الشعب لا يزال يفكر.. التونسيون «حائرون» بين المتنافسين على كرسي الرئاسة

ترى  مراكز الدراسات الاجتماعية في تونس، أن الشعب لا يزال يفكر وحائر بين المتنافسين على كرسي «قصر قرطاج» الرئاسي، وأن المناظرات الرئاسية التي جرت فقدت بريقها، ونفد رصيدها مبكرا، بعد أن تابعها في اليوم الأول نحو 3 ملايين نسمة، من دولة يبلغ عدد سكانها نحو 11 مليون نسمة، ويبلغ عدد الناخبين نحو 7 ملايين ناخب، وهي نسبة متابعة عالية، وفي اليوم الثاني (الأحد 8 سبتمبر/ أيلول ) تراجع عدد المتابعين نسبيا ليكون في حدود المليونين ونصف المليون مشاهد، وتناقص  العدد في اليوم الثالث والأخيرة التي جرت يوم أمس.

الدوائر السياسية والإعلامية في تونس، تلفت الانتباه إلى ملاحظة هامة، وهي تشتت الآراء حول المترشحين، وأنه من الصعوبة تحديد من هو الأوفر حظا في المنافسة على أن يدخل الجولة الثانية من انتخابات لن تقرر الفائز في الجولة الأولى، خاصة وأن «الحيرة» هي العلامة الأبرز لانتخابات 2019.

المناظرات لم تعد مقياسا للتأثير على الرأي العام

ورغم أن المناظرات في حد ذاتها تجربة فريدة في عالمنا العربي، وأعطت عن تونس صورة إيجابية واستثنائية، وكشفت أن في تونس طبقة سياسية جدية وقادة جديرون بالاحترام، وشخصيات قد استعدت أكثر من غيرها لقيادة البلاد، وأعطت صورة مغايرة عن الحياة السياسية وعن النقاش الممكن داخلها، إلا أنها لم تعد مقياسا للتأثير على الرأي العام تجاه مترشح محدد،أو على الأقل اثنين أو ثلاثة، بل ظلت الحيرة مع الترقب هي السمة الغالبة للناخبين التونسيين..

ويقول الكاتب والباحث التونسي، حسان العيادي، للأسف يبدو أن الساسة في تونس، خاصة من يعرضون أنفسهم على الناخبين لم يدركوا بعد أهمية اللحظة التأسيسة التي تعيشها البلاد، وهي علي أبواب استحقاق رئاسي سابق لأوانه، وخلال الأيام المنقضية من عمر الحملة الانتخابية استمع التونسيون إلى مرشحيهم الـ26 أو من يمثلهم واطلعوا علي البرامج والوعود الانتخابية، ومن لم يطلع بشكل مباشر مكنته المناظرات مما فاته، وهو ليس بالكثير، فكل من ترشح للاستحقاق الانتخابي للرئاسية بنى حملته على برامج اقتصادية واجتماعية بالأساس، وغاب عنه أن هذه الملفات اليومية هي من صميم صلاحيات الحكومة، أي أن مجال التسويق لها هو الانتخابات التشريعية التي سيختار فيها التونسيون بشكل غير مباشر أغلبية الحكم القادمة، وهذه الأغلبية وعلى عكس رئيس الجمهورية تعرض نفسها للناخبين ببرنامج يعتني بمعاشهم اليومي في كل أوجهه الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، على المدى القصير والمدى المتوسط والبعيد.

كل ناخب «مرشّحه في جيبه»

ويرى الباحث والأكاديمي التونسي، سامي براهم، أن ما يحدث في البلد من مناظرات هو حدث تاريخيّ نوعيّ بكلّ المعايير مهما كانت ملابساته وما يفتح عليه من انتظارات مجهولة قد يكون لها أثر سلبيّ على نسق التغيير في البلد، سيكون لهذا الحدث قيمة مضافة إذا رافقه دربة على النّقاش العموميّ الدّيمقراطي الذي يبني وعيا ويكسب تقاليد لأخلاق الحوار المدني وقواعده حتّى لو كان في فضاء افتراضي عمومي مفتوح بدون قيود، أمّا الانتصار للمرشّحين فيفترض أنّ كلّ ناخب «مرشّحه في جيبه»، سواء صرّح به أم لم يصرّح، المهمّ أن نصل إلى مستوى من أخلاق المواطنة التي تحول دون استهداف المنافسين بشكل مجانيّ فقط  لمجرّد أنّهم منافسون، وأن نجتنب التعصّب والولاء الذاتي الأعمى للمرشّح الذي اخترناه وأن نخوض النقاش العمومي الذي يطوّر الوعي واستيعاب تحدّيات ممّا يمكّن من تغيير الخيار  الانتخابي كلّما تبيّن لنا وجود من هو أفضل. هذا هو المبدأ الذي على أساسه تقام المناظرات والذي يمكّن من تجاوز ثقافة الألتراس إلى ثقافة المناظرة والحوار والحجاج العقلاني والمساندة الواعية.

بينما ما زال الكثير من قواعد الأحزاب والمرشحين بعيدا عن أبجديات الثقافة الدّيمقراطيّة، يحاكمون النّوايا ولا يناقشون الأفكار، يسارعون للسباب ويعجزون عن بناء خطاب حجاجيّ بعيدا عن التشنّج والانفعال، بحسب تعبير الباحث التونسي.

حيرة اليساريين

وداخل المشهد الانتخابي،  يشير الباحث التونسي، ماهر حنين، إلى حيرة اليساريين قبل أيام من يوم الاقتراع الرئاسي، فهم قلقون على أنفسهم اليسارية وعلى عائلتهم الأوسع المسماة عادة «العائلة الديمقراطية الحداثية»، وذلك تحت ضغط الحاجة القديمة المتجدّدة لاستبعاد الإسلاميين الخطر الأبرز وربما الأوحد عند البعض، والحاجة المستحدثة للتصدي لصعود الشعبويات المدوّى.

وقال حنين، إن  ذروة هذا الرهاب اليساري تكمن في الخوف من هزيمتين الأولي لليسار رغم جليل عطائه، والثانية للحداثيين مما يضع  حركة النهضة الإسلامية، علي طريق منبسطة للتّمكن من مؤسسات الحكم من رأسها الجمهوري الي قاعدتها المحلية والبلدية .

«فتنة» الحامدي

وفي مقابل حيرة اليساريين، فجر المترشح محمد الهاشمي الحامدي، جدلا واسعا داخل الشارع السياسي، بانقلابه على مدنية الدولة، وكأنه يعادي الدستور التونسي، وفي نفس الوقت راود المتشددين الإسلاميين.

وتقول عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات حسناء بن سليمان، لا يحق لأي مترشح أن يدعو إلى الفتنة ولا إلى الانقلاب على الدستور، وإن الإجراءات المتبعة تتمثل في تسجيل المخالفة والتنبيه على المخالف حتى يصلح الأمر مع إمكانية تسليط عقوبة مالية عليه، لكن لا يمكن معاقبة المترشح بحرمانه من مواصلة المنافسة.

بينما يتساءل سياسيون لماذا لم تتدخل هيئة الانتخابات في القضية؟ فإما أن تكون قد اطلعت على المسألة واقتنعت بخطورتها دون أن ترى موجبا للتدخل، وإما أن تكون اطلعت عليها دون أن تقتنع بخطورتها، مهما كان السبب فإن صمت هيئة الانتخابات وعدم تدخلها ولو بالتنبيه قد يشجع بقية المترشحين على مخالفة القانون وتعريض السلم والأمن القومي للخطر.

خطاب شعبوي موجه إلى قواعد حركة النهضة 

وبحسب الدوائر الإعلامية في تونس، فقد كرر الحامدي  مرة أخرى دعوته لتطبيق الشريعة الاسلامية وبث الخوف على الإسلام وكأنه وكيل الله على الأرض في الوقت الذي عرف فيه التونسيون الاسلام منذ الفتح في القرن الأول للهجرة فمن خلال خطابه يسعى الحامدي إلى بث الفتنة في الشارع التونسي بتأليب المتشددين واستمالة عواطفهم من خلال خطاب شعبوي موجه إلى قواعد حركة النهضة الغاضبة من المراجعات الفكرية، التي يتبناها عدد كبير من قيادات الحركة واستبعادها التيار المتشدد فيها، فالواضح أن الحامدي الذي ينعم بجنة العلمانية في بريطانيا يسعى لتحويل تونس إلى دولة دينية شبيهة بأفغانستان زمن طالبان أو الصومال زمن حركة الشباب متجاهلا أن تونس يحكمها دستور، ساهمت حركة النهضة وهي حركة إسلامية في صياغته، وأقر  الدستور بقدر كبير أن تونس دولة مدنية أساسها المواطنة والمساواة دينها الأسلام ولا مجال للمزايدة على إيمان التونسيين وتكفيرهم.