الشارع العراقي يحاصر الطبقة السياسية .. و«عبد المهدي» بين خيارين: الاستقالة أو الإقالة

تتفق الدوائر السياسية في بغداد، على أن اللحظة الراهنة في البلاد، هي لحظة عراقية فارقة بامتياز، لا تقل أهمية عن كل اللحظات التاريخية التي شهدها العراق في تاريخه الحديث، حيث يحاصر الشارع العراقي الطبقة السياسيية، وأصبح رحيلها هو الهدف، والطرقات والمدارس مغلقة بأمرالشعب، وقد دخلت  تظاهراته شهرها الثاني، بعد أن كانت قد انطلقت في الأول من الشهر الماضي، وعلى الرغم من أعمال العنف التي مارستها بعض القوات الأمنية ومجهولون، استمرت سلمية التظاهرات التي عاودت الاندلاع في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، الأمر الذي أدى الى تداعي الالآف من المواطنين ألى إدامة زخم الحراك الذي دعمته المرجعية الدينية في النجف، بمطالبة الحكومة بالاستجابة إلى مطالب المتظاهرين، ورفض أي تدخل إقليمي أو دولي يبتغي مصادرة رأي الحراك أو حرية المتظاهرين، في وقت أعلنت نقابات ومنظمات عدة اضرابها لمساندة المتظاهرين والضغط على الحكومة لتلبية مطالب الحراك السلمي.

إضراب عام .. وعصيان مدني

وبدأ المتظاهرون العراقيون منذ الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد، بغلق الطرق الرئيسية والجسور في العاصمة بغداد وبقية المدن العراقية، لتنفيذ إضراب عام على خلفية عدم استجابة الحكومة لمطالب الحراك الشعبي طيلة الأيام الماضية.

وكان قادة الاعتصامات، اتفقوا مساء أمس  السبت، خلال اجتماعات داخل الخيم، وبالتشاور مع القضاة والقانونيين وبعض الأكادميين، على وضع مسودة من خمسة نقاط، تحمل المطالب الرسمية، تعلق على البناية المطلة على ساحة التحرير من جهة،  وعلى جسر الجمهورية ونهر دجلة الذي يشطر بغداد إلى نصفين، ومن ناحية ثالثة على المنطقة الخضراء شديدة التحصين، لتكون المطالب في مواجهة الجميع ويتصدرها مطلب شعبي بتطهير الساحة السياسية، أي رحيل الطبقة السياسية، وتحسين الخدمات العامة، وتوفير فرص عمل، وإسقاط الحكومة، قبل بدء عصيان مدني عام في جميع انحاء العراق.

  • ويواجه رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي في ظل استمرار الاحتجاجات المطالبة بإقالته والمناهضة للنظام السياسي «الفاسد»، ضغوطا خارجية من قبل الولايات المتحدة تطالبه بالاستجابة لمطالب الشارع العراقي ، بينما وضعت قائمة سائرون “أكبركتلة برلمانية تضم 7 أحزاب مدنية وإسلامية”، رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أمام خيارين، أما الاستقالة أو الإقالة، وحمّلته مسؤولية الأحداث التي رافقت التظاهرت، وشددت على فشله في أداء مهامه وتنفيذ البرنامج الحكومي المصوت عليه داخل مجلس النواب، وكشفت “سائرون” عن اتفاق بين أغلب الكتل السياسية على استبداله.

ويقول النائب عن تحالف  سائرون، محمد رضا الحيدري: ” رئيس الوزراء لم يوافق على الحضور حتي الأن إلى مجلس النواب من أجل مناقشته حول الأحداث التي رافقت التظاهرات وتحقيق إصلاحات حقيقية، والمؤشرات المتوفرة لدينا تفيد بأن عبد المهدي لن يحضر إلى مجلس النواب، ولعله يخشى من مواجهة ممثلي الشعب بخصوص الفشل الحكومي، وامتناع رئيس الوزراء عن الحضور، سيجعلنا أمام خيار واحد، وهو المضي في إقالة الحكومة من خلال الوسائل التي كفلها لنا الدستور”.

  • ويرى سياسيون عراقيون، أن المحاصصة قد انتهت، ولم يبق خيار لعبد المهدي سوى الاستقالة، وأن وكثير من المتغيرات حصلت تساعد على تشكيل حكومة جديدة تلبي طموحات الشارع العراقي بعيدا عن سطوة الأحزاب السياسية كما كان يحصل في السابق

المزاج القومي سائد في العراق .. لا.. لآمريكا وإيران

ويتساءل الشارع العراقي: هل إقالة رئيس الحكومة هي الحل؟ وهل استقالة الحكومة كافية للتخلص من الطبقة السياسية “الفاسدة”؟،  بحسب لافتات رفعها المتظاهرون، مطالبين بتطهير شامل للساحة السياسية ممن في السلطة وخارجها في دائرة المحاصصة السياسية المذمومة والمرفوضة شعبيا، وممن يدينون بالولاء لإيران أو الولايات المتحدة.

ويرى منسق برنامج المجلس الروسي للشؤون الخارجية، رسلان محمدوف ، أنه يمكن تغيير الحكومات في البلدان المحتجة، ولكن النخبة السياسية الحالية لن تذهب إلى أي مكان، أقصى ما يمكن أن يحدث هو إعادة توزيع الموارد والقوى، أما بخصوص الحد من نفوذ إيران في المنطقة، فالأمور نسبية، ففي العراق، هناك صراع بين قوتين سياسيتين، كتلة فتح، المرتبطة بالحشد الشعبي، وسائرون التابعة لمقتدى الصدر، الأولى، أقرب إلى طهران، لكن للصدر أيضا صلة خاصة بإيران، جميع السياسيين العراقيين، يدركون أن المزاج السائد في البلاد قومي، وأن الشارع لن يقبل حكومة تلعب بوضوح إلى جانب إيران، أو جانب الولايات المتحدة.

مجلس النواب في حالة انعقاد دائم

رئیس البرلمان العراقي،  محمد الحلبوسي، يحاول التماس مع مطالب المتظاهرين من أقصى الشمال إلى أقصى جنوب العراق، مؤكدا أن مجلس النواب سیكون في حالة انعقاد دائم للإسراع بتحقیق مطالب الشعب دون ضغط خارجي ودون فرض إرادات شخصیة أو حزبیة، والعمل بجد واجتھاد على إجراء كل التعديلات الدستورية بالشراكة مع ممثلین عن المتظاھرين والنخب و الخبراء والأكاديمیین المحترمین ممن يعیشون الواقع العراقي بتفاصیله؛ لیحددوا مكامن الخلل ومواطن الإصلاح، من أجل تشخیص الخطوات المطلوبة التي توصلنا إلى الإصلاح المنشود.

وكشفت النائبة عن ائتلاف النصر، ندى شاكر جودت، أمس السبت، عن تشكيل كتلة «حركة تصحيح النيابية» التي دعا اليها عدد من النواب المستقلين من مختلف الكتل السياسيةن وهي كتلة داعمة لكافة المطالب المشروعة التي ينادي بها المتظاهرون.

العراق الحقيقي يثور على العراق المزيف

صورة  المشهد العام في العراق، يعبر عنها تساؤل المفكر والمحلل السياسي العراقي، فاروق يوسف: ما الذي يمكن أن يفعله العراقيون أكثر لكي تصدق الطبقة السياسية الحاكمة أنها لم يعد لها مكان في السلطة؟!، لقد انتفض الشباب العراقي ضد العراق الجديد الذي رفضوه جملة وتفصيلا، وهو مطلب لا يقبل التجزئة ،وصار لزاما عليهم أن يطووا صفحة ذلك العراق الذي تلوذ به الطبقة السياسية.

وقال فاروق: ” ذلك يعني أن العراق الحقيقي يثور على العراق المزيف.، وهو ما صار واضحا دون لبس من خلال شعارات كُتبت بلغة بسيطة لا يمكن أن تدخل في دائرة سوء الفهم. وهي شعارات لم تُرفع من قبل، يوم كان التظاهر محصورا بمطالب خدمية..الـ «لا» الشبابية تشمل الجميع، كل من شارك في الحكم والعملية السياسية والانتخابات وإدارة مفاصل الدولة منذ 2003 وحتى اليوم.

وتابع: “لم يطلب المحتجون من الطبقة السياسية الحاكمة أن تبحث عن حل الأزمة بل طالبوها بالرحيل. ذلك هو الحل الوحيد لإنهاء الأزمة”.

ويقول المحلل السياسي والمفكر العراقي: ما حدث في العراق عبر الستة عشر عاما الماضية لم يحدث ما يشبهه في عصرنا. فما من دولة سُلمت ثرواتها كلها إلى فئة محدودة العدد، ليس هناك من يسألها عما تنفقه وعن النواحي التي تذهب إليها الأموال المختفية. كأن تلك الفئة عبارة عن ثقب أسود تدخل إليه أموال العراقيين فتختفي نهائيا، لم تبن مدرسة، لم تشيد مستشفى، وتم إنفاق 30 مليار دولار من أجل اصلاح شبكة الكهرباء لا يزال البلد من غير كهرباء، والوضع نفسه يصح على منظمتي المياه الصالحة للشرب وتصريف المجاري، لقد استلمت الطبقة السياسية بلدا حطمت الحروب بنيتيه التحتية والخارجية ولا يزال كما هو، كما لو أن الغزاة ما زالوا يجوبون أزقة مدنه!!.