السفير د. نعمان جلال للغد: أبعاد جديدة لنتائج حرب أكتوبر 1973

أكد مساعد وزير الحارجية المصري السابق، السفير د. نعمان جلال، خبير الدراسات الاستراتيجية الدولية، أن هناك أبعادا جديدة لحرب اكتنوبر 1973.

أكد مساعد وزير الحارجية المصري السابق، السفير د. نعمان جلال، خبير الدراسات الاستراتيجية الدولية، أن هناك أبعادا جديدة لحرب اكتنوبر 1973، ورغم الدراسات التي تناولت هذه الحرب من زوايا عسكرية وسياسية واقتصادية ونفسية، إلا أن ضخامة الحدث تؤدي إلى تداعيات متتالية تظهر نفسها وتكشف ردود الافعال المرتبطة بها كلما تقادم الزمن، وتكشف عن أبعاد جديدة ، أو عن أبعاد كانت معروفة ولم يسلط عليها الضوء الكافي.. ولعل في مقدمة تلك الأبعاد الجانب العربي في هذه الحرب.. وأضاف في حوار خاص للغد: لقد قال لي البروفسور، شفيع اجواني، رئيس جامعة جواهر لال نهرو، آنذاك، وهو مسلم ومتخصص في الشرق الاوسط، «إن حرب أكتوبر جعلت العرب القوة السادسة في العالم بعد الدول الخمس دائمة العضوية في الامم المتحدة».

 

 

دعم عسكري وتحرك عربي على الساحة السياسية

وقال السفير نعمان جلال للغد: إن عملية حرب أكتوبر المصرية السورية قد تعززت بدعم من بعض الدول العربية على ثلاث جبهات:

  • الأولى: والأهم هي موقف الدول العربية البترولية التي قامت بفرض حظر بترولي على الدول المؤيدة لإسرائيل، ومن ثم دخل سلاح البترول المعركة لأول مرة، وأدى هذا لتعاظم المكانة العربية لأنه عكس وجود إدارة عربية قادرة على اتخاذ القرار من أجل المصلحة العربية العامة غير مكترثة بالنتائج والضغوط هذا من ناحية ، ومن ناحية آخرى ارتفعت أسعار البترول في السوق العالمي مما أدى مكسبا لمصلحة الدول البترولية فكأنها لم تخسر شيئأ بل على العكس كسبت إحتراماً ومكانة وأموالا. وكان ذلك دليلاً على بُعد نظر القيادات العربية من ناحية وعلى وجود تضامن عربي حقيقي كامن ظهر للعيان في اللحظة المناسبة.

 

  • الثانية: مشاركة رمزية من بعض الدول العربية الأخرى بقوات أو بمعدات عسكرية، وأيا كان حجم تلك المشاركة ومحدوديتها فإن الدلالة الرمزية هي الأهم لأنها عكست وحدة المصير وإنصهار الدم العربي معا للدفاع عن المصلحة العربية والكرامة العربية، ولا ينبغي أن ننسى أن تدخل مصر في حرب 1967 كان استجابة ودفاعاً عن الأمن القومي العربي لأن سوريا تعرضت لتهديدات آنذاك كما أن الأردن كانت تحت ضغوط إسرائيلية مكثفة.

 

  • الثالثة: مشاركة سياسية عربية فاعلة في دهاليز الأمم المتحدة حيث نشطت المجموعة العربية مؤيدة من دول عدم الانحياز والدول النامية وغيرها من الدول المحبة للسلام، كذلك نشط السفراء العرب في مختلف دول العالم في إتصالاتهم مع المسئولين في تلك الدول لشرح وجهة النظر العربية، كما كثفت القيادات السياسية العربية إتصالاتها الدولية لتأييد الحق العربي، وهكذا شعر كل عربي بأن ما تحقق من نصر أكتوبر إنما هو نصرله، وهو رد إعتبار للعسكرية المصرية بإعتبارها جزءاً لا يتجزأ من العسكرية العربية، بل إن مصر دائما في مقدمة الصفوف العربية عسكرياً وسياسياً ، كما شعر كل مواطن عربي بفخر واعتزاز لأن أي نصر لمصر هو نصر للعرب كما إن أي هزيمة لها هي هزيمة للعرب ومن ثم ساعدت حرب أكتوبر على تعزيز اللحمة العربية في العمل وفي الاحاسيس والمشاعر.

 

 

 

  • وردا على سؤال : هل انعكست نتائج حرب 1973 على المنطقة العربية؟!

 

قال السفير د. نعمان جلال: لقد أطلقت حرب اكتوبر عملية السلام في الشرق الأوسط بعد أن ظلت تراوح مكانها وتدور في حلقات مفرغة منذ حرب 1967، وصدور قرار مجلس الامن الشهير رقم 242 ، ومباحثات جونار يارنج مبعوث الأمم المتحدة، ومبادرات دولية واقليمية عديدة، وقرارات لا تحصى ولا تعد صدرت من المنظمات والمؤتمرات الدولية والاقليمية، لأن الشعار الحقيقي الذي رفعه الزعيم جمال عبدالناصر بعد حرب 1967 إن ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة كان يعبر عن الفلسفة الواقعية للسياسة الدولية ومازال هو القانون الذي يحكم مسيرة هذه السياسة والتصرفات بين الدول.

 

 

ثلاث نتائج جانبية

وتابع خبير الدراسات الإستراتيجية الدولية: لقد ظهرت ثلاث نتائج جانبية لهذه الحرب ولإستخدام سلاح البترول العربي فيها وهي:

  • الأولى: مبادرة الحوار العربي الأوروبي، وكانت تستهدف إرضاء العرب والتعبير عن الندية في التعامل معهم والأخذ في الحسبان مصالحهم، ولكن مع مضي السنين وتقادم الحدث تراجع هذا الحوار وتغلبت وجهة النظر الاوروبية على وجهة النظر العربية. وكما هو معروف كان الحوار يدور حول معادلة المصالح الاقتصادية الأوروبية مقابل التأييد السياسي للقضايا العربية العادلة. ولكن تدريجيا ضمنت أوروبا مصالحها ثم تراجع تأييدها السياسي ووضعت له شروط وقيود ولذلك توقف الحوار وتراجع الإهتمام به وبرزت على إثره حوارات جديدة ومفاهيم جديدة للتعامل الجزئي والاقليمي وأحيانا الفردي مع الدول العربية، ومن ثم ضعفت الشوكة وتراجعت القوة الشاملة لصالح مصلحة الدول فرادي.

 

  • الثانية: التعاون العربي الأفريقي والذي تم تدشينه في مؤتمر مشترك للطرفين في القاهرة عام 1977 وكانت المصالح المشتركة للطرفين متشابهة في مقاومة الاحتلال والعدوان والدفاع عن السيادة الوطنية، وأدى إرتفاع أسعار البترول إلى معاناة بعض الدول الأفريقية والدول النامية لذلك قدمت لهم الدول العربية سعراً مخفضاً للبترول الذي يستوردونه كما قدمت مساعدات مالية وأقامت عدة مشروعات. ولكن لم تكن بالقدر الكافي الذي تطلع إليه الاخوة الأفارقة ثم جاءت التطورات اللاحقة وأدت إلى تجمد الإطار الدولي للتعاون العربي الأفريقي وانحصاره إلى التعاون في المجال الثنائي وهو ما أدى إلى إنتهاء الغرض الحقيقي منه.

 

  • الثالثة: بروز تجمع الدول المنتجة للبترول «الأوبك» وتعاظم قوتها، ولكن في مواجهتها ظهر تجمع غير رسمي للدول المستهلكة وخاصة الغربية التي بدأت تبحث عن مصادر جديدة للطاقة وأيضا عن بدائل آخرى فضلا عن ترشيد استهلاكها، ومارست ضغوطاً مكثفة على الدول المنتجة للبترول وخاصة العربية وأقنعتها بضرورة المحافظة على التوازن الاقتصادي الدولي وعدم رفع الأسعار، وأنتهى الأمر كله بأن فقد سلاح البترول فاعليته وأصبح مجمداً، بل إن البعض أصبح يعتبره سلاحا خطراً إذا لجأ العرب إليه لأن ضرره الأن أكثر من نفعه. ولاشك إن هذا من حيث الصورة العامة قد يبدو صحيحا ولكن هناك وجهات نظر أخرى وآليات آخرى يمكن اعتمادها للإفادة من تأثير هذا السلاح لخدمة المصالح العربية.

 

 

عودة الموقف العربي إلى نقطة البداية 

وردا على سؤال حول المتغيرات داخل الساحة العربية بعد نشوة الانتصار العربي في معركة 1973 ؟

أوضح السفير نعمان، أن الجانب العسكري لحرب أكتوبر يتمثل في أسمى مظهر له في طابع المفاجأة الاستراتيجية التي أنهكت العدو الاسرائيلي وأخذته على حين غرة ومن ثم أوقعت به الهزيمة في الايام الاولى للمعركة واضطر إلى الاستغاثة العاجلة بالولايات المتحدة وواجهت كل من جولدامائير رئيسة وزراء اسرائيل وموشى دايان وزير دفاعها آنذاك حالة شبه انهيار نفسي وكارثة بعد المفاجأة العسكرية بعبور القوات المصرية حاجز مائي ضخم وهو قناة السويس، وحاجز ترابي منيع هو خط بارليف وهو مالم يتصوره القادة العسكريون في اسرائيل بل وفي العالم .. ثم بعد تحقق النتائج الي أشرنا إليها، عاد الموقف العربي بعد مضي ما يقرب من خمسة وأربعين عاما على حرب أكتوبر إلى نقطة البداية، ولا شك أن هناك سلسلة من الاخطاء ارتكبت من بعض القيادات العربية في هذه الدولة أو تلك في مراحل تاريخية مختلفة أدت إلى فقدان الكثير من أدوات القوة العربية وإلى حالة الضعف التي يعيشها العالم العربي في هذه المرحلة التاريخية الخطيرة.

 

 

االبحث عن عوامل عودة الحياة لروح الأمة العربية

وللمزيد من التوضيح، أكرر: لقد عادت المبادرات الدولية من أجل السلام، وكذلك المبادرات الإقليمية وبخاصة العربية يتم طرحها دون تجاوب حقيقي من الاطراف الدولية أو من الخصم الاسرائيلي، ولكن الاكثر خطورة هو ما تعرضت له الامة العربية والاسلامية بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 نتيجة العمل الارهابي في واشنطن ونيويورك وانطلاق القوة الامريكية الضخمة لمقاومة الارهاب الذي تم الصاقه بالاسلام ومن ثم جرى تشويه الطابع العربي والاسلامي وأصبح العرب بوجه عام موضع شك وريبة حيثما وجدوا في كثير من الدول الغربية وعلى الاخص في الولايات المتحدة. .ومن هنا نقول إنه بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر، وما أدت إليه من انبعاث القوة العربية، إنه قد آن الآوان مرة ثانية أن نبحث عن منطق جديد، ويقظة وصحوة جديدة، تعيد بعض الحياة لروح الأمة العربية لتستطيع مقاومة التحديات والضغوط التي تمارس ضدها.