الفيلم الفلسطيني «يافا.. أم الغريب».. ذاكرة لا تنسى وبلاد لا تنتهي

رياض أبو عواد يكتب عن تجربة سينمائية تقدم «المدينة الذاكرة»

في افتتاح الدورة الـ35 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول حوض البحر الأبيض المتوسط مساء الثلاثاء الماضي، لم يتم تقديم فيلم الافتتاح، وتقرر عرضه في ثاني أيام المهرجان الأربعاء الماضي، حيث شهد هذا اليوم عرض 4 أفلام، اخترت من بينها الفيلم التسجيلي الفلسطيني الطويل “يافا ،أم الغريب” لرائد دزدار ، وهي تجربة لا يمكن تجاهلها، إذ قدم فيلما عن المدينة الذاكرة والبلاد التي لا تنتهي رغم كل الهزائم، فهي تعيش في خلايا الذاكرة وفي نقطة الكفاح التي يحملها أي إنسان يؤمن بقضية.

 

فيلم “يافا، أم الغريب” ينقل من الذاكرة الكثير من التفاصيل عن المدينة التي شهدت أكبر موجة عنف صهيوني ضدها في عام 1948، وهو عام الهزيمة العربية على أرض فلسطين وإعلان إقامة الدولة الصهيونية على أكثر من ثلثي الأرض، وتهجير سكانها لتفريغ الأرض أمام الكيان الامبريالي الجديد الذي عليه أن يلعب دوره التاريخي في تفتيت هذه المنطقة وعدم توحدها لتأكيد استمرار استغلالها وانتهاك حقوق شعوبها الى لأطول فترة زمنية ممكنة، وذلك لصالح الرأسمال المالي العالمي بقيادة بريطانيا وفيما بعد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

الفيلم يستند في حواره إلى شخصيات كبيرة من أهالي يافا من الذين ولدوا وعاشوا سنواتهم الأولى، وبعضهم عاش سنين المراهقة، قبل وقوع النكبة الفلسطينية، وعند تصوير الفيلم كانوا بغالبيتهم يتجاوزون الثمانين من العمر، كما كانوا شهودا على هذه الأحداث إلى جانب أرشيف بريطاني مصور يعود إلى وقت الأحداث وكذلك صور وثائقية محددة ومعلومات تاريخية مهمة ومؤكدة.

ومن المعلومات التي أكدها الفيلم، تتعلق بوجود مدينة يافا قبل أكثر من أربعة آلاف عام حين بناها الكنعانيون باسم مدينة يافي والتي تعني باللغة الكنعانية “الجميلة” وشهدت كل أنواع الحروب عبر التاريخ حيث دخلتها جيوش الفراعنة واشور وبابل والحيثيين واليونانين والرومان وفيما بعد الدول الاسلامية المتعاقبة والصليبيين والمماليك والعثمانيين وصولا للاحتلال البريطاني لها بعد الحرب العالمية الاولى والتمهيد لاقامة الكيان الصهيوني على أرضها عام الـ 1948 بعد الحرب العالمية الثانية.

ويوضح الفيلم الكثير من الأحداث التي سبقت عام 1948 مشيرا إلى أن المدينة تعرضت لعدة موجات من التدمير وإعادة البناء، منذ حملة نابليون على بلاد الشام مرورا بما دمره البريطانيين في عام 1936 في محاولتها لتدمير روح المقاومة الفلسطينية التي تجلت في أطول إضراب وعصيان مدني شهده التاريخ، والمرافق لثورة الشيخ عز الدين القسام المسلحة ضد الوجود البريطاني والصهيوني على أرض فلسطين.

 

يشير الفيلم إلى أن يافا كانت العاصمة الاقتصادية لفلسطين وميناؤها هو الأساسي في تصدير واستيراد البضائع منها وإليها، وكانت تعتمد في تجارتها بشكل كبير على تجارة وتصدير البرتقال المعروف باسمها على صعيد العالم حيث كانت تصدر مئات الآلاف من الأطنان سنويا ويعيش ويرتبط في هذه السلعة التي تحقق دخلا أكثر من النفط حسب أحد المتحدثين في الفيلم  عدة مهن من القطاف إلى التعليب إلى النقل وما يحتاج له البرتقال من خصوصية في التعليب والنقل.

كذلك نوّه إلى صناعة هياكل الحافلات ومصانع السكب والطباعة والنشر، حيث كانت يافا عاصمة للصحافة الفلسطينية ومن بينها أهم ثلاثة صحف فلسطين والدفاع والشعب مرتبة حسب الاهمية ودرجة الانتشار. إلى جانب انتشار دور السينما فيها في أكثر من حي.

وكانت المدينة مختلطة إلى أبعد حد، يندمج فيها أبناء الشام من مختلف بلاد الشام من لبنانيين وسوريين وكذلك المصريين  فمن خلال أسماء المتحدثين المنيرة على شاشة العرض تعرف الأصول التي جاء منها هؤلاء وهم جميعا يتحدثون عن مدينتهم لا عن مدينة أخرى جاء اهلهم منها، ولهذا أطلق عليها اسم “أم الغريب” حيث يندمج المدينة في عشق المدينة التي يذوبون فيها.

وكان غالبية المثقفين العرب من مصريين وشوام يزورون المدينة لأنها كانت أحد معابر تعرف المجتمعات العربية عليهم ومن بينهم طه حسين ومحمود عباس العقاد وآخرين وهذا ينطبق ايضا على الحياة الفنية، حيث كانت مدينة يافا جواز عبور لغالبية المطربين والفنانين العرب، ومن بينهم فتحية احمد وام كلثوم ومحمد عبد الوهاب ويوسف وهبة ونجيب وريحاني وفاطمة رشدي.

كما لعب وجود العديد من العرب العاملين في إذاعة الشرق الأدنى التي انطلقت في مدينة جنين، وتم نقلها سريعا فيما بعد الى مدينة يافا، إلى انطلاق نهضة فنية كبيرة من بينهم حليم الرومي وغرام شيبا ويحيى اللبابيدي وغيرهم وقد ساهم فيها الفلسطينيون بشكل كبير وبقي تأثير بعضهم كبيرا إلى ما بعد النكبة.

ومن اهمهم صبري الشريف الذي انطلق من نظرية جديدة بالنسبة للموسيقى العربية تعتمد مزج التراثي مع الاستفادة من التراث الموسيقي العالمي، ضمن رؤية جديدة للموسيقى، حتى أن الياس سحاب المؤرخ الموسيقي اللبناني، أكد في شهادته في الفيلم أن صبري الشريف بقوله ان “النهضة الموسيقية التي ظهرت في لبنان أساسها صبري الشريف عندما كان مدير الفسم الفني في اذاعة الشرق الادنى وان له تأثيرا كبيرا على تجربة الرحابنة”.

 

وكان الصهاينة عندما بدأوا في استيطان فلسطين أدركو قيمة المدينة فحاولوا إحاطتها بمدينة مكتظة بالمتطرفين الصهاينة، لأن السيطرة على هذه المدينة يضمن انتصارهم فيما بعد فبنوا مدينة تل أبيب لتحاصر مدينة يافا ولعبت دورا كبيرا في حرب 1948 في تدمير أحياء بكاملها من المدينة وإجبار أهلها على الرحيل.

وتأتي روايات الرجال والسيدات المشاركين في رواية الأحداث في الفيلم لتنقل صورا بشعة عن المجازر وكثافة النيران التي تعرضت لها المدينة واجبرت على الرحيل حيث اضطر لمغادرتها اكثر من 120 الف لم يتبقى منهم سوى ثلاثة آلاف اعادتهم الظروف اليها ولم يستطع الكيان الصهيوني التخلص منهم.

هذه ذاكرة أبناء المدينة الذين رحلوا عن عالمنا لكن المدينة انتقلت الى الجيل الجديد وطنا حتى ولو في الذاكرة لا ينسى وتبقى رائحة برتقال يافا تنتقل معهم حتى لو لم يروه.

فيلم “يافا.. أم الغريب” من إنتاج قناة الغد، وإخراج وبحث رائد دزدار.