الدوران في الحلقة المفرغة.. الأزمة اللبنانية على أبواب الـ«تعويم»

يبدو أن الأزمة اللبنانية (السياسية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية)، على أبواب «التعويم»، وبات التأزيم السياسي هو الغالب، ولذلك  يستبعد احتمال دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، إلى إجراء الاستشارات النيابية الملزمة خلال هذا الأسبوع، بشأن «التكليف والتأليف» للحكومة الجديدة،  طالما أن لا شيء محسومًا  حول الاسم الذي سيتم تكليفه لتشكيل الحكومة، أو «التوليفة» المنتظرة للحكومة، وحتى في حال حصول الاستشارات في ظل هذا التأزم السياسي فالأمر لا يتعدى الدوران في الحلقة المفرغة، بحسب تعبير المحلل السياسي اللبناني، أندريه قصاص، على رغم الجو التفاؤلي، الذي يحاول البعض ضخه في سوق المزايدات السياسية.

 

كل طرف  يرمي الكرة في ملعب الفريق الآخر

وبات واضحا حتى هذه اللحظة، أن كل طرف من طرفي أزمة التكليف والتأليف يرمي الكرة في ملعب الفريق الآخر، وعلى رغم دخول البلاد في دائرة الخطر الاقتصادي، لا يزال المسار السياسي المتعلق بملف تشكيل الحكومة يدور في الحلقة المفرغة، فيما لا أحد يلتفت إلى نبض وثورة الشارع اللبناني ، الذي دخل يومه السابع والأربعين في حراك مستمر ودائم، ومع إصرار الطبقة السياسية المأزومة على دفع البلاد إلى الانهيار، بعد توالي الفشل تلو الآخر، حيث تتداخل يوميا التعقيدات في لعبة شدّ الحبال، وفي لعبة الشروط والشروط المضادة، وكأن لا شيء يدعو إلى تسريع الحلول والاتفاق على آلية مقبولة من الجميع، بعدما بلغت الأمور حدود حرق الأسماء المرشحّة لتولي مهمة هي من أصعب المهمات، التي يعتبرها البعض بأنها شبه مستحيلة، وذلك نظرًا إلى حجم المشاكل المتداخلة، والتي باتت تحتاج إلى أعجوبة للخروج من عنق الزجاجة.

عقلية المحاصصة التي تُدير اللعبة السياسية

ويتبين من النقاشات الدائرة في الغرف المغلقة لأهل القرار، أن المسألة لا تتعلق  باسم رئيس الحكومة، أو حتى بشخصيته وحجمه السياسي، ولا بشرط أن يكون من التكنوقراط، بقدر ما المشكلة تدور حول عقلية المحاصصة التي تُدير اللعبة السياسية، ويسعى أصحابها إلى الحفاظ على مغانم السلطة، ومواقع النفوذ في الدولة، من خلال رفض مبدأ حكومة إختصاصيين بحتة دون أي مشاركة سياسية فيها، والعمل على تشكيل حكومة  تكنو ـ سياسية، تحتل مشاركة الأطراف السياسية فيها مساحة مؤثرة في القرارات التي ستتخذها، وخاصة بالنسبة لمشاريع مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، واسترداد الأموال المنهوبة، وصولاً إلى إعداد قانون إنتخابي جديد، سعياً لانتخابات نيابية مبكرة، تلبي مطالب الحراك، بحسب تحليل الباحث اللبناني صلاح سلام، موضحا أن الإنطباع الذي خرج به الموفدون الدوليون بعد لقاءاتهم مع القيادات اللبنانية لا يوحي بأن ثمة حلا قريبا للمأزق السياسي، وما يترتب عليه من تأخير ولادة الحكومة الجديدة.

 

تجاهل الواقع السياسي والوطني

ولكن يبدو أن مفعول هذه النصائح والتحذيرات، من قبل الموفدين الدوليين، وما انطوت عليه من توضيحات صريحة لطبيعة المرحلة والمعطيات التي يجب أن تتكيف معها الحكومة الجديدة بقيت دون مستوى التنفيذ، لأن الأطراف السياسية ما زالت عاجزة عن التوصل إلى الحد الأدنى من التوافق فيما بينها، كما أن بعضها ما زال يمارس سياسة الإنكار والاستكبار، ويصر على تجاهل الواقع السياسي والوطني المستجد الذي ولدته الانتفاضة الوطنية الشاملة، والمستمرة منذ ٤٦ يوماً، رغم كل وسائل الضغط المعنوي والعنفي والأمني التي تمُارس ضد الجماهير الغفيرة المشاركة في هذه الثورة العارمة.

 

  • الأزمة باقية كما هي عليه إلى حين ظهور مؤشرات وبوادر إيجابية على ضوء الاتصالات التي تجري عربياً ودولياً، بحسب تقدير المحلل السياسي أحمد الزعبي، ولكن من خلال المتابعة ومن لهم علاقات مع بعض الدول التي تقوم بهذه المساعي يؤكدون أن الأوضاع ما زالت تدور في حلقة مفرغة، وأكثر من ذلك وعلى هذا الأساس فإن الأسبوع المقبل قد يحدد ماهية الأوضاع وإلى ستتجه بناءً على استكمال المشاورات التي تقوم بها الأطراف الدولية.

 

العودة إلى الأساسيات

الدوائر السياسية ومراكز الدراسات في بيروت، تؤكد أن ما يجري داخل المشهد اللبناني ، أصبح أكثر تعقيدا وأكثر غموضا.. ويرى الباحث والأكاديمي اللبناني، د.توفيق هندي، أن الوضع في لبنان أعقد وضع في العالم لما يحتوي عليه من تناقضات داخلية متعددة ومتداخلة ومن تناقضات إقليمية ودولية لها تأثيراتها على المسارات الداخلية. لذا، لا يفي بالغرض إستخدام الوصفات الجاهزة لمراكز الأبحاث ولا التنظير السياسي  ولا استخدام مفاهيم عامة الحوكمة الرشيدة والمحاسبة وصون حقوق الإنسان، والمطلوب، التمييز بين الاستراتيجي والتكتيكي.. وبين ما يمكن ويجب تحقيقه الآن وما يجب تركه لمرحلة لاحقة..وهنا لا بد من العودة إلى التذكير بالأساسيات:

 

  • أولا: التمسك بالنظام اللبناني وليس إسقاطه. فالنظام هو الدستور والقوانين والمؤسسات الدستورية والإدارية والقضائية والعسكرية والأمنية.. والمشكلة تكمن بالطبقة السياسية الفاسدة التي خربت النظام والدولة.. فالمطلوب إصلاح النظام وليس إسقاطه.

 

  • ثانيا: التمسك بإتفاق الطائف الذي يمثل العقد الإجتماعي بين اللبنانيين ويححد ماهية الكيان اللبناني.. والمشكلة تكمن بأنه لم يطبق، ولا سيما بشقه السيادي، وعدم تنفيذ آلية إلغاء الطائفية التي تجسدت بالمادة 95 من الدستور.

 

  • ثالثا: أولوية الأولويات اليوم، هي في الحيلولة دون الإنهيار الشامل للبنان «إقتصاديا وماليا».. هذا الإنهيار إن حصل، يقضي على لبنان «دولة وكيانا» ويدخله في الفوضى العارمة وبالتالي، يقضي أيضا على الإنتفاضة.

 

«حكومة أفضل الممكن»

الحل يبدأ بالضرورة بتشكيل «حكومة أفضل الممكن» التي تعبر عن حقيقة موازين القوى..يبقى أن تتشكل الحكومة «اليوم وليس غدا». ومع تشكيلها أن توضع آلية عملية لقيام الإنتفاضة الشعبية  بدورها الرقابي.