الجزائر: «غزل متبادل» بين رئيس الأركان وأعضاء هيئة الحوار

يبدو أن مسار الهيئة الوطنية للحواروالوساطة في الجزائر، قد أخذ منحى جديدا يحقق أهداف الهيئة الوطنية بعيدا عن التجاذابات والمشاحنات  السياسية، أوالمواجهة مع المؤسسة العسكرية ـ القلب الصلب ـ في البلاد، وفي ظل مناخ وصفته الأوساط الإعلامية والسياسية في الجزائر، بـ  «الغزل الناعم»، » بين رئيس الأركان وأعضاء هيئة الحوار، وتبادل إشارات الانسجام والتقارب نهاية الأسبوع الماضي، بعد بداية عاصفة مع رفض مطلق من رئيس هيئة الأركان، الفريق قايد صالح، لشروط مباشرة مساعي الحوار، مما كان يهدد مصير ومستقبل هيئة الحوار وربما كان يكتب النهاية لعملها.

 

الفريق صالح بدأ كلمات «الغزل الناعم »

رئيس الأركان نائب وزير الدفاع ، الفريق صالح،  بدأ أولى كلمات الغزل الناعم ، في إشارة إلى دعم الجيش لجهود الهيئة الوطنية للوساطة والحوار، فيما وصفه بـ «مسعاها النبيل»..قائلا: «إننا في الجيش الوطني الشعبي نشجع مبادراتها الرامية  إلى الإسراع في تنظيم جولات الحوار واتخاذ كل الإجراءات التي تؤدي إلى تحقيق الهدف المنشود، وقد أكدنا منذ بداية الأزمة على ضرورة تبني نهج الحوار الذي يعد السبيل الأمثل لتقريب وجهات النظر والوصول بالبلاد إلى بر الأمان، شريطة أن يجرى هذا الحوار في جو تسوده النوايا الحسنة والصدق والأمانة وتديره شخصيات وطنية مخلصة وذات مصداقية وكفاءة تؤمن فعلا بالحوار وتعمل على إنجاحه ولا تنتظر جزاء ولا شكورا، تقدّم المصلحة العليا  للوطن، وتنآى بنفسها عن الشروط المسبقة التي تعرقل مسار الحوار».

 

سبق له أن بعثر أورواق الحوار

كان الرجل القوي في الجزائر، الفريق أحمد قايد صالح، قد بعثر أوراق الحوار، الخميس الماضي، 1 أغسطس / آب، بحسب تعبير الدوائر السياسية في الجزائر، وأعاد الأمور إلى نقطة الصفر، بعد خطوة أولى كانت اتخذتها الرئاسة الجزائرية بتشكيل هيئة حوار وطني، يرأسها رئيس البرلمان الأسبق كريم يونس، لكن الهيئة طرحت سبعة شروط أساسية، اعتبرت أن تنفيذها سيدعم موقفها أمام القوى السياسية، ويعزّز الرغبة في الحوار، قبل أن ينسف الجيش هذه الشروط، التي تضمنت: الإفراج عن معتقلي الرأي في الحراك الشعبي.. واحترام الطابع السلمي للمظاهرات من طرف قوّات الأمن.. ووقف أعمال العنف والاعتداء ضدّ المتظاهرين السلميين.. وضمان حريّة الإعلام.. وفكّ الحصار الأمني المفروض على العاصمة خلال المسيرات..واستبعاد حكومة نور الدين بدوي الحالية واستبدالها بحكومة توافقية وتكنوقراطية غير متحزّبة.. ومنح السلطة أسبوعًا لتنفيذ ذلك..وأعلن رئيس الأركان ـ قبل اسبوعين تقريبا ـ وبصيغة حاسمة وحادة ـ رفضه المطلق للشروط، والتي اعتبرها شروطا على الوطن .. وقال الفريق صالح، إن مؤسّسات الدولة تعدّ خطًا أحمرًا، لا تقبل المساومة والشروط المسبقة والإملاءات غير القانونية من أيّ جهة كانت، وستستمرّ في أداء مهامها، إلى غاية انتخاب رئيس الجمهورية الجديد، الذي له كامل الصلاحيات لمباشرة الإصلاحات الضرورية»، موضحًا أن «الشعب واع أكثر من أي وقت مضى ولا يمكن تغليطه أو دفعه إلى متاهات محفوفة بالمخاطر».

 

أفكار سامة تروجها «العصابة»

الرسالة الحاسمة في خطاب الفريق صالح تركزت في كلمات قاطعة، قائلا: «يجدر بي في هذا المقام الإشارة إلى بعض الأفكار المسمومة التي بثتها العصابة وتبنتها بعض الأصوات التي تدور في فلكها، والمتمثلة في الدعوة إلى إطلاق سراح الموقوفين الموصوفين زورا وبهتانا بسجناء الرأي، كتدابير تهدئة حسب زعمهم، وعليه، أؤكد مرة أخرى أن العدالة وحدها من تقرر طبقا للقانون بشأن هؤلاء الأشخاص الذين تعدوا على رموز ومؤسسات الدولة وأهانوا الراية الوطنية، ولا يحق لأي أحد كان أن يتدخل في عملها وصلاحياتها ويحاول التأثير على قراراتها».

 

  • ويرى متتبّعون للشأن السياسي في الجزائر، أن ما حدث، قبل أسبوع، كان عودة إلى نقطة البداية، وأنه يُفهم من موقف الجيش وخطاب رئيس الأركان، رفض هيئة الحوار وهيكلها وتشكيلها، خاصّة بعد الرفض الشعبي والسياسي الذي قوبلت به.. ثم عادت المياه إلى مجاريها، وتم تصحيح المسار، مع مؤشرات «الغزل المتبادل» بين رئيس الأركان وأعضاء هيئة الحوار.

 

التنازل  من مرتبة الشروط إلى ما يشبه «الالتماسات»

وكان واضحا ضمن تلك المؤشرات الايجابية..تبني منسق عام هيئة الحوار الوطني، كريم يونس، إجراءات التهدئة، عندما قال بإن الهيئة «لن تسمح لنفسها أن تحل محل الدولة والعدالة»..وكشف «يونس» عن التنازل  من مرتبة الشروط إلى ما يشبه «الالتماسات» فقط، وموضحا أن «الهيئة ستواصل المطالبة بها ولا يمكن اتخاذها إلا من طرف الدولة».. وبحسب تقرير صحيفة «الخبر» الجزائرية، لم يجد منسق الهيئة أي تعارض في مواصلة جلسات الحوار وعدم الاستجابة لإجراءات التهدئة، ما يجعل السلطة متحررة من أي التزام بخصوص مصير السجناء وفتح المجال الإعلامي العمومي ورفض التضييق الأمني على العاصمة، وغير ذلك من إجراءات تهيئة المناخ الصحي للحوار، كما طالبت بذلك الهيئة في نسختها الأولى.

 

عودة الانسجام بين «هيئة الحوار» ورئيس أركان الجيش

ونتيجة «الغزل المتبادل»..تكون هيئة الحوار والوساطة، قد كيّفت نفسها مع الحدود العامة التي رسمها رئيس أركان الجيش في خطابه مطلع الشهر الجاري، عندما تحدث بنبرة حادة عن شروط التهدئة، لبدء الحوار الوطني.. وظهر الانسجام بشكل أكبر، في التصور الموحد لحل الأزمة السياسية بين «هيئة الحوار» ورئيس أركان الجيش، المبني أساسا على فكرة الذهاب بشكل مباشر إلى الانتخابات الرئاسية واستبعاد كل الأفكار الأخرى المطروحة كـ «المسار التأسيسي».. وقال قايد صالح، إن الجيش مؤمن «بالحوار الجاد المضبوط الأهداف لخلق الظروف الملائمة للذهاب إلى الانتخابات الرئاسية وتنظيمها في أقرب الآجال، والتي تمر حتما عبر التنصيب العاجل للهيئة الوطنية المستقلة لتحضير وتنظيم ومراقبة الانتخابات الرئاسية كأولوية قصوى في مسار الحوار الوطني»

 

  • وعلى نفس المنوال ـ تقريبا ـ شدّد منسق عام هيئة الوساطة والحوار، كريم يونس، على أن الهيئة التي يشرف عليها  «تقتصر مهمتها على الوساطة بين الفاعلين السياسيين بهدف الشروع في حوار يسمح بإعداد ورقة طريق توافقية للخروج من  الأزمة، لذلك تحبّذ الهيئة برمجة ندوة وطنية تتولى تعيين لجنة تحضير وتنظيم ومراقبة الانتخابات الرئاسية، وكذا إعداد خريطة الطريق للفترة الرئاسية القادمة»

 

استبعاد تام لفكرة «مرحلة تأسيسية»

وتشير مؤشرات «الغزل المتبادل»، وهذا التوافق بين رئيس الأركان  وهيئة الحوار الوطني،، إلى استبعاد تام لأفكار «تكتل البديل الديمقراطي» الذي يضم أحزاب التيار الديمقراطي واليساري، وهي أفكار كانت محددة  بمطلب «مرحلة تأسيسية» تسبق الانتخابات الرئاسية، وباعتبار أن الذهاب إلى الرئاسيات بالدستور والمنظومة القانونية الحالية سيؤدي حتما إلى «رسكلة» النظام الحالي، أي (إعادة ندويره)، وإعادة تجديد واجهته المدنية فقط في الانتخابات المقبلة، وهذه الرؤية وتلك المطالب من تكتل البديل الديمقراطي، يرفضها وينتقدها قايد صالح بشدة، عندما يقول إن «بعض المجموعات الصغيرة المرتبطة بالعصابة تصر على  رفض كل المبادرات المقدمة والنتائج المحققة من خلال رفع شعارات مغرضة ونداءات مشبوهة تستهدف التقليل من أهمية ما تحقق والتشبث بمطالب غير معقولة تجاوزتها الأحداث والإنجازات».. وفي نفس السياق، أوضح عمار بلحيمر، رئيس اللجنة السياسية في هيئة الحوار والوساطة، أن هيئة الحوار ترفض تطبيق النموذج الليبي وفق رؤية المرحلة الانتقالية التأسيسية، على الرغم من ضعف أوجه الشبه بين الحالتين.