السودان.. توقيف عسكريين وإبعاد متمردين وانقطاع الإنترنت

لم تعرف الأزمة السودانية طريقها إلى الهدوء أو التوافق بعد، في وقت تتصاعد فيه الأحداث داخليا، بينما يضغط المجتمع الدولي من أجل استئناف الحوار وتسليم السلطة للمدنيين.

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، الإثنين، أنّ مساعد وزير الخارجية لشؤون أفريقيا، تيبور ناج، سيزور الخرطوم خلال الأيام القليلة المقبلة، للدعوة إلى “استئناف” الحوار بين المجلس العسكري الحاكم وقادة الحركة الاحتجاجية، الذين يطالبون الجيش بتسليم السلطة للمدنيين.

وتندرج زيارة ناج إلى السودان في إطار جولة أفريقية تستمر من 12-23 يونيو/ حزيران الجاري، وسيدعو المبعوث الأمريكي في الخرطوم إلى “وقف الهجمات على المدنيين”.

وكانت الولايات المتحدة دانت، الأسبوع الماضي، الهجمات على المحتجين، الذين يطالبون المجلس العسكري بنقل السلطة إلى المدنيين، بعد إطاحة الجيش بالرئيس عمر البشير في 11 أبريل/ نيسان، ومن المقرّر أن يلتقي تيبور ناج، ممثلين عن كلّ من المجلس العسكري والحركة الاحتجاجية.

وجولة ناج ستتخلّلها محطة في إثيوبيا، حيث مقرّ الاتّحاد الأفريقي، حيث يبحث مساعد وزير الخارجية الأمريكي في أديس أبابا مع مسؤولي الاتّحاد الأفريقي “الجهود المبذولة لدعم حلّ سياسي” في السودان.

إبعاد 3 قياديين في حركة متمردة

ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه نائب رئيس الحركة الشعبية- شمال السودان ياسر عرمان، الإثنين، أنه تمّ إبعاده “رغمًا عن إرادته” مع قياديين اثنين آخرين في الحركة من الخرطوم إلى جوبا، في اليوم الثاني من العصيان المدني، الذي ينظمه المحتجون.

وقال عرمان، لوكالة فرانس برس في أحد فنادق جوبا، “جئت مع الرفيقين إسماعيل خميس جلاب ومبارك أردول، والشيء الوحيد الذي يمكنني قوله هو أنه تم ترحيلي رغمًا عن إرادتي”.

وكان التليفزيون الرسمي السوداني أفاد بأن السلطات أفرجت عن القياديين المتمردين الثلاثة الذين ينتمون إلى حركة كانت تقاتل نظام الرئيس المعزول عمر البشير في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق منذ 2011. وأكد عرمان، عبر موقع “تويتر”، أن “مروحية عسكرية” استخدمت لترحيله.

وقال عرمان، “لم أكن أعرف إلى أين يأخذونني، سألتهم عدة مرات”، مضيفًا أنه وجلاب وأردول كانوا مقيديّن طوال الرحلة.

واعتقل ياسر عرمان، وهو نائب رئيس الحركة الشعبية شمال السودان- جناح مالك عقار، الذي وصل الخرطوم في 26 مايو/ أيار ليشارك في التفاوض مع المجلس العسكري، في الخامس من يونيو/ حزيران.

واعتقل جلاب وأردول من منزليهما في الخرطوم، الجمعة، بعد اجتماعهما مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي زار الخرطوم في محاولة للتوسط بين المحتجين والمجلس العسكري لإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض.

والتقى أحمد، الجمعة، رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان، لمناقشة “التقدم في الوساطة لجلب الأمن الاستقرار إلى السودان”، وفق ما أفاد مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي الإثنين.

وأضاف أن “محادثاتهما أكدت على سبل التقدم، وأعرب الطرفان عن أملهما بمعالجة الوضع الحالي بشكل إيجابي”.

توقيف عسكريين

وواصل المحتجون اعتصامهم خارج مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم لمطالبة المجلس العسكري بتسليم السلطة للمدنيين إلى أن تم فض الاعتصام الإثنين الماضي في عملية أمنية أسفرت عن مقتل العشرات.

ومساء الإثنين، أعلن المجلس العسكري توقيف “عدد من منسوبي القوات النظامية” على خلفية الأحداث التي رافقت فض الاعتصام.

وقال المجلس، في بيان أوردته وكالة الأنباء السودانية الرسمية سونا، إنّه “تمّ تشكيل لجنة تحقيق مشتركة، باشرت مهامها فور تكوينها، وتوصّلت إلى بيّنات مبدئية في مواجهة عدد من منسوبي القوات النظامية والذين تم وضعهم في التحفّظ توطئة لتقديمهم للجهات العدلية بصورة عاجلة”.

ولم يحدّد المجلس، في بيانه، عدد العسكريين الذين تم توقيفهم ولا الجهاز الذي ينتمون إليه ولا حتى التهم الموجّهة إليهم.

انقطاع الإنترنت

وتوقفت خطوط شركة الاتصالات السودانية سوداتل، مزود الإنترنت الرئيسي في البلاد، بعد ظهر الإثنين، ما أثر على سفارات وفنادق فخمة وعدّة مكاتب أخرى، كما طال الانقطاع مدنًا أخرى في البلاد.

وتتهم المعارضة السودانية المجلس العسكري بقطع الإنترنت، حيث قال تجمع المهنيين في بيان الإثنين، “مرة أخرى يقدم المجلس العسكري الانقلابي على قطع الإنترنت والخطوط الأرضية، وهي المنافذ الوحيدة المتبقية للسودانيين للإطلال على العالم ولفضح جرائم ميليشيا الجنجويد والمجلس العسكري الانقلابي ونقل ملاحم وانتصارات الشعب السوداني الواسعة من عصيان مدني شامل وإضراب سياسي عام”.

وأضاف البيان، “يأتي هذا القرار التعسفي بعد قطع الانترنت نهائياً عن شبكات الاتصال المحلية المخدمة لشرائح الجوالات، وعليه فإننا نوصي بضرورة استمرار توثيق كل مظاهر العصيان وجرائم المجلس العسكري الانقلابي في أجهزة الجوال وكاميرات الفيديو الرقمية والاحتفاظ بالمواد لنشرها في أقرب فرصة”.

وكان المجلس العسكري أعلن فجر الإثنين أنه سيتم تعزيز تواجد قوات الأمن في الشوارع غداة مقتل أربعة أشخاص في مواجهات الأحد، اثنان منهم في الخرطوم واثنان في أم درمان، على الضفة المقابلة من نهر النيل.

وأقام المتظاهرون حواجز في عدة أجزاء من العاصمة، بينما تعهد المجلس العسكري بإزالتها.

العصيان المدني

ويأتي ذلك في اليوم الثاني من العصيان المدني الشامل الذي أعلنته قوى المعارضة، ولاقى قبولا وسعا في يومه الأول، لكن عددا من المتاجر ومحطات الوقود وبعض فروع مصارف خاصة فتحت أبوابها الإثنين في الخرطوم، ونقلت حافلات المواصلات العامة الركاب، فيما شوهدت سيارات بينما كانت حركة المارة في شوارع العاصمة أكبر من اليوم السابق.

لكن معظم أجزاء العاصمة وأحياءها التجارية الرئيسية بقيت مغلقة إذ فضل أصحاب المحلات والتجّار والموظفون التزام منازلهم. أما من تركوا منازلهم، فأكدوا أنهم مضطرون لمواصلة العمل من أجل إعالة عائلاتهم.

وحمّل المجلس العسكري “قوى إعلان الحرية والتغيير” التي تقود الاحتجاج “المسؤولية الكاملة لكلّ الأحداث المؤسفة التي تسببت فيها الممارسات غير الرشيدة التي تقوم بها ما تسمّى بلجان المقاومة بالأحياء”.

ويقوم أفراد هذه اللجان بقطع الطرق بالعوائق والحجارة التي يكدسونها لتشكل ما يسمونه “متاريس” في إطار مقاومتهم للمجلس العسكري.

بينما قرّر المجلس العسكري “تعزيز الوجود الأمني للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع والقوات النظامية الأخرى لإعادة الحياة الى طبيعتها وتأمين المواطنين العزّل وفتح الطرق وتسهيل حركة الناس وحركة المركبات العامة والخاصة وحراسة المرافق الاستراتيجية والأسواق”، بحسب ما جاء في بيانه.

واتهم شهود عيان قوات الدعم السريع بتنفيذ الهجوم الأسبوع الماضي على المعتصمين في الخرطوم.

118 قتيلا

وبلغت الحصيلة الإجمالية للقتلى منذ فض الاعتصام في الثالث من يونيو/ حزيران 118، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية المشاركة في حركة الاحتجاج.

في المقابل، أعلنت وزارة الصحة، أن الحصيلة بلغت 61 قتيلا في أنحاء البلاد، 49 منهم قتلوا بالرصاص الحي في الخرطوم.

واتهمت لجنة أطباء السودان المركزية قوات داعمة للمجلس العسكري بتنفيذ الهجوم الدامي على ساحة الاعتصام.

بدوره، أكد تجمع المهنيين السودانيين، الذي كان أول جهة أطلقت الاحتجاجات ضد حكم البشير في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أن حملة العصيان المدني ستتواصل إلى حين نقل القادة العسكريين السلطة إلى حكومة مدنية.

اقتراحات المجلس السيادي

قال مصدر من إعلان قوى الحرية والتغيير، المعارض في السودان ، إن المعارضة ستقترح 8 أعضاء للمجلس السيادي، بينهم 3 نساء، وإن مرشحها لمجلس الوزراء هو عبد الله حمدوك.

والدكتور أحمد عبد الله حمدوك حاصل على بكالوريوس (مع مرتبة الشرف) من جامعة الخرطوم، وعلى ماجستير ودكتوراه في الاقتصاد من كلية الدراسات الاقتصادية، بجامعة مانشستر بالمملكة المتحدة.

عمل في وزارة المالية بالسودان بمنصب كبير المسؤولين في الفترة من 1981 حتى 1987، وبعدها عمل في شركة مستشارين خاصة في زيمبابوي حتى عام 1995، ومن ثم مستشارًا في منظمة العمل الدولية في زيمبابوي حتى عام 1997.

عُين في بنك التنمية الأفريقي في ساحل العاج حتى عام 2001، وبعدها انضم للجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة في أديس أبابا في عدة مواقع حتى أصبح نائب الأمين التنفيذي.

في الفترة من 2003 حتى 2008، عمل حمدوك في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (IDEA) بصفته مديرا إقليميا لأفريقيا والشرق الأوسط.

شغل حمدوك منصب كبير الاقتصاديين ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لأفريقيا منذ عام 2011.

في 2016 تم تعيينه من قبل الأمين العام للأمم المتحدة حينئذ بان كي مون، القائم بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، وتسلم منصبه في الأول من نوفمبر.

في 2018، تم ترشيحه لتولي منصب وزير المالية السوداني في التشكيل الوزاري برئاسة معتز موسى، ولكنه اعتذر عن قبول تكليفه بمنصب وزير المالية.

في 2019، برز اسم حمدوك وسط المرشحين لتولي رئاسة الوزراء في الفترة المقبلة، بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير وتولي المجلس العسكري الانتقالي إدارة البلاد.

وانهارت المحادثات بين المجلس العسكري بالسودان والمعارضة الأسبوع الماضي عندما اقتحمت قوات الأمن اعتصاما أمام وزارة الدفاع كان يمثل النقطة المحورية لحركة الاحتجاج بالسودان لما يقرب من شهرين.