات «المستوزطنات»، بالإضافة إلى نشاطهم (العلني والسري) في إنشاء تشكيلات ومنظمات عسكرية وإرهابية، واشترك ضباط بريطانيين في تنظيمها وتدريب أفرادها..وهي بعض الأسباب التي فجرت الثورة الشعبية الكبرى 1936 وكان انتصارها على الأبواب، بحسب اعترافات عدد من المؤرخين اليهود الجدد، نقلا عن شهادات ضباط يهود شاركوا في المواجهات المسلحة ضد الثورة.

 

من أجهض الثورة الكبرى؟!

وفي تحليل أسباب الهزيمة، يقول الكاتب والمفكر الفلسطيني الراحل، غسان كنفان: لقد عانت الحركة الثورية الفلسطينية من انتكاسة شديدة على أيدي ثلاثة أعداء منفصلين كانو يشكلون معا التهديد الرئيسي لـ «الحركة القومية في فلسطين» في جميع المراحل اللاحقة من نضالها 1936 ـ 1939 : القيادة الرجعية المحلية، الأنظمة في الدول العربية المحيطة بفلسطين، والعدو الإمبريالي الصهيوني .