«الرمز الحي» في التاريخ العربي.. «أبو عمار» الأب الشرعي للنضال الفلسطيني

 يسجل التاريخ العربي، مسيرة نضال الزعيم الراحل ياسر عرفات،  تحت العنوان الكبير ( مرحلة «الأب الشرعي» للنضال الفلسطيني).. رجل ربط التاريخ والجغرافيا بجسده، فكان هو وفلسطين وجهي عملة..ورغم ارتباط تاريخ فلسطين، برموز من رجالات السياسة والنضال، على امتداد سنوات سبقت عهد بلفور، تصدوا للمؤامرة في بدايات تحركها، ثم فيما بعد مع ثورة  17 أبريل/ نيسان 1936 وصولا إلى أعوام مشحونة بالمواجهة والنضال 1946، 1947 ، 1948، إلا أن «ياسر عرفات» بقي الرمز الحىّ في التاريخ وفي وجدان الشعب.
  • وإذا كانت الزعامة هي «مؤسسة قيادة».. فإن مسيرة نضال «أبو عمار» حفرت اسم «الأب الشرعي» للصمود والنضال الفلسطيني..وعاش الشهيد ياسر عرفات متفرغاً للقضية الفلسطينية؛ عازفاً عن كثير من ملذات الحياة. وعندما سألته أخته: «لماذا لم تتزوج؟»، أجابها:  «أتريدين أن أتهم بتعدد الزوجات؟ ألا يكفى امرأتي الأولى، الثورة الفلسطينية‍؟».

 

كان الشهيد ياسر عرفات، هو صاحب الرصاصة الأولى للثورة الفلسطينية، ليلة رأس السنة من عام 1965؛ ولم يكن قد تجاوز عمره 35 عاماً. وبعد نجاح العملية، راح بنفسه يوزع البيانات على الصحف، في بيروت، حيث ظهر أول مرة، اسم «فتح»، واسم أبو عمار. ولعل البيان الأول، كان على درجة من الأهمية؛ وقد جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. مؤمنين بحق شعبنا في النضال من أجل استعادة وطنه المغتصب؛ وبالثورة العربية من المحيط إلى الخليج؛ وبدعم قوى التحرر في العالم، قامت وحدات من قواتنا المقاتلة، ليلة 31/ ديسمبر/ كانون الأول 1964، بعمليات ناجحة، أوكلت إليها داخل الأراضي المحتلـة. وعادت إلى قواعدها سالمة».
  • وأصبحت الوحدة الوطنية الفلسطينية هدفاً كبيراً، ولكن وفقاً لمقولة عرفات: «لا نريد وحدة مكاتب، ولا وحدة مناورات سياسية؛ ولكننا نريدها وحدة حقيقية؛ تستمد نبضها من ميدان النضال». وأسفر جهده من أجل الوحدة؛ عن تنسيق قوات «العاصفة» وقوات التحرير الشعبية، عملياتهما في داخل إسرائيل.

 

منذ تلك اللحظة، بدأت المنظمة تزداد أهمية، على المستويات: السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والاجتماعي، في الساحتَين: العربية، والدولية. حيث بدأ نشاطها يزداد في ضوء خطة العمل، التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني، وخصوصاً توحيد الكفاح المسلح الفلسطيني؛ إذ سعى عرفات إلى حل الخلافات الداخلية بين فصائل المقاومة الفلسطينية، فعقدت اللجنة التنفيذية اجتماعاً، في عمّان، في 16 و17 فبراير/ شباط 1969، وقررت تشكيل هيئة باسم «قيادة الكفاح المسلح الفلسطيني»، بمشاركة تلك الفصائل كافة. كما اتخذت قراراً، يقضي بتطوير «جيش التحرير الفلسطيني»، وزيادة عدده وقدرته، وتطوير أسلحته.

 

ويقول الكاتب والشاعر الفلسطيني الكبير، إبراهيم جابر، إن حياة الفلسطينيين توقفت، صدّقني، عند هذا الرجل،  لقد كان ثمة هوية متعالية، وعالية، وكانت لنا هيبة، وصولجان، وكان كافياً أن يضرب بيده على الطاولة لتهتز عروش وترجف دول.. الرجل الوحيد والنادر في العالم الذي صنع من أسماء الأسلحة مفردات «رومانسية» و«غنائية»، فصارت الأمهات يغنين في الأعراس لـ «الكاتيوشا» و «الديكتريوف»، فيما «الكلاشنكوف» يجلس في صدر البيت كالابن المدلّل، تُقرأ عليه «المعوذات» وينام تحت لحاف الأولاد !

ويضيف «جابر»: كان ياسر عرفات، الأب الثاني في كل عائلة. يحفظ أولاد المخيم اسمه بتقديس وحب كأنَّه نبي نسيت الكتب المقدسة ذِكره ..وفي كل بيت فلسطيني كان له فِراش جاهز بانتظاره..كنا ننتظره في الأعياد وفي الجنازات والأفراح وفي لحظة نحسُّ أنه سيخرج من «الراديو» ليمسح دمعة أم تبكي.. أو يُعلّق السلاح على كتف ولد صار «فدائياً» في الرابعة عشرة من عمره !
  • كان هو «الأمل» الذي يقودنا الى دولة حتمية نراها في صوته وعينيه وصلابة يده..كنّا نمشي في الشوارع فنخرق الأرض، ونبلغُ الجبال طولا: لقد صار لنا «رئيس»، واسمه ياسر عرفات ..يا للخسارة. قد تفرَّقت العائلة. .ولم يعد هناك فدائيون «يصعدون الجبل»!

 

واستطاع عرفات أن يبني علاقات سياسية بالدول العربية والعالمية؛ وكذلك علاقات اقتصادية. ووقّع اتفاقيات اقتصادية وخاصة مع الدول الاشتراكية ـ والمعروف دولياً أن اتفاقيات التعاون لا توقَّع إلا بين الدول ـ ولذا، كانت المنظمة هي أول حركة تحرير وطني في التاريخ، توقّعها. فقد أبرمت مثلاً، اتفاقية اقتصادية مع ألمانيا الديمقراطية؛ وفي أثناء التوقيع، قال وزير التجارة الألماني: «إننا نعرف مع من نوقِّع هذه الاتفاقية ولماذا؟. نحن نوقِّع اتفاقية مع منظمة التحرير؛ وهي حركة تحرير وطني ولكننا نوقِّعها، لكي ننقل اعترافنا بكم، من الاعتراف السياسي إلى الاعتراف بحق تقرير المصير على الأرض الفلسطينية نفسها».
  • كان عرفات يشارك من حوله في صنع القرار واتخاذه. وهو رجل عسكري وسياسي واجتماعي؛ عنيد في بعض المواقف؛ ومقاتل شرس في مواقف أخرى. يتمتع بإرادة حديدية، تنقذه من أيّ أزمة مهما اشتدت؛ واختارته  مجلة «تايم» الأمريكية في  نهاية 1969  (رجل العام) وتكرر ذلك في سنوات لاحقة..وشارك  في القمة العربية الخامسة  في الرباط في شهر ديسمبر/ كانون الأول 1969،  بعد أن تكرست مكانته في زعامة الفلسطينيين، ولأول مرة وضع مقعد رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في الصف الأول  على قدم المساواة مع رؤساء وملوك الدول العربية الأخرى،ومنحت المنظمة حق التصويت في القمة.

 

عاد إلى  أرض الوطن في الأول من يوليو / تموز 1994 لأول مرة بعد 27  سنة من الغياب القسري،  بزيارة «استهلالية» لغزة وأريحا قبل عودته النهائية للاستقرار في الوطن  يوم 12 / 7 / 1994 حين وصل إلى غزة ليبدأ من مقره في «المنتدى» معركة بناء السلطة الوطنية وإقامة مؤسساتها.. ورغم تعدد محاولات دولة الاحتلال الفاشلة لإغتياله، منذ العام 1965،  قررت الحكومة الأمنية الإسرائيلية المصغرة في اجتماعها يوم  13 / 9 / 2003  «إزالة اسم عرفات» وأطلقت بعد ذلك جملة من التصريحات والتلميحات حول التخلص منه.. بقتله أو ابعاده أو سجنه وعزله.. وحتى تمت مؤامرة محاصرته داخل مقر إقامته بالمقاطعة، وظهرت أولى علامات التدهور الشديد على صحته  يوم الثلاثاء 12 اكتوبر/ تشرين الأول 2004 وأصيب بمرض في الجهاز الهضمي.. وتدهورت حالته الصحية تدهوراً سريعاً يوم الأربعاء 27 أكتوبر/ تشرين الأول. ووافق بنفسه على قرّار الأطباء بنقله إلى فرنسا للعلاج، وظل يصارع مرض الرحيل إلى أن أسلم الروح لبارئها في الساعة الرابعة والنصف من  فجر الخميس الحادي عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2004.

 

ودع الرئيس الفرنسي جاك شيراك جثمان الشهيد يوم  11/ 11 / 2004   أمام المستشفى ثم ودعته فرنسا بمراسم رسمية مهيبة . وأقلت طائرة حكومية فرنسية جثمانه إلى القاهرة حيث أقيمت له في اليوم التالي، الجمعة، جنازة عسكرية مهيبة  بمشاركة وفود رسمية من 61 دولة وبحضور حشد من قادة الدول العربية والاسلامية والأجنبية.. ونقلت مروحية عسكرية مصرية جثمانه الطاهر في نفس اليوم الجمعة  12/ 11/ 2004  إلى رام الله حيث كان نحو ربع مليون مواطن في انتظاره في رحلته الأخيرة..ووضع جثمانه في ضريح خاص في المقاطعة، دفن فيه «مؤقتاً»، لأنه أوصى بدفنه في باحة الحرم القدسي الشريف، حيث سيتم نقل رفاته إليه بعد تحريره.. ليبقى رمزا فلسطينيا خالدا في تاريخ أمة.
  • وفي ذكرى الرحيل، لا يزال الرجل حاضرا بقوة الرمز الحيّ، وبتاريخ «الأب الشرعي» للنضال الفلسطيني، وبروح «قديس» القضية الفلسطينية.. وأن يعي الجميع ما معنى غياب الرمز في تاريخ النضال الفلسطيني.

[covid19-ultimate-card region=”EG” region-name=”مصر” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”AE” region-name=”الإمارات العربية المتحدة” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”PS” region-name=”فلسطين” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region-name=”العالم” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]