الجزائر تستعيد عافيتها.. والحراك الشعبي أنقذها من الانهيار

بدأت الجزائر تستعيد عافيتها سياسيا واقتصاديا بعد عام من اندلاع ثورة الحراك الشعبي ( 22 فبراير/ شباط 2019 )، طلبا للتغيير ورفضا للمغامرة التي كادت تؤدي إلى انهيار الدولة الوطنية وأركانها والعودة إلى المأساة  التي عاشها  الشعب الجزائري بدمه ودموعه في تسعينيات القرن الماضي، بحسب تعبير الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، مؤكدا أن الحراك الشعبي السلمي الذي يحيي ذكراه الأولى، بعد خمسة أيام، يمثل «إرادة الشعب التي لا تقهر، وأنقذ البلاد من الانهيار».

 

كسر الحاجز الذي بناه العهد البائد بين المواطن والدولة

وخلال افتتاحه  لاجتماع الحكومة بالولاة ( المحافظين)، قال الرئيس الجزائري : في هذا الظرف الخاص أنتم ملزمون كمسؤولين محليين بالتغيير محليا بالابتعاد كليا عن السلوكيات القديمة و التقرب من المواطن لكسر الحاجز الذي بناه العهد البائد بين المواطن والدولة حتى تسترجع الثقة المفقودة، والكف عن تقديم الوعود الكاذبة، و الالتزام بما تستطيعون تقديمه للمواطن، والعمل على محاربة اللامبالاة  والاستخفاف بقضايا المواطن، وضرورة مساعدة المجتمع المدني على تنظيم نفسه للمساهمة في التنمية المحلية، وضرورة الاستمرار في محاربة الرشوة واستغلال النفوذ،  بـ «صرامة»، معتبرا بأن المواطن يعاني أكثر مما أسماه بـ «الرشوة الصغيرة»، مشيرا في نفس الوقت إلى أنه «لا وجود لسرقة كبيرة وأخرى صغيرة».

الجزائر تستعيد دورها على الساحة العربية

الدوائر السياسية في الجزائر، ترصد مؤشرات معافاة الدولة واستعادة « دورها وهيبتها وقدراتها» على المستويين المحلي والخارجي إقليميا ودوليا، وبدا ذلك واضحا من تبني الجزائر الملف الليبي والتحرك على هذا المسار بمبادرة للحوار والحل السياسي للأزمة الليبية، إلى جانب الترتيبات الجزائرية حاليا لاستضافة الجزائر القمة العربية العادية  الـ 32  وبدء التشاور والتنسيق مع العواصم العربية بشان القضايا التي ستطرح على جدول أعمال القمة التي تقود من خلالها الجزائر التوجه العربي لاستعادة سوريا لمقعدها الشاغر في جامعة الدول العربية، وإنهاء قرار تجميد عضويتها ..ويأتي هذا التحرك الجزائري بعد فترة غياب طوبلة عن أزمات وقضايا الساحة العربية، بحسب تعبير المحلل السياسيي الجزائري السعيد عبد الراضي، موضحا أن الجزائر استعادت عافيتها على المسار الصحيح بعد «هبّة» الحراك الشعبي.

 

استعادة الثقة بين الشعب والحكومة

ويرى المحلل السياسي الجزائري، أن خطاب الرئيس «تبون» في افتتاح أعمال لقاء الحكومة، الولاة، حمل عدة رسائل كشفت عن المسار الجديد للدولة وفي إطار تطبيق عملي لمطالب الحراك الشعبي وعودة الثقة بين الشعب والحكومة، ومؤكدا بأنه «بعد انتخابه على رأس الجمهورية جدد التزامه بالتغيير الجذري، ملبيا بذلك ما كان متبقيا من مطالب الحراك المبارك».. وقال تبون للولاة، إنهم ملزمون بالتغيير على المستوى المحلي، لتلبة احتياجات المواطنين، والابتعاد عن السلوكات السابقة والقديمة، لاسترجاع الثقة مع المواطن، بتكثيف الزيارات الميدانية، للتعرف على احتياجات المواطنين، والزيارات الميدانية يجب أن تقتصر على من يهمه الأمر وفقط، ويجب أن تخصص لحل مشاكل المواطنين لا للتباهي.

  • ويرى رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة تيزي وزو، دكتور مهدي فتاك، أن الحكومة تسعى إلى تحقيق نتائج ملموسة تعيد الثقة للشعب وتساهم في استقرار البلد، وكذلك تدفع إلى خلق حركية سياسية تشكل من خلالها أرضية للنقاش حول الدستور والتحضير للانتخابات التشريعية والمحلية..وأوضح فتاك لصحيفة «الخبر» الجزائرية، أن السلوك الخارجي للدولة سيكون منظما وبرؤية مؤسساتية تجعل الجزائر طرفا أساسيا في رسم السياسات الدولية الخاصة بمنطقة الساحل ودول الجوار.

 

نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة

ويضيف رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة تيزي وزو، إن لقاء الحكومة مع الولاة مباشرة بعد مصادقة البرلمان، أمس الأحد، على «مخطط عمل الحكومة»، يبرز الجدية والسرعة التي تتبناها الحكومة من أجل تنفيذ المشاريع وفتح «الورشات الكبرى» لتلبية مطالب الشعب، فالحكومة تسعى إلى تحقيق نتائج ملموسة تعيد الثقة للشعب وتساهم في استقرار البلد،. وقد تبين من خلال مخطط عمل الحكومة أن هناك إدراكا لدى صانع القرار يتمحور حول زوال حقبة وبداية حقبة جديدة، ونستطيع القول إن الشعور الذي طبع مرحلة بداية الاستقلال، خصوصا في سنواته الثلاث الأولى، يتكـرر بصورة تكاد تكون متطابقة، فالشعب بمختلف قواه يتطلع إلى مستقبل أفضل، والحكومة تحاول تحديد الأولويات وضبط أشرعة سفينة البناء وفقا لمتطلبات المرحلة.

الرئيس «تبون» يدرك مكامن الفشل

ويؤكد الباحث الجوائري، أن تصريح رئيس الحكومة، عبد العزيز جراد، في خطابه أمام البرلمان، بأن الجزائر عرفت في السنوات الأخيرة  «تسييرا كارثيا للدولة وممارسات تسلطية أدت إلى نهب ثروات البلاد والقيام بعملية هدم ممنهج لمؤسساتها ولاقتصادها بهدف الاستيلاء على خيراتها»، هذا التصريح  يدل على أن الرئيس «تبون» يدرك مكامن الفشل، لكن تبقى المبادرة والمواجهة السبيل الوحيد لاستكمال تفكيك الألغام، والرقي بالجزائر إلى مصاف الدول الناشئة والانضمام إلى مجموعة العشرين.

 

اقتراح تشريع جديد لتجريم الاستعمار الفرنسي

من جهة اخرى، تواجه الحكومة الجزائرية، اختبارا جادا، وصف بأنه «امتحان متعدد الأوجه»، مع مبادرة قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، والتي طرحها النواب ( 50 نائبا) وتتضمن المبادرة «طلب اعتراف فرنسا بجرائمها وأفعالها إبان احتلالها للجزائر من سنة 1830 إلى 1962 والاعتذار عنها حق مشروع للشعب الجزائري غير قابل للتنازل».

ويشدد القانون على مسؤولية الدولة الفرنسية عن كل الجرائم التي ارتكبتها جيوشها في حق الشعب الجزائري إبان احتلالها.

  • وشرح أصحاب المبادرة في عرض أسباب القانون ما عاناه الشعب الجزائري خلال فترة الاستعمار على امتداد 131 عام، وجاء فيه «تعرض الشعب الجزائري إلى أبشع أنواع الجرائم خلال فترة الاحتلال، مازالت آثارها وتأثيراتها إلى يومنا هذا»، مستدلين بالألغام المزروعة على طول الحدود الشرقية والغربية والإشعاعات النووية في صحراء الجزائر الكبرى.

اختبار للنوايا ولجدية الحكومة

ويضع مقترح القانون، الحكومة الجديدة أمام اختبار فعلي بخصوص قدرتها الوفاء بالتزاماتها بخصوص تعزيز دور البرلمان في اتخاذ القرار، وسيشكل اختبارا للنوايا ولجدية الحكومة، فيما تنظر أوساط أخرى إلى كون القانون يضع الحكومة أمام مسؤولياتها بخصوص تجسيد طلب اعتراف فرنسي بالاعتذار، في إشارة إلى اكتفاء السلطات الجزائرية السابقة بتحريك الطلب في المناسبات الانتخابية وفي مراحل برودة العلاقات مع باريس.