العالم على بعد «خطوة واحدة» من سباق تسلح غير منضبط

يبدو أن العام أصبح على موعد مع اشتعال سباق التسلح بين القوتين الأعظم (الولايات المتحدة وروسيا)، وهو السباق الذي خيم على سنوات الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، قبل سقوط إمبراطورية الاتحاد السوفيتي..وبدأت مؤشرات العودة لسباق التسلح المحموم، والتي حذر منها مندوب روسيا بالإنابة لدى الأمم المتحدة، دميتري بوليانسكي، مؤكدا أنه بسبب الطموحات الجيوسياسية للولايات المتحدة، أصبح العالم على بعد خطوة واحدة من سباق تسلح غير منضبط..وقال بوليانسكي ـ محذرا ـ خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي، قبل يومين، إننا جميعا على بعد خطوة واحدة من سباق تسلح غير منضبط وغير منظم بسبب طموحات الولايات المتحدة الجيوسياسية.

 

سقوط أهم وثيقة في مجال نزع السلاح النووي

بداية السقوط في دوامة سباق التسلح، كانت مع سقوط أهم وثيقة في مجال نزع السلاح النووي، أي معاهدة التخلص من الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى، الموقعة من قبل الرئيس الروسي غورباتشوف، والرئيس الأمريكي رونالد ريغان في العام 1987، التي توقفت عن العمل في الثاني من أغسطس/ آب، بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الانسحاب من الاتفاقية.. ويؤكد خبراء عسكريون روس أن العالم لن يصبح أكثر أمانا، على الأقل، لأن الانسحاب من المعاهدة يفتح الأبواب أمام الولايات المتحدة لتطوير صواريخ كروز متوسطة المدى وصواريخ نووية بالستية، بل ونشرها في مواقع قريبة جدا من حدود روسيا، كدول البلطيق وبولندا، وهذه الصواريخ البالستية يمكن أن تصل إلى موسكو خلال 3-4 دقائق، وفي هذه الحالة، لن يبقى أمام الجيش الروسي أي وقت تقريبا لاكتشاف إطلاقها وتقييم التهديد والبت في ضربة جوابية.

 

  • وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد أشار مراراً إلى أن روسيا لا ينبغي لها ولن تنساق إلى سباق تسلح باهظ الثمن لموسكو، موضحاً في الوقت نفسه أن جميع مقترحات روسيا بشأن نزع السلاح «ما زالت مطروحة والأبواب مفتوحة»..وبالطبع تغير موقف الرئيس بوتين بعد أن نشرت وزارة الدفاع الأمريكية مقطعا مصورا لتجربة إطلاق صاروخ «كروز» محظور بموجب معاهدة القضاء على الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى ( معاهدة عدم الانتشار).. وكشف البنتاغون بأن الصاروخ أصاب الهدف بعد طيرانه لأكثر من 500 كيلومترا، في الوقت الذي تحظر فيه معاهدة (عدم الانتشار)، اختبار صواريخ يتراوح مداها بين 500 و 5.5 ألف كيلومتر.. والتجربة الأمريكية أجريت  الأسبوع الماضي، 18 أغسطس/آب، في جزيرة سان نيكولاس في كاليفورنيا.

 

الرد الروسي ..صواريخ «فرط صوتية»

مخاطر سباق التسلح، كشف عنها رئيس هيئة «ضباط روسيا»، اللواء سيرجي ليبوف، بأن الرد الروسي، جاء في تصنيع نسخة أرضية من صواريخ كاليبر البحرية طويلة المدى، بالإضافة إلى صواريخ «فرط صوتية» ـ أسرع من الصوت ـ كما تجري أقلمة التقنيات السوفيتية مع الواقع الحديث، بما يتيح استهداف كل أوروبا، أي لدى روسيا رد مناسب.. ويرى اللواء سيرغي ليبوف، أن وراء انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة، رغبة الإدارة الأمريكية في جر روسيا إلى سباق تسلح، إضافة إلى ردع الصين. فالصين، اليوم، قادرة على تدمير السفن الأمريكية والبنية التحتية العسكرية في بحر الصين الجنوبي، لذلك، كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى الانسحاب من معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى من أجل نشر صواريخ نووية أرضية وأنظمة مضادة للصواريخ في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بما في ذلك اليابان.

 

  • ويأمل «ليبوف» في أن تتحلى واشنطن بالحكمة فلا توصل الأمور إلى حرب صواريخ نووية بين روسيا والولايات المتحدة.

 

زعزعة الاستقرار الاستراتيجي

ويرى خبراء روس، أن اختبار البنتاجون بنجاح صاروخ توماهوك من منصة إطلاق أرضية، الأمر الذي كان محظورا بموجب معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى، فإنه من غير المستبعد أن تسعى الولايات المتحدة إلى نشر توماهوك على أراضي آسيا وأوروبا، ما سيؤسس لسباق تسلح جديد، فقد أثارت اختبارات نموذج أرضي التموضع من توماهوك في الولايات المتحدة انتقادات حادة في روسياز ويقول الخبير الروسي بافيل بالاجتشينكو، والذي كان مشاركا في المحادثات حول تخفيض الأسلحة التقليدية في فيينا والمحادثات حول تخفيض الصواريخ الباليستية متوسطة المدى في جنيف (1980-1983): لم يخف الأمريكيون تطوير نسخة جديدة من صاروخ أرضي التموضع، وليس هناك مفاجأة. ولكن، هذا يعني استمرار انهيار نظام القيود وإمكانية بدء سباق تسلح.. إن  واشنطن تخلق وضعا خطيرا، لأن الأمر يتعلق بنشر مثل هذه الصواريخ في أوروبا وآسيا.. وأضاف «بالاجتشينكو»، إن الولايات المتحدة أعدت الصاروخ للاختبار، من دون أن تخفي ذلك. وبعد اتهام روسيا بانتهاك معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى، تم تخصيص أموال للبنتاغون لصناعة صواريخ أرضية يتجاوز مداها 500 كيلومتر. أي تلك التي حظرتها الاتفاقية.

 

  • وأشار بالاجيتشينكو إلى أن احتمال ظهور هذه الصواريخ في أوروبا لا يزال ضبابيا، مستدركا: لكن نشرها، لن يحتاج إلى كثير من الوقت. ويكمن جوهرها في حركية منصات إطلاقها ومخاطر زعزعتها الاستقرار الاستراتيجي. لذلك، فكل شيء هنا يتوقف على قرار سياسي.

 

ومن جانبه يؤكد العضو المراسل في أكاديمية العلوم العسكرية، الكسندر بارتوش، أن الأمريكيين انتهكوا منذ فترة طويلة معاهدة الصواريخ بتخطيطهم لنشر توماهوك على الأرض. وفي رأيه، سيعمل الأمريكيون، الآن، على زيادة مدى ودقة الصواريخ، وسيعدونها للنشر في جنوب شرق آسيا..وقال: حتى الآن، لا يدور حديث عن ذلك في أوروبا، لأنها اقترحت وقف نشر الصواريخ. ولكن، إذا ما قام الأمريكيون بهذه الخطوة، فسنرد، ولدى موسكو كل الوسائل اللازمة للحماية من مثل هذه الصواريخ.