المتوكل طه يكتب: الكورونا والسخرية

د. المتوكل طه

مع تفشّي كورونا في العالَم، وتوجّس الناس من هوله وآثاره المفزعة، هبّ معظم مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، من الفيس بوك والواتس آب وغيره، وأصبحوا خبراء في الطبّ، وراحوا يفتون في علم الجراثيم والوقاية منها.. فيما راح أصحاب الظلّ الخفيف واللطيف إلى الإتيان بمقاطع من مسرحيات أو أفلام أو مقولات ظريفة أو أحاجي خفيفة أو طرائف من بطون الكتب.. تتحدّث عن الفايروسات والمرضى ومفارقاتهم المضحكة.. ويقدّمون النصائح للمواطنين بضرورة ملازمة بيوتهم، مع جرعة اطمئنان يقدّمونها ليهدّئوا من التوتّر والهلع.

وضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بالأخبار والشائعات والتكهنات والصلوات والنكات والرسوم الساخرة.. وانشغلت بتداعيات الفايروس الذي بات الجميع يخشاه!

والحياة هي المفارقة الأولى والأخيرة، وفي قلب المفارقة تشعّ السخرية بمرارة وفكاهة وجنون. أي أن السخرية هي روح المفارقة وشرايينها ونسغها. والمقصود بالسخرية هنا ما يدعو للتعجب أو الذهول أو المفارقة أو الضحك أو المفاجأة أو الاستخفاف أو التعرية والتشهير.. ولعل هذا ما يجيب – بشكل أولي – على سؤال: لماذا المفارقة؟  ولعل هذا ما دفع “اناتول فرانس” ليقول إن “عالماً بلا مفارقة يشبه غابة بلا طيور”. أي أن المفارقة جزء طبيعي في الحياة، ومكوّن أساس من مكوناتها الطبيعية .

وكانت المفارقة في اللحظة التي وقع فيها أول أمر غير محتمل الحدوث أو بشكل أدق، غير مألوف. بمعنى أن المفارقة وجدت في الوقت الذي أشار فيه الإنسان إلى الفرق بين ما يُنتظر حدوثه، وبين ما يحدث فعلاً، ثم بدأ الإنسان يتنبّه إلى أنه كلما ازداد الفرق كبرت المفارقة. أما ميادين المفارقة فهي ساحات الحياة البشرية، وفي كل نأمة أو حركة أو كلمة تحمل روح المفارقة، وبالذات فإن المجالات المهمة التي سرعان ما تثير المفارقة هي المجالات التي يودع فيها أكبر رصيد عاطفي: الدين، الحبّ، الأخلاق، السياسة، التاريخ، وسبب ذلك بالطبع أن هذه المجالات تتميز بانطوائها على عناصر متناقضة: الإيمان والحقيقة، الجسد والروح، العاطفة والعقل، الذات والآخر، ما يجب وما هو واقع، النظرية والتطبيق، الحرية والحاجة .

وللمفارقة أشكال عدة  تبعاً لكل زمان ومكان وثقافة وخصوصية، وهي أنواع ؛ منها البلاغية، الاستخفاف بالذات، هزء المفارقة، المفارقة بالتشابه، المفارقة غير اللفظية، المفارقة الدرامية، المفارقة غير الواعية، مفارقة تنمّ عن نفسها، مفارقة الأحداث، المفارقة الكونية، مفارقة التنافر، المفارقة المزدوجة.. الخ  .

ويرى فرويد “ن المفارقة (الهادفة) تكون شديدة القرب من النكتة.. وتقع بين الأصناف الدنيا من الكوميدي.. فهي تحدث لذّة كوميدية لدى السامع.. وهي في ذلك تشبه النكات التي (تطلق اللذة بالتخلص من المكبوتات)” – البُعد التنفيسي للنكات – ولعل السخرية والمفارقة من جنس واحد، لأن روحاً واحدة هي التي تمدّهما بالحياة، غير أن السخرية تعتمد على التضخيم والمفاجأة، وعلى الكلمة والحركة أكثر من غيرهما.

وأعتقد أن السخرية هي “أدب” العامة والخاصة. أما المفارقة فهي “أدب” الخاصة أكثر منهما للعامة من الناس، وهذا ما يوضح طغيان وانتشار السخرية، في حين أن المفارقة لا تشيع شيوع السخرية والنكتة والفكاهة.

والسخرية، أداة مقاومة شعبية ثقافية ضد القمع والاضطهاد والقهر الاجتماعي والسياسي وتصبح – كفن شعبي – أكثر إضاءة في وجدان الجماهير، واكثر تفجّراً لمعاناتها وشقائها وأحلامها المقتولة.

وتتقاطع السخرية والفكاهة في إثارة الضحك. لكن (ضحك) السخرية خشن ومرّ ولاذع ومتشفٍ، في حين أن (ضحك) الفكاهة صافٍ ناعم متعالٍ، لأن السخرية فن يختلف عن الفكاهة اختلافاً جوهرياً، فالسخرية تهدف إلى المواجهة والتعبئة والتغيير، في حين “تترفع” الفكاهة لتبقى عمق الموقف الرسمي “الارستقراطي”،  فالنكتة بالنسبة للحاكم أو لرأس أية بنية اجتماعية ثرية أو متسلّطة، لا تعدو كونها وسيلة ترفيه وترويح عن النفس الغاصبة المستبدة، عدا عن أن الطبقات (العليا المُرفّهة) جعلت من الطبقات (الدنيا الفقيرة) مادة نكاتهم ولهوهم .. بل تعدّوا ذلك بأن سمعنا عن عدد من الامراء والحكام الذين استعانوا (ببهلوان) في قصورهم بهدف اللهو والهزل والمجون والتسرية عن نفوسهم، حتى أن النكات الجنسية، التي يبدو  الأغنياء والحكام بعيدين عنها ويمجّونها، نجدها أكثر ما نجدها، لديهم، بل إنهم غارقون إلى حدّ الانفلات في استغلال النساء جسدياً. ولهذا قام الفقراء والمسحوقون بالردّ على فكاهة القصور بسخرية الجوع والقهر والاضطهاد والانتقام . ان ضحك “الضحية” بذلك، يختلف جذرياً عن ضحك “الجلاد”. فالضحية تقاوم وتعبئ ضحكتها بمضامين التمرد والتململ والثورة، بينما يكرس الجلّاد حالة اللهو فحسب، ومن هنا ولدت النكتة السياسية والكاريكاتور ضد الحكام والسلاطين ورموز القهر والتجويع، وامتدت النكتة لتتناول كل مصادر الاضطهاد والخلل والقمع والاذلال.. وبدت كأنها الضحك الأسود، ووسيلة المغلوب على أمره، وسلاحه الممكن الذي يوظّفه ضد خصومه .

ظلّ أن أشير إلى أن ثمة فكاهة (طاهرة، حسنة النيّة) وهي تلك التي تكون بين الأهل والاصدقاء، بهدف الضحك والمزاح والدعابة والظرافة وتحبيب الذات وتقريبها من الآخرين.

قد نتفق على أنه ليس بوسع كل إنسان أن يصبح ساخراً أو صاحب مفارقة، لما يحتاجه ذلك من حساسية وإدراك ودقة ملاحظة وذكاء وقدرة على البداهة وامتلاك الموهبة، عدا عمّا يكتسبه في حياته من معلومات ودربة وخبرة تصقل كل ذلك وتؤصله.

***

ومع مشاهد اكتساح الكورونا للعالم ومشاهد الجنائز السوداء، فزع الناسُ إلى ربّهم مستغفرين، يدعونه باكين تائبين، وطفحت وسائل التواصل الاجتماعي بالدعوات والصلوات والابتهالات، وبالصلاة على النبيّ الحبيب، واستذكار العِبر والزّهد والتبتّل والخشوع .

وما يزيد الطين بلّة هو أن بعض المسؤولين أنفسهم راحوا يتجرّأون على قرارات حكومة السُلطة.. ويعنلون عدم نفاذها! ما معنى هذا؟

معناه أن الهشاشة قد استبدّت في حالتنا الفلسطينية، وأن الأمر لم يتوقّف عند أزمة بنيويّة كنّا نعاني منها، بل بتنا نعاني من أزمة وجود . أعني السلطة ولا أعني الشعب .

والواضح أننا خرجنا من “الصدمة الأولى” للكورونا ودخلنا مرحلة “الهضم”.. والآن سندخل مرحلة  التعاش مع هذا االوباء.  وأعتقد أن مرحلة التعايش تحتاج إلى وعي وآليات وإمكانيات.. فهل نحن مستعدون، ونمتلك، وقادرون عليها؟

باختصار، لقد اكتشفنا أنه لا يوجد لدينا حساب مخاطر، في لحظة تشهد أزمة اقتصادية خانقة، ولحظة سياسية جارفة وخطيرة، ولحظة وطنية ما زلنا خلالها منقسمين.. ونبيع الأوهام للناس!

***

والآن، ومع تفاقم انتشار الفايروس، إلى حدّ لا يمكن لأحدٍ السيطرة عليه، ما العمل ؟ وإلى أين نحن ذاهبون، أو بالأحرى إلى أين ستأخذنا الأمور ؟

لا أعتقد أن منحنى النقاش في المستقبل القريب  سيبقى في دائرة: فتح محل هنا أو مقهى هناك، أو قرار وزير أو محافظة أو تهرّب عمال من السلك والجدار، وتباعد وكمامة وسيطرة عسكر وتقارير الناطق الرسمي… الخ. أعتقد أن الأمور ستكون أصعب من ذلك بكثير..

إذ لن ينتهي عندنا كورونا إلا عندما ينتهي باسرائيل، وهذا يبدو لن يحصل قبل ظهور اللقاح.

شرط إنهاء وجود الفايروس في فلسطين إغلاق الحدود بشكل تام بيننا وبينهم، ثم حساب فترة الحضانه، واكتشاف مناطق ظهور المرض وإغلاقها، مع احتساب فترة التعافي وهي تسعة أسابيع.. بعدها يصبح اتجاه المتعافين أعلى من المصابين الجدد .. وهكذا الى مستوى الصفر ..

طبعاً هذه الخطّة غير قابله للتنفيذ لألف سبب وسبب …

المستقبل ينذر بالشؤم، ما لم يتداركنا اللقاح ويخرجنا من هذه الكارثة المُحدِقة، برحمة من الله ومشيئته .

ولعل هذه الطرفة تعبّر عن الحالة برمّتها ! تقول الطرفة: الضفة بدها 5 أعراس ولعبتين شدّة وبتصير تيجي على ناشيونال جيوغرافيك في برنامج “حضارات عابرة”.

 

مصر

79٬254
اجمالي الحالات
950
الحالات الجديدة
3٬617
اجمالي الوفيات
53
الوفيات الجديدة
4.6%
نسبة الوفيات
22٬753
المتعافون
52٬884
حالات تحت العلاج

الإمارات العربية المتحدة

53٬577
اجمالي الحالات
532
الحالات الجديدة
328
اجمالي الوفيات
1
الوفيات الجديدة
0.6%
نسبة الوفيات
43٬570
المتعافون
9٬679
حالات تحت العلاج

فلسطين

5٬220
اجمالي الحالات
191
الحالات الجديدة
24
اجمالي الوفيات
4
الوفيات الجديدة
0.5%
نسبة الوفيات
525
المتعافون
4٬671
حالات تحت العلاج

العالم

12٬337٬473
اجمالي الحالات
215٬716
الحالات الجديدة
554٬636
اجمالي الوفيات
4٬560
الوفيات الجديدة
4.5%
نسبة الوفيات
6٬929٬179
المتعافون
4٬853٬658
حالات تحت العلاج