«الفراغ القاتل» يهدد لبنان.. والسلطة تراهن على الوقت

تدخل انتفاضة الشعب اللبناني، اليوم الإثنين، يومها الـ12، بعد انطلاقها في 17 أكتوبر/ تشرين الأول، ضد الفساد المستشري في البلاد، والنخبة السياسية الحاكمة، في «وطن سريع العطب»، مطالبين برحيل النخب السياسية، واستقالة الحكومة، ليصبح الوطن «قيد الإنشاء»، بحسب تعبير محللين فرنسيين.. بينما بدت مؤشرات انقسام الشارع اللبناني إلى شارعين، مما دفع مجموعة «لحقي» المشاركة في الحراك ، إلى مطالبة الجماهير المنتفضة بالاتحاد ، من خلال «ربط الساحات بأصواتنا ومطالبنا وإصرارنا ووحدتنا»، في وجه ما سمَّته «سياسات التفرقة التي تتبعها السلطة».

 

مخاطر وتحديات أمام «ثورة الأرز»

في اليوم الثاني عشر أكدت الانتفاضة الشعبية (ثورة الأرز) إستمراريتها وفعاليتها، بحيث أصبحت واقعاً راسخاً، لم يعد بإمكان أهل الحكم تقليل أهميته أو القفز فوقه، وهذا لا يعني أن ثورة اللبنانيين السلمية قد إنتصرت، وحققت معظم أهدافها، لأن الطريق ما زال في بدايته، والمشوار محفوف بكثير من المخاطر والتحديات التي تتطلب حنكة في التعاطي معها، ووضوحاً في معالجة تفاصيلها، خاصة وأن الشياطيين تكمن في التفاصيل، وتكون أحيانا قادرة على إعادة الأمور إلى المربع الأول، بحسب رؤية المحلل السياسي اللبنانين صلاح سلام، وفي مقدمة هذه التحديات، أن بعض أطراف السلطة يراهن على الوقت في تفشيل أهم ثورة، إخترقت الحواجز الطائفية، وتجاوزت الفروقات الإجتماعية، وقاربت بين المناطق اللبنانية، ووحدت كلمة اللبنانيين ضد الإقطاعيات السياسية والحزبية.

 

فشل رهان السلطة على الوقت

وإذا كان رهان السلطة على الوقت قد فشل حتى الآن، فإن ذلك لا يعطي فرصة مفتوحة لأهل الثورة  بإعتبار أن الوقت يعمل لمصلحتهم دائماً، خاصة في ظل التعطيل الحاصل لمرافق البلد الحيوية، وما يعيشه اللبنانيون بسبب الأزمات المتراكمة.. وثمة تحدٍ آخر، يتمثل بمطالب الثورة التي أصبحت معروفة، ويتم تكرارها في كل مناسبة، وأهمها: إسقاط الحكومة، وتشكيل حكومة «الأيدي النظيفة» من أهل الإختصاص والسمعة الحسنة، وإستعادة الأموال المنهوبة وإحالة السياسيين الفاسدين إلى المحاكمة، ووضع قانون جديد لإجراء إنتخابات نيابية مبكرة، و هذه المطالب تحتاج إلى برنامج مدروس يُحدد الأولويات والبرنامج الزمني لها، ضمن رؤية متكاملة للخروج من النفق الحالي، وتحقيق النهوض الإقتصادي المنشود في فترة زمنية مقبولة، بعد وضع حد فاصل لإيقاف الإنحدار المستمر منذ فترة، وعجز أهل الحكم عن إيقافه قبل الوصول إلى الإنهيار الراهن.

 

  • وبقي التساؤل الكبير الحائر والقلق: ضمن أي سياق ستسير الأحداث في بلد تسوسه «شياطين مسلطة»، وتكاد السيولة تنعدم فيه، فضلاً عن مبادرات التسوية، وضمن ظروف بالغة التعقيد في المنطقة، وفق تحليل الصحف الفرنسية، التي طرحت تساؤلا ثانيا يقول: هل يتمكن الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الأخرى من حماية الانتقال إلى نظام حكم في لبنان قابل للحياة؟!

إعادة فرز الأوضاع السياسية.. بين محورين

وتحذر قوى سياسية في بيروت، إذا ما لم تتم معالجة الوضع خلال 4 أيام، فإن البلاد ذاهبة في اتجاه وضع مزعج أبعد بكثير من المطالب المعلنة، وأبعد  من مسألة تغيير الحكومة، خاصة وأن أحداث انتفاضة الشعب اللبناني، أخذت  أبعاداً، تنم عن إعادة فرز الأوضاع السياسية، بين محور السلطة، والثنائي الرافع لها: حزب الله والتيار الوطني الحر، ومعهما باقي الأركان من رئيسي المجلس النيابي والحكومة والنائب السابق وليد جنبلاط، وقوى سياسية أخرى، ومحور ثانٍ، قوامه حراك الشارع، ومن ورائه قوى سياسية، في المعارضة، فضلاً عن قوى يسارية ومجموعات المجتمع المدني،

انقسام الشارع المنتفض إلى شارعين

ويشير تقرير صحيفة اللواء اللبنانية، إلى انقسام الشارع المنتفض إلى شارعين، وسط تحذير الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، من أن يؤدي الفراغ في السلطة إلى الانهيار، مشيراً: «لا نقبل إسقاط العهد، ولا نؤيد استقالة الحكومة، ولا نقبل الآن بانتخابات نيابية مبكرة»، مع العلم أن «نصر الله»، وعلى الرغم من لاءاته التي ألهبت الشارع، وشطره إلى نصفين، في عملية ظن اللبنانيون انها أصبحت من ماضي تصنيفاتهم.. أبقى الباب مفتوحا للحل، عبر نقاش يسبعد «الفراغ القاتل»

 الإستقواء بحسابات فائض القوة لدى أهل السلطة

لا مصلحة لأحد بالدفع لظهور «شارعين» متصارعين على ساحة واحدة، وتحت علم واحد. لأن مثل هذه الخطوة تزرع الحقد والكراهية بين الشباب، وتزيد التباعد بين مكونات الوطن الواحد، وتفاقم تداعيات الأزمة الراهنة، وتشوه منطلقات وأهداف الثورة، التي تعبر عن هموم ومعاناة الشباب وأصحاب الدخل المحدود والفقراء من كل الطوائف، ومن كل المناطق.. كما أن الإستقواء بحسابات فائض القوة لدى أهل السلطة والنفوذ فمن شأنه أن يقود إلى عواقب وخيمة على أصحابه أولاً، وعلى البلد ثانياً وثالثاً ورابعاً، خاصة وأن لبنان من البلدان التي عانت طويلاً من الحروب الداخلية، ومن المغامرات العسكرية والأمنية التي لا تستند إلى حقائق الأمر الواقع، وموازين القوى الحقيقية.

 

حقائق تستحق التوقف عندها

ومن الملاحظ..ان الانتفاضة الشعبية اللبنانية، التي دخلت أسبوعها الثاني، تميّزت ببضع حقائق تستحق التوقف عندها، أبرزها ، أنها لم تفرز حتى اللحظة قيادات واضحة المعالم، ولعل غياب القيادة العلنية فيه جوانب إيجابية وجوانب سلبية في آن معاً.. والحقيقة الثانية، بحسب تعبير المحلل السياسي، إياد أبو شقرا، أن هذه الانتفاضة ما زالت فعلياً محرومة من أي تعاطف دولي يستحق الذكر.. والملاحظة الجديرة بالاهتمام أيضا، أن بكركي ( مقر ورمز القيادة المسيحية المارونية في لبنان) رفعت أمس سقف التأييد لانتفاضة الحراك الشعبي، حيث وجه البطريرك الماروني بشارة الراعي نداء جديداً أعلن فيه تأييده لتشكيل حكومة جديدة بكل مكوناتها تكون جديرة بالثقة ومصغرة مؤلفة من شخصيات وذات اختصاص وإنجازات ومن خارج الأحزاب والتكتلات.

 

  • بينما قالت مصادر مقربة من رئيس الحكومة، سعد الحريري، إن استقالة الحكومة بدون اتفاق مسبق على حكومة جاهزة أمر مستبعد، فيما ترددت معلومات نسبت لمصادر وزارية، أنه تمّ صرف النظر عن موضوع التعديل الحكومي بفعل التمسك ببعض الوزراء، كما أن لا قرار باستقالة الحكومة، وقالت إنه سيُصار إلى إعادة هيكلة الحكومة بمعنى تعيين بديل وزراء «القوات» الذين استقالوا، وتردد ايضا ، انه سيُصار إلى تعيين وزير واحد، بدل الأربعة، فيصبح عدد أعضاء الحكومة 27، لكن مصادر رسمية استبعدت هذا الأمر، لأن الحكومة ستصبح في هذه الحالة غير متوازنة طائفياً.

وهكذا .. بقيت الثورة الشعبية اللبنانية، على محك الانجازات والتحديات .. وبقيت بيروت تعيد اختراع نفسها .. وبقي السؤال، بحسب تقرير صحيفة اللواء اللبنانية: هل يتمكن الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الأخرى من حماية الانتقال إلى نظام حكم في لبنان قابل للحياة؟!