الساحة العراقیة مفتوحة على ثلاثة احتمالات: الاحتواء أو التغيير أو استقالة الحكومة

على هامش اشتعال حدة الغضب داخل الشارع العراقي، يتفق المراقبون على أن هناك  أكثر من لاعب مؤثر في الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية «الساخنة بدوافع ومسببات الغضب»، التي شهدتها البلاد على مدى أقل من أسبوع، وتسببت في مقتل 104 أشخاص، وإصابة ما يزيد على 6000 ومن بين القتلى ثمانية من قوات الأمن، في حين أضرم المحتجون النار في 51 مبنى عاما وثمانية مقار لأحزاب سياسية، حسب آخر حصيلة أعلنتها مفوضية حقوق الإنسان الحكومية في بغداد.. وللمرة الأولى، اتهمت قوات الأمن «قناصة مجهولين» بإطلاق النار على المتظاهرين وعناصر الأمن في بغدادز

 

    • كان الحراك الاحتجاجي، انطلق بعد دعوات للتظاهر تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، للتنديد بتفشي الفساد والبطالة وانهيار الخدمات العامة والنقص المزمن في التيار الكهربائي ومياه الشرب.

 

 

دور الضغوط الخارجية

وقد بدأ تأثير الضغوط الخارجية يلعب دورا في كيفية التعامل مع حدة احتقان الشارع العراقي.. بين احتواء التظاهرات..أو الدعوات للتغيير الذي يرتقبه العراقيون منذ بداية الانتخابات التشريعية ثم تشكيل حكومة عادل  عبد المهدي .. أو استقالة الحكومة وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة !! وفي تعبيرعن المشهد العام في العراق ، ورؤية مسببات الاحتجات الشعبية، أيد  رئيس مجلس النواب العراقي،  محمد الحلبوسي، المتظاهرين، في تصريح داعم لهؤلاء قائلا  «صوتكم وصل، رسالتكم وصلت، وإذا لم أر الدولة متجهة نحو تلبية طموح الشعب وبعث الأمل في نفوسهم، سأنزع سترتي وتجدوني أول شخص بين المتظاهرين».

 

ويرى محللون سياسيون، أن هناك  خمس ملاحظات أساسية، في التظاهرات الدموية في العراق :

 

  • أولهما أن التظاهرات الاحتجاجات تكتسب زخما في جنوب البلاد، وبينما تنتفض بغداد والجنوب حيث الأغلبية الشيعية، يسود الهدوء شمال وغرب بغداد في المناطق السنية..

 

  • وثانيهما: أنه لم يعلن أي حزب سياسي أو زعيم ديني عن تبني هذه الحركة الاحتجاجية، وهو أمر غريب في بلد اعتاد على الانقسامات الطائفية !!

 

  • وثالثهما وهو الأهم في هذه الحالة .. أن مطالب المتظاهرين لم تتوقف عند محاربة الفساد والبطالة، والاحتجاج على الغلاء وانقطاع الكهرباء في بلد نفطي غني مثل العراق، إنما وصلت إلى المطالبة بإلغاء الأحزاب والحياة الحزبية والعودة لنظام رئاسي، ورئيس يختاره الشعب دون الحاجة لبرلمان ولا كتل حزبية تتخبط وتدخل فى تحالفات غير مبدئية حتى تختار رئيس الوزراء، وتعيش على المحاصصة الطائفية والحزبية.

 

  • رابعا..لو كان الجيش العراقى بقوته القديمة لربما تدخل بشكل حاسم لوقف العملية السياسية والحزبية وتقديم مخلص قوى أو مستبد عادل يطرح نفسه كمخلص للبلاد من الفساد والبطالة والفقر، بحسب رؤية المحلل السياسي د. عمرو الشوبكي، خاصة أن ما يجرى فى العراق تقاطع مع تجارب تيارات أخرى رفض فيها قطاع واسع من الشعب العملية السياسية البائسة والنخبة السياسية الأكثر بؤسًا، وترتب على هذا الموقف استدعاء الجيش.

 

  • والملاحظة االخامسة.. أن احتجاجات العراق رسالة قوية تقول إن الشعوب مازالت رقمًا أساسيًا فى معادلة أى حكم، وأنها قادرة أن تضغط فى حالة العراق من أجل تجديد نظامه السياسي وإصلاحه جراحيًا لا بالمسكنات.. وأن مطالب المتظاهرين بإلغاء الأحزاب ورفض السياسة وإدانة كاملة للطبقة السياسية والبرلمان المتنوع، تستحق الاهتمام والتحليل في دولة عربية، غنية بمواردها الطبيعية والزراعية والنفطية، وتعاني منذ السطو الأمريكي المسلح في العام 2003 وحتى الآن.

 

 إقالة «الساعدي» عجات باشتعال الاحتجاج الشعبي   

ويشير مراقبون إلى تأثير إقالة رئيسِ جهاز مكافحة الإرهاب، عبد الوهاب الساعدي،   الذي يعتبر «بطل» الحرب ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، وأن الإقالة ربما عجلت  بإشعال فتيل الاحتجاج الاجتماعي والسياسي المتراكم لدى شريحة شعبية كبيرة.. ويعتبر الكاتب والمحلل السياسي العراقي، خيرالله خيرالله، أن إقالة «الساعدي» كشفت ضعف الحكومة العراقية، وهو ضعف ظهر جليا من خلال وضع طهران «الفيتو» على شخصيات عراقية معينة في مرحلة ما بعد انتخابات 2018. وفرضت إيران عادل عبدالمهدي رئيسا للحكومة، لذا فإنه إذا ما فشل في أن يكون صاحبَ قرار مستقل في الظروف الحالية، خاصة في ما يتعلق بحماية الجيش، فإن هذا سيكون مؤشرا على أن النظام القائم منذ 2003 قد أفلس تماما، وأنه لا بد من البحث عن صيغة جديدة للعراق، قد لا ترى النور إلا على أنقاض العراق.

 

المخطط الأمريكي

الرؤية الأخرى لمسببات الاحتجاجات الدموية في العراق، تشير إلى احتمال وجود دور لمخطط أمريكي لتوظيف مطالب المحتجين من خلال انقلاب أو حكومة إنقاذ، وأن الهدف في نهاية الأمر يكمن في إخماد الأزمة المفتعلة بخروج قائد عسكري محبوب جماهيريا بالتعاون مع الأمريكيين، ليتصدر المشهد ويكون قائدا لحكومة إنقاذ، وبذلك تعيد الولايات المتحدة إحكام قبضتها على العراق، خاصة  وأن الأمريكيين كانوا هددوا قبل شهرين، من مشروعٍ سيقلب الطاولة على الإيرانيين.

 

مطالب المحتجين بدأت اجتماعيا.. وانتهت سياسيا

وهكذا ..أفرزت الاحتجاجات العراقیة التي انطلقت قبل أيام، وسقط خلالھا عشرات الضحايا، مواقف سیاسیة متباينة تستحق الرصد والتحليل.. فیما كانت المطالب الأساسية للمحتجین اجتماعية واقتصادية بالأساس، خاصة ما يتعلق بتحسين الخدمات ومعالجة قضايا البطالة والفساد. لكن مع الوقت والتعامل الأمني العنيف، أخذت الاحتجاجات طابعا سیاسیا للمطالبة برحيل الحكومة، ومع تصاعد الاحتجاجات كان منطقيا أن تتبلور مواقف سیاسیة عدة في كیفیة التعامل مع ما يحدث..وتراوحت تلك المواقف بین الرغبة في الاحتواء، أو تغيير السياسات، أو تغییر الحكومة.

 

ثلاث مسارات للتعامل مع الاحتجاجات

ولم تتضح ـ حتى الآن ـ  نتائج التحرك على ثلاث مسارات للتعامل مع الاحتجاجات الشعبية:

  •  على مستوى القیادة السیاسیة، برزت تحركات لاحتواء غضب الشارع، وتحقیق استجابة ولو جزئیة لمطالبه، ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف..وقال الرئيس العراقى، برهم صالح، إن سلطات البلاد ستحاسب المسؤولين عن إراقة دماء العراقيين، موضحاً أنه سيتم تشكيل لجنة خبراء مستقلين للحوار مع القوى الفاعلة وفى مقدمتهم المتظاهرين، ومخرجات لجنة الخبراء ستكون مرتبطة بخارطة زمنية محددة.. ويؤكد برهم صالح، أن دعم جهود الحكومة لإجراء تعديل وزارى سوف يحقق قفزة نوعية فى الأداء الحكومي، لافتا إلى أن تفعيل دور المحكمة المختصة فى قضايا النزاهة لحسم ملفات الفساد، ولا حصانة لأي كان فى ملف الفساد بالبلاد.

 

  • والمسار الثاني.. تبناه رئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، مع ممثلین عن المتظاھرين..وفشل الاجتماع في التوصل إلى أي نتائج، مما رجح التكھنات باستمرار وتصاعد الاحتجاجات..

 

  • والمسار الثالث. تبنى موقفا وسطا بین السلطة والشارع، عبرت عنه المرجعیة الشیعیة التي انتقدت الحكومة وحثت الطرفین، السلطة والمتظاھرين، على التراجع قبل فوات الأوان.

 

دعوة لانتخابات تشريعية مبكرة

ومع التوتر الساخن داخل الشارع العراقي، كانت رؤية زعیم التیار الصدري، مقتدى الصدر، هي العودة إلى المربع صفر، وإجراء انتخابات مبكرة، فدعا إلى استقالة الحكومة، وإجراء انتخابات تشريعیة مبكرة، وطلب الصدر، من أعضاء تحالف «سائرون»، تعلیق عضويتھم في البرلمان.. بينما ترددت معلومات داخل الشارع السياسي العراقي، حول  مساع لإقناع  رئيس الحكومة عادل عبد المھدي، بتقديم استقالته، إلا ان الضغوط الإيرانية تحاصر تلك المساعي وترفضها بید أنه،

 

  • وهكذا تبقى الساحة العراقية مفتوحة على ثلاثة احتمالات..ودون ذلك يصعب التكھن بما هو متوقع !!